كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. ( نهج البلاغة ٤: ٤٩)        الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن أنت لم تأتِه أتاك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٥)       إذا تم العقل نقص الكلام. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)        ربّ يسير أنمى من كثيرٍ. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      
الدروس > بحث خارج > فقه > قاعدة لا ضرر ولا ضرار الصفحة

الضرر والضرار في الكتاب العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة (الضرر) وردت في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله سبحانه:
١ ـ (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أُولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم…)(١).
أي الا أهل الضرر والنقص منهم، بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها الى الجهاد، للضرر الذي بهم. والمراد من الضرر هنا هو النقصان من عمى أو مرض.
وأما الضرار، فهو من فروع الظلم والتعدي على النفوس والحقوق والاموال، وعلى ذلك فهو محكوم بالقبح عقلاً وبالحرمة شرعاً.
وقد وردت هذه الكلمة وما اشتق منها في الآيات القرآنية التالية:
٢ ـ قوله سبحانه: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزواً واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم) (٢).
كان الرجل ـ في الجاهلية ـ يطلق امرأته ويتركها، وعندما يقرب انقضاء عدتها، يراجعها لا عن حاجة ورغبة ولكن ليطول العدة عليها ايذاءً وضراراً بها. فنهى الله سبحانه عن هذا الاسلوب التعسفي، كما قد حدد الطلاق بعد أن لم يكن له ولا للرجوع حد وحصر، بما يلي:
(الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)(٣).
هذه هي الحدود الالهية. وأما الرجوع بقصد الطلاق، فهو ليس من الامساك بمعروف، ولذلك فقد عده سبحانه من الامساك ضراراً، فالواجب على الزوج ـ كما في هذه الكريمة ـ أحد أمرين:
الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجية، أو التسريح والتخلي عنها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار.
وروي عن عائشة أنها قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته:
والله لا أطلقك فتبيني ولا آويك أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما شاهدت عدتك ان تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت حتى جاء النبي (ص) فأخبرته. فسكت النبي (ص) حتى نزل القرآن (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ومن لم يكن طلق(٤).
و(الضرار) في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين ولا المجازاة. والمراد منه في المقام هو ايجاد الضيق والمشقة وإدخال المكروه عن عناد وتعمد.
فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في الآيات الاخر، لأنها كقرائن منفصلة تثبت ما هو المقصود من الحديث.

(١) النساء: ٩٥.
نزلت الآية ـ كما في كتب التفسير والحديث ـ في من تخلف عن رسول الله (ص) يوم تبوك وقد عذر الله سبحانه أولي الضرر منهم وهو عبد الله بن أم مكتوم. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبي (ص) حين نزلت عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ولم يذكر أولي الضرر. فقال ابن أم مكتوم: فيكف وأنا أعمى لا أبصر؟! فتغشى النبي الوحي ثم سرى عنه فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) فكتبتها.
(٢) البقرة: ٢٣١.
(٣) البقرة: ٢٢٩.
(٤) الترمذي: الصحيح: ١/ ٢٢٤، الحاكم النيسابوري. المستدرك: ٢/ ٢٧٩.