كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة. ( نهج البلاغة ٣: ٨٨ )       أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)      إفعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً، فإن صغيره كبير وقليله كثير. ( نهج البلاغة ٤: ٩٩)      إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٩)     عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الحدود الصفحة

السبب الأوّل: الزنا
بسم الله الرحمن الرحيم
(كتاب الحدود. وأسبابها ستة عشر:
السبب الأوّل: الزنا
ويتحقق ذلك بإيلاج الإنسان حشفة ذكره في فرج امرأة محرّمة عليه أصالة(١) من غير عقد ولا ملك ولا شبهة(٢).
ولا فرق في ذلك بين القبل والدبر فلو عقد على امرأة محرمة كالاُم والاُخت وزوجة الولد وزوجة الأب ونحوها جاهلاً بالموضوع أو بالحكم فوطأها يسقط عنه الحد، وكذلك في كلّ موضع كان الوطء شبهة، كمن وجد على فراشه امرأة فاعتقد أنّها زوجته ووطأها. وإن كانت الشبهة من أحد الطرفين دون الطرف الآخر سقط الحد عن المشتبه خاصة دون غيره، فلو تشبهت امرأة لرجل بزوجته فوطأها، فعليها الحد دونه).
تضمّن المتن فروعاً أربعة:
١ ـ كون الزنا موجباً للحد. وأصل ذلك ثابت كتاباً وسنة وضرورة عند المسلمين. ويكفينا قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ…)(٣).
٢ ـ موضوع الزنا هو التقاء الختانين، ولذلك لم يذكر اعتبار كلّ الذكر واكتفى بدخول الحشفة.
والدليل عليه روايات متعددة:
أ ـ صحيحة عبد الله بن علي الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل، أعليه غسل؟ قال: ((كان علي ـ عليه السلام ـ يقول: إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل)). قال: ((وكان علي ـ عليه السلام ـ يقول: كيف لا يوجب الغسل والحدّ يجب فيه؟ وقال: يجب عليه المهر والغسل))(٤).
ويظهر من الحديث أن معروفية الحد عند المسلمين أكثر من الغسل والمهر، ولذلك حكم ـ عليه السلام ـ بوجوب المهر والغسل؛ لأنّهما لم يكونا معلومين. ومثلها:
ب ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ((جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي ـ عليه السلام ـ: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي ـ عليه السلام ـ: اتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعاً من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون ودعوا ما قالت الأنصار))(٥).
وهذه أيضاً تجعل المعيار التقاء الختانين في صدق الزنا من باب ذكر لازمه هو الحد أو الرجم، والمراد من الختان محلّه، فإن في المرأة أيضاً يستحب الختان.
ت ـ ومنها: صحيحة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الجلد))(٦).
وهذه الأخبار كما تدل بمنطوقها بالدلالة المطابقية على وجوب الغسل والمهر والحد أو الرجم وبالالتزامية على أنّ المعيار في الزنا هو التقاء الختانين، أي دخول حشفة الذكر، تدل بالمفهوم على أن الأقل من التقاء الختانين لا يوجب هذه الاُمور(٧).
٣ ـ عدم الفرق بين القبل والدبر.
وهذا هو المشهور شهرة عظيمة، وأصحاب هذا الرأي يستدلون بإطلاق الزنا والفجور وإصابة الفاحشة والمجامعة والمواقعة والإتيان التي وردت هذه العناوين في روايات لزوم الحد.
ولكنْ في المسألة تأمل من جهة أنّ المجامعة والمواقعة في المعنى اللغوي لا يصدق، وإنما هو بالمعنى العرفي، بمعنى أن المجامعة لغة بمعنى الاجتماع، وهو أعم من الزنا، وإنما تدل على الزنا بالمعنى العرفي. وهكذا الإتيان فهو لغة يصدق على كلّ ما أتى شخصاً شخصاً، فبالمعنى العرفي يشمل الإتيان في القبل، وهل يشمل الدبر؟
يمكن أن يقال بأنه ليس زناً، إذ ليس الإدخال في أي ثقب من المرأة المحرمة زناً. وأما إصابة الفاحشة فهو كلّ محرّم جنسي كما في الفجور، قال تعالى: (بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)(٨).
وأمّا عنوان الزنا فقد يقال بانصرافه إلى القبل، ولأجل هذا التأمل صار بطلان الصوم بالإيلاج دبراً محل بحث، وسبب ذلك التأمل في صدق الجنابة، فإن ثبتت الجنابة يجب عليه الغسل ويبطل صومه.
نعم، هناك رواية تقول الدبر أحد المأتيين، وبإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقه، عمّن أخبره، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن رجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: ((هو أحد المأتيين فيه الغسل))(٩).
فبفضل هذه الرواية يمكننا إثبات الحكم بضم روايات الإتيان. والنتيجة عدم الفرق بين الدبر والقبل للجمع بين الروايات.
لكن هذه الأدلة وكذا قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) المتقدمة لا تعدو كونها مطلقة أو عامة تشمل القبل والدبر، فهي قابلة للتقييد بمفهوم الجملة الشرطية في صحيحة الحلبي وأبي بصير: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الجلد))، فإنّ هذه الصحيحة تقيد إطلاق الجلد في الآية المباركة وفي الأدلة المطلقة ويؤيد ذلك: رواية معتبرة بمضمون أن الشهادة بالزنا وقعت على امرأة وقال الشهود رأينا الإيلاج، وأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أمر نساء لفحصها فأجبنا أنها بكر فرفع الحد عنها.
والرواية: عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((اُتي أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بامرأة بكر زعموا أنّها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن: هي عذراء، فقال: ما كنت لأضرب من عليها خاتم من الله، وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا))(١٠).
فإنّ الجمع بين قبول تلك الشهادة وبقاء بكارتها أنّها وطئت دبراً.
فيظهر من الرواية أن أصل الإيلاج قد ثبت بالشهادة، لكن موضوع الحد وهو خصوص الإيلاج بالقبل بما أنه ثبت عدمه فارتفع الحد لعدم الموضوع.

(١) قيد (الأصالة) لإخراج مثل الحائض فإنّها محرمة عرضاً.
(٢) وقيد (من غير عقد ولا ملك) توضيحي؛ لأنّ قيد المحرمة يغني عن ذلك.
(٣) النور: ٢.
(٤) الوسائل ٢: ١٨٣ ـ ١٨٤، أبواب الجناية، ب٦، ح٤.
(٥) الوسائل ٢: ١٨٤، أبواب الجناية، ب٦، ح٥.
(٦) الوسائل ٢٨: ٨٩، أبواب حد الزنا، ب١٠، ح١٧.
(٧) أي بمفهوم القضية الشرطية.
(٨) القيامة: ٥.
(٩) الوسائل ٢٠: ١٤٧، أبواب مقدمات النكاح، ب٧٣، ح٧.
(١٠) الوسائل ٢٧: ٣٥٤، كتاب الشهادات، ب٢٤، ح١٣.