اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كلٌّ منه. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة. ( نهج البلاغة ٣: ٨٨ )     من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٨٨ )     القناعة مال لا ينفد. ( نهج البلاغة ٤: ١٤)      
الدروس > بحث خارج > فقه > القضاء الصفحة
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
في مقدمة هذا البحث نطرح عدّة مواضيع.
الأوّل: خلق الله الموجودات على أساس نظام وقانون، وقد قدّر لكلٍّ نظاماً وقانوناً يتحرّك وفقه، وهو ما نعبّر عنه بنظام الخلق.
أشار القرآن إلى هذا النظام في آيات عديدة وأكّد عليه، وعبر عنه بالتقدير.
أشار إلى النظام الكلي بآيات من قبيل الآيات التالية:
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(١).
(قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)(٢).
(وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)(٣).
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)(٤).
كما أنّه أشار إلى نظام أشياء خاصة، من قبيل ما ورد في الآيات التالية:
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)(٥).
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ)(٦).
(مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)(٧).
(والشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)(٨).
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا)(٩).
(وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا)(١٠).
الثاني: خلق الله الإنسان ووهب له كرامةً وفضيلةً (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...)(١١)، وبما أنه مكرّم من قبل الله كان من المفروض أن يكون له نظام وقانون يبرمج حياته وفقه ويتكامل ويتعالى على باقي الموجودات من خلاله.
آيات كثيرة دلّت على أن الموجودات الأُخرى خُلقت لأجل الإنسان؛ وذلك لشأنه الرفيع (وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ...)(١٢).
إنّ هذا النظام هو نفسه الصراط المستقيم، الذي ورد ذكره واحداً وثلاثين مرّة في القرآن، من قبيل: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ...)(١٣) و(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ)(١٤) و(قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً)(١٥).
كما عبّر عن هذا الصراط المستقيم بالحياة الطيبة، فهو يوفّر للإنسان صلاح دنياه.
من جانب آخر، فإن الإنسان ليس كباقي الموجودات ذات البُعد الواحد، التي لا معنى لتكاملها وتقدّمها بل تنتهج حياة مرسومة لها، من قبيل النحل المنتج للعسل، فهو لا زال كما كان من ذي قبل. أمّا الإنسان فموجود متعدد الأبعاد ويُتصوّر التكامل في حقه؛ ولأجل ذلك بعث الله الرسل بالبيّنات.
الثالث: يختلف الإنسان مع باقي الموجودات في أنه مختار وله حق الانتخاب وصاحب إرادة؛ ولهذا قد يختار الدين وقد يتخلّف عنه، رغم أنّ المفروض به أن يختار الدين الذي يأخذ به نحو الكمال، ولهذا فرضت عليه بعض العقوبات لأجل ذلك التجاوز والتخلّف، وهذا هو موضوع كتاب القضاء، على أن التجاوز قد يكون في الأُمور المالية وقد يكون في الأعراض وما شابه ممّا يؤدي إلى خصومة، وتستدعي وجود أفراد يبتّون في رفع هذه الخصومة، وهم القضاة.
الرابع: مضت سنين والقوانين الإسلامية لا تطبّق في المجتمعات، بسبب عدم توفّر ظروفها، لكنه بدأ يتطبق في عصرنا هذا بعد ما تشكلت حكومة إسلامية.
كان ذلك مقدمة عن القضاء وضرورته.

(١) الفرقان: ٢.
(٢) الطلاق: ٣.
(٣) الرعد: ٨.
(٤) الحجر: ٢١.
(٥) يس: ٣٩.
(٦) المؤمنون: ١٩.
(٧) عبس: ١٩.
(٨) الرحمن: ٥.
(٩) فاطر: ١٣.
(١٠) يس: ٣٨.
(١١) الإسراء: ٧٠.
(١٢) النحل: ١٢.
(١٣) الشورى: ٥٢.
(١٤) الأنعام: ١٥٣.
(١٥) الأنعام: ١٦١.