خذ على عدوك بالفضل فإنّه أحلى الظفرين. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار. ( نهج البلاغة ٤: ١٩)        لا تقل ما لا تحب أن يقال لك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)      من أطال الأمل أساء العمل. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٩٥)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الطلاق الصفحة

شرائط المطلّق
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة:
أ ـ تعريف الطلاق لغةً واصطلاحاًً
أمّا لغةً: ففي (كتاب العين): (...أطلقت الناقة وطَلَقَتْ هي: أي حَلَلْتَ عِقالَها فأرسلتها) (١).
وفي (الصحاح): (... وبعير طُلُق وناقة طلق ... أي غير مقيَّد ... وحُبِسَ فلان في السجن طُلُقاً، أي بغير قيد) (٢).
وفي (النهاية): (وطلاق النساء لمعنيين: أحدهما: حَلّ عقد النكاح، والآخر بمعنى: التخلية والإرسال) (٣).
وفي (لسان العرب): (إنّه حلّ القيد ويطلق على الإرسال والترك، يقال: ناقة طالق أي مرسلة ترعى حيث تشاء، وطلّقت القوم إذا تركتهم) (٤).
وفي (أقرب الموارد): (طَلقَتِ المرأة من زوجها طلاقاً: بانت فهي طالق وهنّ طوالق« وطلُقت الناقة: انحلَّت من عقالها... طلّق المرأة: خلاَّها عن قيد الزواج... أطلق المواشي: سرّحها وأرسلها إلى المرعى) (٥).
وفي (المجمع): (وطلاق المرأة يكون لمعنيين، أحدهما: حلّ عقدة النكاح، والآخر بمعنى: الترك والإرسال، من قولهم طلّقت القوم: إذا تركتهم) (٦).
والحاصل: أنّ الطلاق لغةً بمعنى حلّ القيد وربّما يستعمل بمعنى الإرسال والترك.
وأمّا اصطلاحاًً: فللفقهاء تعريف خاصّ للطلاق غير معناه اللغوي، كما في لفظ الحجّ فإنّه لغةً بمعنى القصد، واصطلاحاً يستعمل في الأفعال والتروك الخاصّة.
وقد عرّف بتعاريف:
منها: إزالة قيد النكاح بصيغة طالق وشبهها (٧)، فإنّه إرسال خاصّ.
ومنها: زوال قيد الزوجيّة بألفاظ مخصوصة (٨)، والذي ينبغي الالتفات إليه أخذ قيد (الصيغة) في تعريف الطلاق بخلاف تعريف البيع والنكاح وغيرهما.
ب ـ مشروعيّة الطلاق:
يدلّ على مشروعيّته:
أوّلاً: أنّه من ضروريّات الإسلام.
وثانياً: ترتيب الأحكام المخصوصة عليه في الكتاب والسنّة؛ قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ...) (٩) و(يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ) (١٠).
والطلاق من الأمور المتعارفة عند الناس وقد أمضاه الشارع بشروط خاصّة.
ج ـ مبغوضيّته عند الشارع المقدّس:
الطلاق عمل مبغوض عند الشارع، وقد وردت روايات متعدّدة دالّة على أنّ أبغض الحلال هو الطلاق، حتّى ورد أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ قال: ((... وما من شيء أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من بيت يعمر بالنكاح وما من شيء أبغض إلى الله عزّ وجلّ من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة يعني الطلاق)) (١١).
وقد حثّ الشارع على بقاء النكاح وذمّ قطع هذه العلقة، وإذا كان النكاح أحبّ شيء إلى الله فالطلاق أبغض شيء لديه، وفيه مفاسد فرديّة واجتماعيّة، بالنسبة إلى المطلّق والمطلّقة والأولاد وما يخلّفه من الحالات النفسيّة لهم.
د ـ حكمة تشريعه
لقد أكّد الإسلام على استحكام بناء الزواج واستمراره، ومع ذلك كلّه قد يكون في بقاء الزواج واستمراره مفاسد أو مشاكل أكثر من مفاسد الطلاق فينحصر العلاج بالطلاق.
وروي عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ قال: ((خمسة لا يستجاب لهم: رجل جعل الله بيده طلاق امرأته فهي تؤذيه وعنده ما يعطيها ولم يخلّ سبيلها...)) (١٢).
وسوف نتناول البحث عنه ضمن فصول:
الفصل الأوّل: في شرائط صحّة الطلاق
تنبيه: هذه الشرائط متلّقاة من قبل الشرع المقدّس، وأمّا الشرائط الخاصّة القانونيّة ـ مثل الإجازة من قبل المحكمة وتسجيل الطلاق ـ فهو أمر آخر لسنا بصدده في هذا المقام.
وهنا أمور:
الأمر الأوّل: في شرائط المطلّق(الزوج)
شرائط المطلّق عند الإماميّة أربعة:
١ ـ البلوغ.
٢ ـ العقل.
٣ ـ الاختيار.
٤ ـ القصد.
الشرط الأوّل: البلوغ
ولاستيفاء جوانب المسألة ينبغي البحث عنها ضمن مقامات:
المقام الأوّل: في تعريف البلوغ
البلوغ للذكر هو خروج المني، أو إتمام خمس عشرة هلاليّة، أو إنبات الشعر الخشن على العانة، وإن كان الأقوى أنّ البلوغ هو حالة خاصّة مزاجيّة، وخروج المنيّ وغيره علامات لها. والبحث موكول إلى محلّه.
المقام الثاني: في طلاق الصبيّ بمباشرته
والمقصود أنّ غير البالغ إذا كان زوجاً وأراد أن يطلّق زوجته، فهل يصحّ منه أن يطلّق زوجته وهو غير بالغ، أو لا يصحّ حتّى لو كان واجداً لسائر الشرائط؟
وأمّا البحث عن إجراء صيغته وكالةً فسيأتي ـ إن شاء الله ـ في شرائط الصيغة.
في المسألة قولان:
القول الأوّل: اشتراط البلوغ وعليه كثير من القدماء وجلّ المتأخّرين، وادّعى صاحب (الجواهر) أنّ الإجماع بقسميه عليه (١٣).
قال أبو الصلاح الحلبي: (صحّة الطلاق الشرعيّ تفتقر إلى شروط ... منها كون المطلّق ممّن يصحّ تصرّفه ... واشترطنا صحّة التصرّف احترازاً من الصبيّ والمجنون والسكران) (١٤).
وقال سلار: (من شروط المطلّق أن يكون مالكاً لأمره) (١٥).
قال ابن إدريس: (وقد روي أنّ الغلام إذا طلّق وكان ممّن يحسن الطلاق، وقد أتى عليه عشر سنين فصاعداً، جاز طلاقه (١٦)... والأولي ترك العمل بهذه الرواية؛ لأنّها مخالفة لأصول المذهب...) (١٧).
القول الثاني: عدم اعتبار البلوغ لكن يشترط وصول عمره إلى عشر سنين مع تمييزه وفهمه معنى الطلاق وأحكامه، وهو منسوب إلى المفيد (١٨) ـ لكن لم نجده في باب الطلاق من (المقنعة) ـ وقول الشيخ في (النهاية) (١٩)، وابن البرّاج (٢٠)، وابن حمزة (٢١)، وجمع من المتقدّمين.
قال المحقّق الحلّي: (وفي من بلغ عشراً عاقلاً وطلّق للسنّة رواية بالجواز، فيها ضعف) (٢٢).
نعم، نسب إلى ابن الجنيد وعليّ بن بابويه عدم اعتبار البلوغ، وعدم اشتراط عشر سنين، بل يكفي التمييز (٢٣)، وهو ظاهر الصدوق في (الفقيه) (٢٤)، لاقتصاره على نقل موثّقة سماعة الآتية الدالّة على هذا القول.
وأمّا العامّة، فذهب جمهور فقهائهم إلى عدم وقوع طلاق الصغير مميّزاً أو غير مميّز، مراهقاً أو غير مراهق، أُذن له بذلك أم لا، أُجيز بعد ذلك من الوليّ أم لا (٢٥). وخالف الحنابلة في الصبيّ الذي يعقل الطلاق، فقالوا: إنّ طلاقه واقع على أكثر الروايات عن أحمد. أمّا من لا يعقل فوافقوا الجمهور في أنّه لا يقع طلاقه، وروى أبو الحارث عن أحمد: إذا عقل الطلاق جاز طلاقه ما بين عشر إلى اثنتي عشرة، وهذا يدلّ على أنّه لا يقع لدون العشر (٢٦). ومع ذلك قال ابن رشد: (واتّفقوا على أنّه الزوج العاقل البالغ الحرّ غير المكره) (٢٧).

(١) كتاب العين ٥: ١٠١ـ طلق.
(٢) الصحاح ٤: ١٥١٨ـ طلق.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣: ١٣٥ـ طلق.
(٤) انظر: لسان العرب ٨: ١٨٨ـ ١٩٠ـ طلق.
(٥) أقرب الموارد ١: ٧١٣ـ طلق.
(٦) مجمع البحرين ٥: ٢٠٧ـ ٢٠٨ـ طلق.
(٧) مسالك الأفهام ٩: ٩.
(٨) كشف اللثام عن قواعد الأحكام ٨: ٥.
(٩) البقرة: ٢٣١.
(١٠) الطلاق: ١.
(١١) وسائل الشيعة ٢٢: ٧، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ب١، ح١.
(١٢) وسائل الشيعة ٢٢: ١٣، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، ب٥، ح١.
(١٣) جواهر الكلام ٣٢: ٤.
(١٤) الكافي في الفقه: ٣٠٥.
(١٥) المراسم: ١٦١.
(١٦) هذه فتوى الشيخ في النهاية. انظر: النهاية: ٥١٨.
(١٧) السرائر ٢: ٦٩٣.
(١٨) عنه في مسالك الأفهام ٩: ١٠.
(١٩) النهاية: ٥١٨.
(٢٠) المهذب ٢: ٢٨٨.
(٢١) الوسيلة: ٣٢٣.
(٢٢) شرائع الإسلام ٣: ٥٧٩.
(٢٣) مختلف الشيعة ٧: ٣٦١. الحدائق الناظرة ٢٥: ١٤٩.
(٢٤) من لا يحضره الفقيه ٣: ٣٧١، ب١٥٧. ح١٥٧٥.
(٢٥) مغني المحتاج ٣: ٢٧٩. الشرح الكبير ٨: ٢٣٥ـ ٢٣٦.
(٢٦) المغني ٨: ٢٥٧ـ ٢٥٨.
(٢٧) بداية المجتهد ٢: ٨٠.