لا يَصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده. ( نهج البلاغة ٤: ٧٤)        لا تحملن على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)      قدر الرجل على قدر همته. ( نهج البلاغة ٤: ١٣)      صدر العاقل صندوق سره. ( نهج البلاغة ٤: ٣)      رب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة. ( نهج البلاغة ٤: ٩١)      
الدروس > بحث خارج > فقه > المكاسب المحرمة الصفحة

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الشروع في البحث نقدّم أموراً ومنه سبحانه نستمدّ التوفيق والهداية.
الأمر الأوّل: أعمال الإنسان
تنقسم أعمال الإنسان إلى ثلاثة أقسام:
ما يتكفّل ما بينه وبين ربّه ـ وهي العبادات.
وما يكون بينه وبين غيره ـ وهي المعاملات بالمعنى الأعم.
وما يكون بينه وبين نفسه ـ وهي الراجعة إلى الأخلاق وتهذيب النفوس.
وقد يُذكر هنا قسم رابع وهو ما يكون بينه وبين ما يحيط به من منابع الحياة.
ولكن تفكيك هذه الأمور من ناحية لا ينافي وجود ارتباط بينها من ناحية أخرى.
فالعبادات وإن كانت علاقة بين العبد وربّه ولكنّها لا تنفكّ غالباً ممّا يرتبط بغيره من إخوانه في الدين، كالحجّ الذي هو عزّ للإسلام والمسلمين، وصلاة الجمعة والجماعة التي هي مبدأ قوّتهم وشوكتهم، كما أنّ الأخلاق الحسنة لها ارتباط بالله تعالى، وتوجب القرب إليه، وفي نفس الوقت لها جنبة اجتماعية يدور عليها حسن نظام المجتمع البشري وصياغة التفاعل الاجتماعي بين أفراده.
الأمر الثاني: أقسام الفقه
ومن ناحية أخرى يقسّمون الفقه إلى ثلاثة أقسام:
(العبادات) و(المعاملات بالمعنى الأعمّ) و(السياسات).
فالأولى: تعرّف بما تعتبر فيها قصد القربة، والغرض منها العبودية والتقرّب إلى الله تعالى شأنه.
والثّانية: ما يتعلّق بحقوق الناس في المجتمع والأسرة.
الثّالثة: ما يتعلّق بأمر الحكومة ووظائفها، ويدخل في هذا القسم الحدود والديّات والقضاء والجهاد وأمثال ذلك.
والمعاملات بنفسها تنقسم إلى أقسام كثيرة لا حاصر لها عقلاً، فالحقوق الفردية والاجتماعية وما يتعلّق بنظام الأسرة كثيرة لا تندرج تحت حاصر، بل قد يتجدّد بعض الحقوق وما يرتبط بها بمرور الزمان واختلاف الأعصار.
وذكر المحقق ـ رحمه الله ـ في (الشرائع) وكذا المحقّق العاملي ـ رحمه الله ـ في (مفتاح الكرامة) للفقه أقساماً أربعة:
العبادات (في عشرة كتب)، والعقود (في خمسة عشر)، والإيقاعات (في أحد عشر)، والأحكام (في اثني عشر)، فالمجموع ثمانية وأربعون كتاباً.
ومن المعلوم أنّ المعاملات بالمعنى الأخصّ ليست ممّا أسّسها الشارع المقدّس، كما أنّ سائر المعاملات الداخلة في المعنى الأعمّ وما فيها من الحقوق كذلك، وهكذا كثير من السياسات.
نعم، العبادات ممّا أسّسها الشارع المقدّس، وأمّا في غيرها فحكمه يرجع إلى التهذيب والهداية والإصلاح ونفي الضارّ وتأييد النافع، وبالجملة عمل الشارع فيها هو الحذف تارةً والتوسعة أخرى.
ففي مثال نظام الإرث قد ينفي الإسلام شيئاً منه كنفي إرث العصبة، وقد يثبت شيئاً. كإرث الإمام عليه السلام لو لم نقل بأنّ إرث من لا وارث له من ناحية الحكومة كان سارياً قبل الإسلام.
وكون موقف الشارع المقدّس في المعاملات موقفاً إمضائياً وموقف حذف وإصلاح هو الحجر الأساس لهذا البحث، والمفتاح لحلّ كثير من مشاكله، فكلّما كان رائجاً بين العقلاء وأهل العرف ولم ينه عنه الشارع أمضاه بسكوته وتقريره.
وإن شئت قلت: إنّ الشارع أمر في أبواب العبادات بالتوقف حتّى يأتي منه البيان عموماً وخصوصاً.
وأمّا في المعاملات بالمعنى الأخصّ والأعمّ، فكان الناس يستمرّون على ما هم عليه إلاّ أن يمنعهم الشرع.
والظاهر أنّ كثرة الأسئلة والرّوايات في مباحث العبادات وقلّتها في أبواب المعاملات نشأت من هذا الموقف.
الأمر الثّالث: من أين نشأ البيع والشراء بين الناس؟
لا يسعنا بيان تاريخ معيّن لهذا الأمر، والثابت أنّه أمر يعود إلى أزمنة غابرة ماضية جدّاً، من بدء معرفة الإنسان بشخصه.
فإذا تملّك شخص أشياءً من طريق الحيازة وغيرها وكانت أكثر من حاجته وتملّك آخر شيئاً آخر كذلك واحتاج كلّ إلى ما في يد الآخر أعطاه ممّا في يده في مقابل أخذ ما في يد الآخر، ومن هنا ظهر البيع والشراء والسعر في ذلك الزمان كان يدور مدار أمور مختلفة أهمّها العرض والحاجة.
وممّا ساعد على استحكام هذا الأمر واستمراره أنّ الإنسان فهم بسرعة أنّ إنتاج أمتعة مختلفة من طريق الحيازة أو الزراعة أو الصنعة (ولو كانت ساذجة جدّاً) مشكل جدّاً.
أمّا النوع الواحد أو أنواع قليلة فسهل يسير؛ لا سيّما فيما يحتاج إلى الخبروية والمهارة، فإنّ الإنسان لا يتيسّر له المهارة والحذاقة في أمور كثيرة، ولذا اشتغل كلّ فرد بإنتاج نوع واحد أو أنواع قليلة ممّا يزيد على حاجاته غالباً.
ومن هنا اتّسع أمر المعاملات والإجارات وما شابهها، ويظهر بأدنى دقّة أنّه لا يدور رحى حياة البشر بدونها ولو يوماً ما، وكلّما كثرت الروابط والعلاقات الاجتماعية وتطوّرت الأجيال والأمم ازدادت أنواع المعاملات وأقسامها، بينما كانت في أوّل الأمر معاملات بسيطة وساذجة كما لا يخفى.
الأمر الرّابع: الحثّ على التّجارة
ذكر في الحدائق(١) مقدّمات للبحث:
منها الحثّ على التجارة، وروى روايات عديدة ذكرها (الوسائل) وغيرها في المجلّد الثاني عشر في أبواب مقدّمات التجارة في أوّل الكتاب ممّا يدلّ على الاستحباب المؤكّد في أمر التجارة وغيرها من الأمور الإنتاجية وذمّ تاركها.
وإليك هذه الرّوايات:
١ـ عن أبي خالد الكوفي رفعه إلى أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال))(٢).
٢ـ وعن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قال: لأقعدنّ في بيتي، ولأصلّينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي فأمّا رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ((هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم!))(٣) .
٣ـ وعن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ((أرأيت لو أنّ رجلاً دخل بيته وأغلق بابه أكان يسقط عليه شيء من السماء؟!))(٤) .
٤ـ وعن أيّوب أخي أديم بيّاع الهروي قال: كنّا جلوساً عند أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ إذ أقبل علاء بن كامل فجلس قدّام أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ فقال: أدع الله أن يرزقني في دعة، قال: ((لا أدعو لك، اطلب كما أمرك الله عزّ وجلّ!))(٥) .
٥ـ وعن سليمان بن المعلّى بن خنيس عن أبيه قال: سأل أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عن رجل وأنا عنده، فقيل أصابته الحاجة. فقال: ((فما يصنع اليوم؟)) قيل في البيت يعبد ربّه، قال عليه السلام: ((فمن أين قوته؟)) قيل: من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ((والله للذي يقوته أشدّ عبادة منه))(٦) .
٦ـ وعن أبي حمزة عن أبي جعفر: قال: ((من طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره لقى الله عز ّوجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر))(٧) .
٧ ـوعن علي بن الغراب عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ملعون من ألقى كَلّه على الناس))(٨) .
٨ـ وعن الفضل بن أبي قرّة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إنّك نعم العبد لولا إنّك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داود ـ عليه السلام ـ أربعين صباحاً فأوحى الله إلى الحديد: أن لِن لعبدي داود فألان الله عزّ وجلّ له الحديد وكان يعمل في كلّ يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستّين درعاً فباعها بثلاثمائة وستّين ألفاً واستغنى عن بيت المال))(٩) .
٩ـ وعن المعلّى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ وقد تأخّرت عن السوق فقال: ((أغد إلى عزّك!))(١٠) .
١٠ـ وعن روح عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((تسعة أعشار الرزق في التجارة))(١١) .
١١ـ وعن عبد المؤمن الأنصاري عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((البركة عشرة أجزاء تسعة أعشارها في التجارة والعُشر الباقي في الجلود))(١٢) يعني (جلود الغنم).
١٢ـ وعن الحسين بن زيد عن أبيه زيد بن علي عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابيا، يعني الغنم))(١٣) .
١٣ـ وعن محمّد الزعفراني عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((من طلب التجارة استغنى عن الناس)) قلت: وإن كان معيلاً؟ قال عليه السلام: ((وإن كان معيلاً! إنّ تسعة أعشار الرزق في التجارة))(١٤) .
١٤ـ وعن علي بن عقبة قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ لمولى له: ((يا عبد الله احفظ عزّك))، قال وما عزّي جعلت فداك؟ قال: ((غدوّك إلى سوقك وإكرامك نفسك)). وقال لآخر مولى له: ((ما لي أراك تركت غدوّك إلى عزّك؟)) قال: جنازة أردت أن أحضرها. قال عليه السلام: ((فلا تدع الرواح إلى عزّك))(١٥) .
١٥ـ عن سدير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي شيء على الرجل في طلب الرزق؟ فقال: ((إذا فتحت بابك وبسطت بساطك فقد قضيت ما عليك))(١٦) .
١٦ـ وعن الطيّار قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: ((أي شيء تعالج؟)) ـ أي شيء تصنع ـ قلت ما أنا في شيء قال: ((فخذ بيتاً واكنس فناه ورشّه وابسط فيه بساطاً فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما عليك)) قال: فقدمت الكوفة ففعلت فرزقت(١٧) .
١٧ـ وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في حجّة الوداع: ((إلاّ إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإنّ الله تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالاً، ولم يقسّمها حراماً، فمن اتّقى الله وصبر آتاه الله برزقه من حلّه، ومن هتك حجاب الستر وعجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة))(١٨) .
١٨ـ وعن السكوني عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((نعم العون على تقوى الله الغنى))(١٩) .
١٩ـ وعن عمرو بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: ((لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، ويقضي به دَينه، ويصل به رحمه))(٢٠) .
٢٠ـ وعن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((نعم العون على الآخرة الدنيا))(٢١) .
٢١ـ وعن علي الأحمسي عن رجل عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: ((نعم العون الدنيا على طلب الآخرة))(٢٢) .
٢٢ـ وروى في الفقيه مرسلاً قال: قال الصادق عليه السلام: ((ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه))(٢٣) .
٢٣ـ قال روي عن العالم ـ عليه السلام ـ أنّه قال: ((اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً))(٢٤) .
ويستفاد من هذه الرّوايات أنّ الأصل في التجارات وسائر المكاسب والإنتاجات كون أبوابها مفتوحة لجميع الناس، ودور الحكومة الإسلامية يتلخّص في مراقبة المعاملات الاقتصادية لضمان عدم إجحاف الناس وتعدّي بعضهم على بعض، فليس أصل التمركز الاقتصادي مقبولاً في الإسلام، ولا يمكن سلب الحرية عن الناس في ذلك فأنّه مخالف لما يظهر من جميع الأدلّة الشرعيّة قطعاً.

(١) الحدائق ١٨: ٣.
(٢) وسائل الشيعة ١٧: ٢١، أبواب مقدمات التجارة، ب٤، ح٦.
(٣) وسائل الشيعة ١٧: ٢٥، أبواب مقدمات التجارة، ب٥، ح٢.
(٤) وسائل الشيعة ١٧: ٢٥، أبواب مقدمات التجارة، ب٥، ح١.
(٥) وسائل الشيعة ١٧: ٢٠، أبواب مقدمات التجارة، ب٤ ح٣.
(٦) وسائل الشيعة ١٧: ٢٥، أبواب مقدمات التجارة، ب٥، ح٣.
(٧) وسائل الشيعة ١٧: ٢١، أبواب مقدمات التجارة، ب٤، ح٥.
(٨) وسائل الشيعة ١٧: ٣١ـ ٣٢، أبواب مقدمات التجارة، ب٦، ح١٠.
(٩) وسائل الشيعة ١٧: ٣٧ـ ٣٨، أبواب مقدمات التجارة، ب٩، ح٣.
(١٠) وسائل الشيعة ١٧: ١٠، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح٢، وفي رواية أخرى فسر العز (بالسوق) نفس الباب ح١٠.
(١١) وسائل الشيعة ١٧: ١٠، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح٣.
(١٢) وسائل الشيعة ١٧: ١٠ـ ١١، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح٤، ٥.
(١٣) وسائل الشيعة ١٧: ١٠ـ ١١، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح٥.
(١٤) وسائل الشيعة ١٧: ١١، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح٨.
(١٥) وسائل الشيعة ١٧: ١٣، أبواب مقدمات التجارة، ب١، ح١٣.
(١٦) وسائل الشيعة ١٧: ٥٤، أبواب مقدمات التجارة، ب٥١، ح١.
(١٧) وسائل الشيعة ١٧: ٥٥، أبواب مقدمات التجارة، ب٥١، ح٢.
(١٨) وسائل الشيعة ١٧: ٤٤، أبواب مقدمات التجارة، ب١٢، ح١.
(١٩) وسائل الشيعة ١٧: ٢٩، أبواب مقدمات التجارة، ٦، ح١.
(٢٠) وسائل الشيعة ١٧: ٣٣، أبواب مقدمات التجارة، ب٧، ح١.
(٢١) وسائل الشيعة ١٧: ٢٩، أبواب مقدمات التجارة، ب٦، ح٢.
(٢٢) وسائل الشيعة ١٧: ٣٠، أبواب مقدمات التجارة، ب٦، ح٥.
(٢٣) وسائل الشيعة ١٧: ٧٦، أبواب مقدمات التجارة، ب٢٨، ح١.
(٢٤) وسائل الشيعة ١٧: ٧٦، أبواب مقدمات التجارة، ب٢٨، ح٢.