لا تظلِم كما لا تحب أن تُظلَمَ. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      من أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)        لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      الغيبة جهد العاجز. ( نهج البلاغة ٤: ١٠٦)      مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة. ( نهج البلاغة ٤: ٥٥)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الجهاد الصفحة

المهادنة
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وآله أئمة الهدى
وممّا ينتهي به الجهاد والقتال، المهادنة والهدنة
 تعريف الهدنة:
وهي (لغةً) في الأصل : السكون، وتستعمل في الصلح والموادعة بين المتحاربين، وهي في اصطلاح الفقه الإسلامي تستعمل في الصلح الموقّت بين المسلمين وطائفة من الكفار الحربيين، ولذا يطلق عليها الموادعة والمعاهدة الظاهرتان في عدم الدّوام.
قال الشّيخ في (المبسوط ): (الهدنة والمعاهدة واحدة، وهي وضع القتال وترك الحرب إلى مدّة)(١).
وقال العلاّمة (رحمه اللّه) في (التذكرة): (المهادنة والموادعة والمعاهدة ألفاظ مترادفة معناها وضع القتال وترك الحرب مدّة )(٢).ومثله في (المنتهى )(٣)، وقريب منه في (التحرير)(٤) و(القواعد)(٥).
فانقطاع المدّة وعدم الدّوام قد اُخذ في معنى الهدنة وتعريفها، وقد جعلوا ذلك أحد وجوه الفرق بينها وبين عقد الجزية، كما ذكروا له وجوهاً اُخر، راجع التفصيلَ في (القواعد) للعلاّمة (رحمه اللّه ) وبعض كتبه الاُخرى، وكتب غيره.
 
بيان الفرق الجوهري بين الجزية والهدنة:
التحقيق أنّ ما ذكروه من الفارق ليس هو الفارق الأصلي بين ماهيّتهما، بل إنما هو من قبيل العوارض والعلامات، وأنّ الفرق بينهما جوهري، وهو أنّ الطرف المقابل في عقد الجزية هو العدوّ المغلوب، الّذي قد ظهر المسلمون عليه وفُتحت أرضه واُسقطت دولته، والحال يُجعل عليه شيء عوض الضرائب الموضوعة على المسلمين، فهو من جملة مواطني المسلمين، ولكن على غير دينهم.
وأمّا الطرف المقابل في المهادنة هو العدو المستقِّر على أرضه والباقي على دولته ونظامه المدني، وربما يكون قويّاً وغالباً على أمره،بل أقوى أحياناً من المسلمين.
ففي صدر الإسلام كانت الجزية على أهل الكتاب القاطنين في الشام بعدما فُتحت وصارت من أراضي الإسلام، ولكن الهدنة انعقدت مع قريش مكة، ولم يفتحها المسلمون بعد.
والحاصل أنّ عقد الهُدنة ينعقد مع الدّولة المحاربة بما يتبعها من شعبها، وعقد الجزية ينعقد مع اُناسٍ من أتباع دولة الإسلام.
هذا هو الفارق الجذري، وأمّا غيره من الفوارق فهي فروق في المظاهر والأحكام.
 
ثم إنّنا نُواصل البحث في هذا الباب ضمن اُمور:
الأمر الأوّل: في حكمها
وهي جائزة في الجملة بإجماع المسلمين، ومرادنا من الجواز:الجواز بالمعنى الأعم ـ أي الذي يشمل الواجب والمكروه ـ في مقابل عدم الجواز بمعنى الحرمة، ونريد بقولنا: (في الجملة ): أنّ الجواز مشروط بشروط، وما لم تتوفر الشروط تكون المهادنة محرّمة، وسوف نذكرها بتفاصيلها.
 
الأدلة على جوازها:
الدليل الأول: التسالم من المسلمين عليها
الدليل الثاني: آيات من الذكر الحكيم:
منها: قوله تعالى : (إلاّ الذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ المُشرِكِينَ ثُم لَمْ يَنْقُصُوكمْ شَيئاً)(٦) الآية، وقوله تعالى: (إلاّ الذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ المَسجِدِ الحَرَامِ)(٧)الآية، ومنها قوله تعالى : (الذِينَ عَاهَدت مِنْهُم ثُم يَنْقُضُونَ عَهْدَهُم )(٨)الآية.
فهذه الآيات بدلالتها اللفظية تدلّ على جواز عقد المعاهدة مع الكفار، وتُقرّر ما صدر عن المسلمين من المعاهدة معهم، والمعاهدة ـواًّنْ كانت غير مختصّة بما تقع منها ـ راجعة إلى شأن الهدنة وترك القتال، إلاّ أنّ هذا هو القدر المتيقن منها.
ومنها: قوله تعالى : (وَاًّنْ جَنَحُوا لِلسلمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(٩)، فهي تدل على جواز الجنوح للسّلم حينما يجنح لها العدوّ، وهذه الآية واًّن كان مفادها أضيق دائرة من المدّعى في الباب، حيث إنّ الجواز فيها مشروط بمبادرة العدوّ إلى الصلح، مع أنّ المدّعى فيما نحن فيه هو الأعم، إلاّ أنّ دلالتها على الجواز في الجملة ممّا لا يقبل الإنكار.
 
مناقشة دلالة الآية وجوابها:
والمناقشة في دلالتها بأنّ المراد من السلم هو ترك القتال دون قرار أو اتفاق مسبق، ومواضعة بين الطرفين، موهونة جداً، إذ الظاهر من الأمر بالجنوح إلى السلم خصوصاً مع الاقتران بما سبقه من الشرط ـ أي جنوح العدو لها ـ وما لحقه من الأمر بالتوكّل على اللّه، أنـّه أمرَّ بعملٍ ايجابيّ يحتاج إلى عزم وحزم وتوكّل، وليس أمراً سلبياً يتّفق كثيراً في الحروب بغير تمهيد وعزم مسبق، بل ما من حرب دامية مستمرّة في برهة من الزمن إلاّ ويتخلل في ضمنها وقف الحرب مرّات بغير قرار وعقد واتّفاق.
وورود الأمر بالجنوح إلى مثل ذلك مقترناً بمثل هذا التمهيد وذاك التعقيب، شيء لا ينبغي نسبته إلى الذكر الحكيم.
ويدلّ عليه أيضاً ما في (نهج البلاغة ) في عهده (عليه السلام ) إلى مالك الأشتر من قوله (عليه السلام ): « ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك، وللّه فيه رضىً، فإنّ في الصّلح دعة لجنودك»(١٠). الحديث، وقد رواه في(المستدرك)(١١) عن (تحف العقول )(١٢)، كما روي قريباً منه في الألفاظ والمعاني عن (دعائم الإسلام )(١٣) عن علي (عليه السلام ) عن النبي (ص ).
 
الدليل الثالث:
يدل عليه ما نقل من السيرة النبويّة القطعيّة من معاهداته (ص) مع الكفار من مشركيهم ويهودهم ونصاراهم. وكلّها راجعة ـ إمّا بالمطابقة واًّمّا بالملازمة ـ إلى ترك القتال واستقرار الهدوء والصلح الموقت.
فالأمر بحسب الدليل واضح كمال الوضوح، بحيث يبدو أنّ ما فعله أصحابنا من إرساله إرسال المسلّمات، وعدم تصدي الكثير للاستدلال عليها، أمرَّ صحيح حقاً.
 
الدليل الرابع:
إنّ العلاّمة (رحمه اللّه) وتبعه البعض من متأخّري المتأخّرين استدلّوا لذلك بحرمة إلقاء النفس في التهلكة في جنب أدلة وجوب الجهاد، زاعمين أنّ نتيجة تقابل الدليلين هو التخيير والجواز، وفيه من وضوح الإشكال ما يغنينا عن الايراد عليه.


١ ـ المبسوط ٢: ٥٠.
٢ ـ التذكرة ١: ٤٤٧. (الطبعة الحجريّة ).
٣ ـ منتهى المطلب ٢: ٩٧٣. (الطبعة الحجريّة ).
٤ ـ التحرير ١: ١٥٢. (الطبعة الحجريّة ).
٥ ـ القواعد ١: ١١٥. (الطبعة الحجريّة ).
٦ ـ التوبة : ٤.
٧ ـ التوبة : ٧.٨ الأنفال : ٥٦. ٩ الأنفال : ٦١.
١٠ ـ نهج البلاغة، خطبة رقم ٥٣: ٦١٢.
١١ ـ مستدرك الوسائل ١١: ٤٤، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، ب ١٨، ح ١.
١٢ ـ تحف العقول : ١٤٥.
١٣ ـ دعائم الإسلام ١: ٤٣٤.