ربما كان الدواء داءّ والداء دواء. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      آلة الرياسة سعة الصدر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٢)      ثمرة التفريط الندامة. ( نهج البلاغة ٤: ٤٣)        العقل حفظ التجارب، وخير ما جرّبت ما وعظك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢ـ ٥٣)      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الخمس الصفحة
الخمس
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر صاحب (العروة) في المتن: (وهو من الفرائض، وقد جعلها الله تعالى ـ فريضة الخمس ـ لمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وذرّيته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم، ومن منع منه درهماً أو أقل كان مندرجاً في الظالمين لهم والغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاًّ لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: >من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم<(١).
وعن الصادق عليه السلام: >إنّ الله لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال<(٢).
وعن أبي جعفر عليه السلام: >لا يحل لأحدٍ أن يشتري من الخمس شيئاً، حتى يصل إلينا حقّنا<(٣).
وعن أبي عبد الله عليه السلام: >لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول: يا ربّ اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس<(٤))(٥).
يجدر التنبيه على أمور:
مجموعة أمور
الأمر الأوّل: أنّ وجوب الخمس مورد اتفاق جميع العلماء من الخاصّة والعامّة، وأنّ الخلاف إنّما هو في بعض الخصوصيات من حيث المورد والمصرف، فإنّ بعض المسلمين يرون مورده مختصّاً بغنائم الحرب، حيث يقتصرون على الآية المباركة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ}(٦) ويجعلون الغنيمة منحصرة بغنيمة الحرب، والحال أنّ كلمة الغنيمة حتى لو كانت مختصّةً بالحرب فإنّ الفعل ـ وهو (غنمتم) ـ يشمل أيّة فائدة يستفيدها الإنسان، حتى أنّ السيد الخوئي ـ رحمه الله ـ الذي جعل هذه الآية المباركة مختصّة بالحرب في أوّل بحثه استدرك ذلك، وقال بعموميته لكلّ فائدة.
الأمر الثاني: أنّ ظاهر المتن أنّ الخمس قد جعل لمحمّد وذريته إكراماً لهم، ولا إشكال في كون الإكرام لهم، وإنّما الإشكال في ظهور العبارة في اختصاص الخمس بهم، مع أنّ الخمس قد جعل لبني هاشم وهو أعمّ، حيث يشمل أعمام النبي وبني العبّاس، مع أنّ عبارة الماتن لا تشملهم، بل لا تشمل حتى عليّاً ـ عليه السلام ـ إلاّ من جهة أنّه نفسه صلى الله عليه وآله.
وأمّا كون ذلك إكراماً له ـ صلى الله عليه وآله ـ فهذا لا بأس بأن يعطى الخمس لغيرهم أيضاً إكراماً لهم من باب ألف عين لأجل عين تُكرم.
والجواب: إمّا مسامحة في العبارة، أو أنّ المعنى أنّ جعل الخمس لخصوص محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ وذريته كان لأجل إكرامهم، وأمّا جعله لغير هؤلاء فليس لإكرامهم، أي أنّ الجعل المذكور في المتن مقيّد بخصوص الجعل الإكرامي، وأمّا الآخرون فليس جعله لهم لإكرامهم بل لإكرام النبيّ صلى الله عليه وآله.
الأمر الثالث: أنّ وجه كون المستحلّ للخمس كافراً هو أنّه بعد إن كان وجوب الخمس من الضروريات يكون إنكار الضروري راجعاً إلى تكذيبه صلى الله عليه وآله؛ وهو يستلزم إنكار نبوّته، كما أنّ إنكاره يستلزم إنكار هذه الآية من القرآن، فيصير الكفر بأحد هذين الوجهين.
وهذا مطلب عام، حيث ذكر الفقهاء في أقسام الكافر من ينكر ضرورياً من ضروريات الدين، ووجه اشتراط كون ما ينكره ضرورياً هو أنّ غير الضروري قد لا يعلمه هذا المنكر، فلا يرجع إنكاره إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله. إلاّ أنّه في خصوص غنيمة الحرب التي قالت العامّة باختصاص الخمس فيها والركاز أيضاً حسب نظر بعضهم، وأمّا فيما سواهما فليس إنكاره إنكاراً لضروري الدين.
وأمّا الآية المباركة فقد يمكن التخلص من إنكاره بما ذكره السيد الروحاني ـ رحمه الله ـ في الزكاة من أنّ الثابت من القرآن في الزكاة هو الحكم الوضعي، وأمّا التكليفي وكونها فريضة فلم يثبت، وما ذكره هناك ـ الزكاة ـ يمكن الاستعانة به هنا بتقريب أنّ الآية المباركة تقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...}، وهي إنّما تدلّ على الحكم الوضعي، أي أنّ خمسه لأهل الخمس، ولم تقل فرضت عليكم دفعه أو أمرتكم بدفعه حتى يكون الخمس من الفرائض والواجبات.
إلاّ أنّنا لا نساعد على هذا الكلام؛ لأنّه يكفي في التكليف مجرد الوضع؛ إذ بعد أن ثبت أنّ خمسه لأهل الخمس بهذه الآية يضمّ إليها الآية الآمرة بأداء الأمانات إلى أهلها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(٧).
ويبدو من بعض الأخبار في المصادر السنية ضرورية الخمس حتى عند عمر بشكل لم يستطع أن يمتنع من دفع الخمس إلى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ حيث جاء في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: قال: سألت عليّاً فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر في الخمس نصيبكم؟ فقال: >أمّا أبو بكر فلم تكن في ولايته أخماس، وأمّا عمر فلم يزل يدفعه إليّ في كلّ خمس حتى كان خمس السوس [الشوش] وجند نيسابور [بلدة في الأهواز القديم]، فقال [عمر] وأنا عنده: هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس، وقد أحلّ ببعض المسلمين [فقر وضعف] واشتدّت حاجتهم، فقلت: نعم. فوثب العبّاس بن عبد المطلب فقال: لا تعرّض في الذي لنا [أي اعترض العباس على أمير المؤمنين عند موافقته عمر على إعطاء حقّه] فقلت: >ألسنا أحقّ من المسلمين وشفع أمير المؤمنين؟ فقبضه، فوالله ما قبضناه...<(٨).
وبدفعه ـ أي عمر لأموال الخمس ـ للعباس تحصّل على غرضين:
الأوّل: التخلّص من مخالفة ضروري الدين أمام الناس.
الثاني: التخلص من تجمّع الأموال عند علي ـ عليه السلام ـ لكيلا تصير كفدك.

(١) الوسائل ٩: ٤٨٣، أبواب ما يجب فيه الخمس، ب ١، ح ١.
(٢) الوسائل ٩: ٤٨٣، أبواب ما يجب فيه الخمس، ب ١، ح ٢.
(٣) الوسائل ٩: ٤٨٤، أبواب ما يجب فيه الخمس، ب ١، ح ٤.
(٤) المستدرك ٧: ٢٧٨، أبواب ما يجب فيه الخمس، ب ١، ح ٤.
(٥) العروة الوثقى ٢: ١٧٣.
(٦) الأنفال: ٤١.
(٧) النساء: ٥٨.
(٨) تفسير الدر المنثور للسيوطي ٤: ٦٨.