ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٩٥)        لا تظلِم كما لا تحب أن تُظلَمَ. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)        لا خير في علم لا ينفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)        رب قريب أبعد من بعيد، ورب بعيد أقرب من قريب. ( نهج البلاغة ٣: ٥٥)      
البحوث > المتفرقة > أيها المؤمن سلاحك الدعاء الصفحة

أيها المؤمن ... سلاحك الدعاء
د. يحيى الشامي*
من الغرائز أو الطبائع التي كشف عنها علم النفس - عَدَّ منها ماك دوغال (Mc Dugall) أربع عشرة غريزة، ثم أضاف إليها في أخريات أعوامه أربعًا - غريزة الاستغاثة التي هي بمثابة ردة فعل طبيعية لدى الإحساس أو الشعور بالألم أو العجز أو الخطر...
والغريزة، كما هو ثابت في علم النفس، سلوك عفوي فطري مشترك بين جميع أفراد النوع الواحد، يندفع إليه الفاعل اندفاعًا تلقائيًا، أو إراديًا لكن مصحوبًا بالاحتياج، وفي الحالين معًا، فإنّ الغريزة لا تخرج عن كونها واحدة من صور النشاط النفسي، وطرازًا من السلوك، عمَاده الفطرة والوراثة البيولوجية(١).
خُذ البكاء على سبيل المثال، بكاء الطفل خاصة، أليس هو في الأصل تعبيرًا عن هذه الغريزة المسمّاة بغريزة الاستغاثة، يبكي الطفل أحيانًا، يُجهش بالبكاء، يتهيأ له، وقد يكون بكاؤه تعبيرًا عن إحساسٍ بالجوع أو الألم، وليس هذا هو المهم، بل المهم أن الطفل في بكائه إنما هو يستغيث، يستصرخ أمه، يُحرّك فيها كل عواطف الأمومة، فتراها تُهرع إليه، تحوطه بالعناية والحماية والرعاية...
ثم خذ البكاء، بكاء الكبار، والكبير يبكي أيضًا، وقد يبكي من شدّة الفرح أحيانًا، والمرأة تبكي أكثر من الرجل، أليس هذا البكاء نكوصًا عن الرجولة، ورجوعًا إلى الطفولة المحتاجة إلى الحماية، كما بيَّنا من قبل ؟!
وهبْ أن الإنسان تمالك أو تجلّد، وعزّ عليه البكاء، فما بالُك إذا ما أيقن بالهلاك أو العذاب، أفلا تراه مضطرًا إلى الحماية يطلبها ممنّ هو أقدر منه وأعزّ... يدعوه، يتضرّع إليه، يستغيثه، يلتمس منه النجاة أو التوبة التي التمسها فرعون لمَّا أدركه الغَرَق، فآمن حين لا يُجدي الإيمان فقيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(٢).
دعا فرعون، وكان ادّعى الربوبية، فما استجاب الله دعوته، ودعا العبدُ الصالح زكريا، وهو النبيّ الذي بلغ من الكِبر عتيًا، دعا ربّه أن يهب له غلامًا، وكانت امرأته عاقرًا، فوهب له يحيى، خرقًا للعادة، وأجيبت دعوة زكريا....

* دكتوراه دولة في الآداب، وحلقة ثالثة في اللغة العربية وآدابها
(١) صليبا، جميل: المعجم الفلسفي٢/١٢٧، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٨٢.
(٢) سورة يونس الآية ٩١.