ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه. ( نهج البلاغة ٤: ١١)       المال مادة الشهوات. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)        خذ على عدوك بالفضل فإنّه أحلى الظفرين. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      لا يستحين أحدٌ إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)      
البحوث > المتفرقة > الشخصية المحمدية (2) الصفحة

الشخصية المحمدية تحت ضوء المقررات النفسية الحديثة
منزلة العلم في الإسلام
الأستاذ محمد فريد وجدي
أثبتنا في المقال الذي تقدم هذا، ما شرح به النبي (صلى الله عليه وسلم) آية الفطرة الدينية، وبينا الآفاق العالية التي جال فيها فهمه القويم، في تحديد هذا المعنى الخطير الذي أصبح الأساس العلمي الركين للدين في الفلسفة الحديثة.
ولكن الأوهام المتغلبة كثيراً ما تشتبه بالشعورات الفطرية، وتجد لدى مروجيها ما تستند إليه من الأهواء الموروثة، فما الذي يفرق بين ما هو هوى موروث، وما هو ميل فطري في النفس كسائر ميولها الفطرية ؟ لا شئ غير العلم، العلم المستند إلى الحقائق الطبيعية، وهذا هو ما عمد إليه محمد (صلى الله عليه وسلم) فشرع يدعو إليه في ألوان من التعبير، وضروب من التحضيض، لم تؤثر عن غيره إلى عهده في العالم كله، فأما بلاد العرب فإن هذه الدعوة لم تؤثر فيها عن أحد غيره، وكانت غريبة لدى قوم ظلت الأمية صفة مميزة لهم قرونا كثيرة، وأما في أوروبا حيث نشأت الفلسفة اليونانية، والمدنية الرومانية، فان التعصب للدين في ذلك العهد كان آخذا بمخنقها إلى حد عادى معه أهلها العلم، واعتبروا المشتغل به والداعي إليه زنديقاً، وبقيت هذه الحالة قائمة إلى نحو القرن الخامس عشر الميلادي، وما زالت تشتد حتى كانوا يحرقون المشتغلين بالعلم، ويمثلون بأجسادهم وقد أحصى متأخرو المؤرخين ضحاياه فبلغوا اكثر من ثلاثمائة ألف في نحو ثلاثة قرون !.
فهذه الصيحة بالعلم كانت لا تجد لها صدى الا لدى أتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) في بلاد العرب، التي كانت لا تمت إلى مصادر العلم بسبب، وقد أثمرت ثمرتها قال العلامة (دريبر) المدرس بجامعة (هارفارد) بالولايات المتحدة الامريكية في كتابه: (المنازعة بين العلم والدين):
" إن اشتغال المسلمين بالعلم يتصل بأول عهدهم باحتلال الاسكندرية سنة ٦٣٨ أي بعد وفاة محمد بست سنين، ولم يمض عليهم بعد ذلك قرنان حتى استأنسوا بجميع الكتب العلمية اليوناينة، وقدروها قدرها الصحيح، الخ ". وأنت خبير أن المسلمين انتهت إليهم بعد ذينك القرنين زعامة العلم وفي العالم كله، وكانت مدنهم في اسيا وأوروبا مثابة للأمم كافة يقصدها مريدو الاستفادة من سائر بلاد العالم، فيشركونهم فيما حصلوا عليه من أنوار المعارف، ليخرجوا بلادهم الأوروبية من ظلمات الجهل، وقد شهد علماء أوروبا وفلاسفتها أن بلادهم مدينة للمسلمين بعلومها وفلسفاتها وصنائعها، وهي شهادة تؤيدها الاسانيد