لا يَصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده. ( نهج البلاغة ٤: ٧٤)      من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)        ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى. ( نهج البلاغة ٣: ٥٥)      
البحوث > المتفرقة > الشخصية المحمدية (1) الصفحة

الشخصية المحمدية تحت ضوء المقررات النفسية الحديثة
الاستاذ محمد فريد
أينما أجلت طرفك في تاريخ الجماعات البشرية، وفي الافذاذ الذين أنجبتهم في خلال تاريخها الطويل، وأجلته في حوادثها وانقلاباتها، وفي الرجالات الذين تولوا كبرها، فلا تصادف من جمع ما جمعه محمد (صلى الله عليه وسلم) من صفات الكمال الخلقي والعقلي، ولا وفق إلى مثل ما وفق إليه من بناء أمة وتحليتها بكل ما هي في حاجة إليه من عوامل البقاء، ودواعي الارتقاء، وأعدها لأن تصير أعظم أمة استحقت أن تنال خلافة الله في الارض، ربما قال قائل إن هذا المال لم يكن مقدراً لها وإنما بلغته هي اتفاقاً بسبب توسعها العلمي والجغرافي، كما بلغته أمم قبلها استعدت له بفتوحاتها ومدنيتها. يرد هذه الشبهة ما ورد في الكتاب الكريم من قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).
فهذه المهمة الخطيرة، مهمة تأليف أمة مثالية، تتكون على مقتضى الأصول الاجتماعية القومية، والمبادئ الادبية الكريمة، وتحدث في العالم ما أحدثه المسلمون من تدارك الامم من تدهور بعيد القرار، كان يدفعهم فيه قادة لا يهمهم إلا إشباع فهمهم والمتاع بشهواتهم، ورجال أديان كانوا لا يعبأون بغير ما يحفظ سلطانهم، ويستبقي الزعامة لهم، قلنا هذه المهمة الخطيرة ما كان الله ليعهد بها إلا إلى رجل منحه شخصية تدرك قيمة ما يوحى إليه من أصول العلم وأسرار الحكمة رجل يستطيع بقوة ارادته، وحسن قيادته، أن يجمع بين القلوب المتنافرة، والنفوس المتناكرة، رجل وهب من الذكاء، ومنح من سعة المدارك، ما يعرف به مكان اللين والشدة من النفوس فيضع كلا منها موضعه ممن وكل إليه أمر جمعهم وقيادتهم، رجل لا يشتبه عليه الحق بالباطل مهما كان الفارق ضئيلا بينهما فيخفى عليه حد كل منهما، رجل حاضر البديهة، ثاقب البصيرة، يستطيع أن يدرك ما وراء المظاهر الخلابة من قوى كامنة فيتقيها، أو يستفيد منها على حسب الاحوال الطارئة، والشؤون المفاجئة، فكان محمد (صلى الله عليه وسلم) مثلاً أعلى في جميع هذه الصفات التي يمتاز بها كبار القادة، وأفذاذ العباقرة، ناهيك أنه استطاع أن يؤدي الرسالة العامة التي عهد إليه بها على أكمل ما يمكن أن يكون من نجاح وبعد اثر.