شتان ما بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره. ( نهج البلاغة ٤: ٢٨)      من دخل مداخل السوء اتّهم. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )        استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥ـ ٤٦)      قيمة كل امرئ ما يحسنه. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)        إياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      
البحوث > المتفرقة > أمة واحدة وثقافة واحدة الصفحة

أمة واحدة وثقافة واحدة
الشيخ محمد تقي القمي
جرى الحديث بيني وبين العلامة الشهير المغفور له الإمام الشيخ المراغي شيخ الجامع الازهر (١)، وكأني أرى هذا الحديث أمامي كما لو كان بالأمس القريب، والحال انه قد مر عليه زمان لا يقل عن عشرة أعوام.
كان موضوع الحديث هو المشكل الخطير الذي على المسلمين أن يعالجوه إذا أرادو نهضة موحدة تشمل جميع شعوبهم وبلادهم: وهو توحيد المسلمين ثقافياً.
كان الكلام بيننا في أن المسلمين لا يعرف بعضهم بعضاً، وأن الصلة منقطعة بينهم، ولابد من تقريبهم ثقافياً، ليعرف كل ما عند الاخر، وبذلك يحصل التوحيد المنشود، وترتفع المنازعات والخلافات في كل المسائل أو في أكثرها، أو تقف ـ على الأقل ـ عند حدودها الحقيقية.
ذكرني هذا الكلام يومئذ بقصة ذكرها في أحد كتبه عارف الهي عظيم (٢)، في سياق أراد به استنتاج بعض المعاني العرفانية السامية، فذكرت لفضيلته هذه القصة، ولا أرى بأساً من أن أعيد ذكرها للقراء لأنها تعبر عما نحن فيه أصدق تعبير، وتوحي بمعالجته من أقرب سبيل:
كان أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الاخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد، أما الرومي فقال: نشتري به (رستافيل) وأما الفارسي فقال: أن لا أرى من (الأنكور) بديلاً، وقال العربي: لا والله لا نشتر به الا (عنبا)، وقال التركي متشدداً في لهجة صارمة: ان الشئ الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبداً، وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لو لا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعاً، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعاً، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئاً، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، قال الرومي: هذا هو (رستافيل) الذي طلبته، وقال

(١) وكان ثالثنا في هذه الجلسة هو حضرة صاحب السعادة محمد خالد حسنين بك (باشا) كبير مفتشي الازهر حينذاك.
(٢) هو مولانا جلال الدين البلخي الشهير بالرومي في كتابه العرفاني الجليل (المثنوي)