الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      أصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك. (نهج البلاغة ٣: ٣٩)      خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)        خير القول ما نفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)      كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنّه يتسع. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      
البحوث > المتفرقة > البناء الفكر ي والسلطة الاجتماعية للطقوس والشعائر الدينية الصفحة

البناء الفكري والسلطة الاجتماعية للطقوس والشعائر الدينية
صائب عبد الحميد*
حين يتكلم الفلاسفة عن مصادر المعرفة يهملون مصدراً خطيراً في صياغة المعارف لدى الافراد، الا هو البيئة الاجتماعية. لعلهم يتحدثون عما ينبغي ان يكون، لا عما هو كائن حقاً، ولعل الاخير هو من شأن علماء التربية والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.
فكيف تسهم البيئة الاجتماعية في صياغة المعارف والمفاهيم لدى ابناء المجتمع الواحد ؟
هذا مانقرأه في تلّون المجتمعات، واحتفاظها دائماً بمزايا وخصائص تفصلها الواحدة عن الاخرى. فمن اين جاءت لباقة المصري، وبساطة البصري ؟
من اين جاء سخاء القروي الاصيل، وشح المدني العريق ؟
من اين تشرّب النوروز في دماء الايرانيين والاكراد دون غيرهم من الامم ؟
من اين تعّلم صبيان بعض الشعوب الانحناءة تعبيراً عن التحية، فيما استهجنها صبيان شعوب اخرى ؟
من اين اخذت صبية مسلمة زيّها الخليع، وقابلتها صبية مثلها بحجاب رفيع ؟ قلنا صبية، ولم نقل راشدة..
من ايّ وحي من وحي السماء تعلّمنا الزغاريد في الافراح، وفي المآتم النواح ؟
من اين لا يفارق الهنود «البهارات»، ولا يتخلى العرب عن الثريد ؟
اذا كانت هذه هي حال الناس، سائر الناس، مع العادات والطقوس الشعبية، فكيف هو شأنهم مع الطقوس والشعائر الدينية ؟
ان نظرة واحدة الى الوراء، يلقيها المرء على الاجيال، كيف نشأت في احضان الوسط الاجتماعي والاسري، وكيف تلقّت منه معرفة هذا النوع من السلوك وما يرافقه من مفاهيم، تكفي للجزم بالتسوية بين النوعين من الطقوس، الشعبية والدينية، من حيث طبيعة الاعطاء والاخذ، والتعليم والتعلم، التلقين والتلقّي، التربية والتربّي، التنشيئة والنشوء، التكوين والتكون.
فالاجيال تتلقّى وتلّقن قبل ان تعرف البحث والنقد والتحليل: «كل مولود يولد على الفطرة، وابواه يهوّدانه، او ينصّرانه، او يمجّسانه» لا فرق بين استقباله هذه المفاهيم والمعتقدات وما يصحبها من سلوك، وبين استقباله آداب التحية والوان الطعام واشكال الثياب، والنطق واللغة.
فالوسط الذي علمه النطق والبيان، هو ذاته قد علمه هذه المفاهيم والاعراف والطقوس، بلا

* مدير مركز الغدير للدراسات الاسلامية.