من أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)      من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. ( نهج البلاغة ٤: ٨ )      الطمع رق مؤبد. ( نهج البلاغة ٤: ٤٢)      من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. ( نهج البلاغة ٤: ٦)      ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٨٥)      
البحوث > المتفرقة > العلمنة وأزمة الهوية الصفحة

العلمنة وأزمة الهوية
المواجهة الاسلامية مع الحضارة الغربية الحديثة
(١ ـ ٢)
د. سيد محمد العطاس(١)
أولاً: أعتزم في البداية أن أقدم تفسيراً صحيحاً لمفهوم كلمة علماني Secu-lar، وهو مفهوم من أصل غربي مسيحي، نابع من صميم الكنيسة الرومانية ذاتها، وتطوّرت مضامينه الدلالية تدريجياً لتتخذ شكلها الفعلي عبر فترة تزيد على سبعة قرون من تجربة الانسان الغربي ووعيه. ومن المفيد لنا أن نرى كيف تغلغل هذا المفهوم في عقل الانسان الغربي بطريقة أدت الى ظهور الأحداث المعاصرة التي كالت ضربة حاسمة ـ إن لم نقل قاتلة ـ للاُم التي ولدته.
قبل حوالي ثلاثين سنة وصف جاك ماريتان ـ أحد فلاسفة المسيحيين المرموقين الذي يرى فيه المسيحيون واحداً من أبرز فلاسفة هذا القرن ـ كيف أن المسيحية والعالم الغربي كانا يمران عبر أزمة خطيرة سببتها الأحداث المعاصرة الناجمةعن تجربة وفهم وتفسير للحياة في الحضارة المدنية، كما تجلّت في الاتجاه الذياتخذه الفكر العصراني المحدث الذي انطلق من المسيحيين أنفسهم ومن المفكرين ـ الفلاسفة واللاهوتيين والشعراء والروائيين والكتّاب والفنانين ـ الذين يمثلون الثقافة والحضارة الغربيتين.(٢)
منذ عصر الاستنارة الأوربية الممتد من القرن السابع عشر الى القرن التاسع عشر،
وما صاحبه من ظهور المنطق والفلسفة التجريبية (القائلة إن المعرفة كلها مستمدةمن التجربة) وأحداث التقدم العلمي والتكنولوجي في الغرب، فقد جاءت كتابات الفلاسفة الإنجليز والهولنديين والفرنسيين والألمان بالفعل بمثابة نُذُر للأزمة التي وصفها ماريتان.
كما تنبأ بعض اللاهوتيين المسيحيين في النصف الأول من هذا القرن بمجيء أزمة من هذا القبيل، يطلق عليها اسم العلمنة Secularization، وكان أوغست كومت ـ الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ـ قد تصور بالفعل في النصف الأول من القرن التاسع عشر ارتفاع شأن العلم وهزيمة الدين، واعتقد ـ حسب المنطق العلماني في تطور الفلسفة والعلم الغربيّين ـ أن المجتمع كان آخذاً في «الارتقاء» و «التطور» من المراحل البدائية الى المراحل العصرية

(١) باحث واستاذ جامعي.
(٢) انظر كتابه Paysan de La Garonne باريس، ١٩٦٦م.