من كتم سره كانت الخيرة بيده. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )        أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)      الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٥٧)      من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      
البحوث > المتفرقة > الأدب وقضية التأثر والتأثير من منظور حضاري الصفحة

الأدبُ وقضيّة التأثّر والتأثير من منظور حضاري
الدكتور شلتاغ عبود(*)
والحضارات في التاريخ بين ظهور وتألق، وبين خمول أو موت، بعضها يدرج في متاحف التاريخ، وبعضها يخمد تحت تأثير ظروف مختلفة، ثمّ ينطلق كما لو كان ينطلق لأوّل مرة. وقد مرّ التاريخ بدورات حضارية، فمرّة تظهر الحضارة في الشرق، ومرة أخرى تظهر في الغرب، وإن كان الشرق أقدم بروزاً في حضارته، وأكثر تعدداً وتنوعاً; لسعة مساحته، وتعدد أجناسه، واكثر من هذا كلّه، كونه موئلاً للرسالات السماوية كلّها.
ولسنا هنا في موضع تفسير ظهور الحضارات أو ضمورها، كما وصفها المؤرخ المسلم «ابن خلدون»، أو كما تحدّث عنها «شبنجلر» أو «توينبي»، ولكننا نريد ان نقول في هذا المقام، انّ الحضارة التي تمرّ بمرحلة النمو والازدهار والقوّة والنفوذ والسلطان، هي التي تترك أثرها في الحضارات الاخرى. وما من شكّ سيكون الادب مظهراً بارزاً من مظاهر الحياة الحضارية المتفوقة.
والفكرة الثانية التي يؤكّدها معظم الكتّاب والباحثين، الدارسين لقضيّة التأثير والتأثّر بين الحضارات وافرازاتها من الآداب خاصة، وهي ان أغلب الحضارات، كانت تنشأ في مواقع جغرافية تسمح لها بالتحرّك والاتصال بغيرها من الحضارات، على اختلاف في قوّة هذا الاتصال، وقوّة أساليبه وصوره، أو ضعفها، وانّه ما من حضارة نشأت منعزلة دون أن تتأثّر بغيرها من الحضارات، أو تأثّر فيها. يقول الاستاذ عباس محمود العقّاد: «انّ الأمم الشرقية والغربية جميعها دائنة ومدينة في تراث الحضارة الانسانية. وانّه ما من أمّة لها تاريخ مجيد إلاّ وقد أعطت كما أخذت من ذلك التراث»(١).
وهذا يعني انّ الحضارة أخذ ورد، فلا توجد حضارة تفرّدت بالابداع الكلّي، بمعنى انّها لم تتأثر بغيرها. كما لا توجد حضارات اعتمدت على النقل الحرفي من الحضارات الاخرى، ولم تضف من ذاتيتها الخاصّة شيئاً.
على انّه من الضروري الاشارة الى انّ بداية الحضارة وانطلاقها في بيئة معيّنة، لايعني أنّها تأثرت بهذه الحضارة أو تلك. فالانطلاقة في الغالب تكون ذاتيّة، تتعلق بروح الأمم وحركة الافكار فيها، أو المدد السماوي الذي يتمثّل بالانبياء، الذين ينفحون في روح الأمم شُعل الحضارات وانطلاقات البناء الروحي والفكري والمادي. وحين تتجاوز هذه الحضارة مراحلها

(*) باحث اجتماعي. استاذ في الجامعات الليبية.
(١) عباس محمود العقّاد، أثر العرب في الحضارة الأوربية، ص ١٧٩، دار المعارف، القاهرة ١٩٦٥، ط ٤.