إحذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود. ( نهج البلاغة ٤: ٥٤)     الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر. ( نهج البلاغة ٤: ٧٩)      سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار: نهج البلاغة ٣: ٥٦)        لا تقل ما لا تحب أن يقال لك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)      قيمة كل امرئ ما يحسنه. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)      
البحوث > المتفرقة > الأخلاقية: روح النظام الإسلامي وإطاره العام الصفحة

الأخلاقية: روح النظام الإسلامي واطاره العام
الشيخ محمد علي التسخيري
قبل كل شيء يجب أن نحدد ماذا نعني بالأخلاقية ليتسنى لنا الحديث عن صلتها بروح الإسلام، وكيف تشكل الاطار الإسلامي لكل حكم وسلوك مفضل.
إن الأخلاقية تعني، باختصار، ذلك الإنسجام الكامل بين الفكرة والحكم، وبالتالي بين النظام وهدف الخلقة الإنسانية العام وما يقتضيه من قيم عملية ضرورية التحقق حتى يتم تأمين ذلك الهدف. وهكذا يكون النظام أخلاقياً إذا كان يستمد غاياته من ذلك الهدف وتلك القيم المتفرعة منه، ويركّز ـ من حيث الطريقة ـ على الغور إلى الأعماق النفسية وتجلية الدوافع الفطرية، وبناء الداخل الإنساني وفقاً لتلك الغايات.
ولن يكون أي نظام متمتعاً بهذه الصفة إذا كان يستمد غاياته من ظروف بعيدة عن الإنسان وهدف خلقته ـ كالماركسية حين تستمد غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها، والمذاهب اللامبالية التي تتناسى الهدفية الإنسانية، بل وكل المذاهب المادية التي تتغافل عن التنسيق والتخطيط السابقين على ولادة المسيرة الإنسانية السائرة على طريق إعمار الأرض حتى حين، وحتى اننا نستطيع القول: إن كل النظم التي وقفت موقفاً حيادياً من الايديولوجية الإنسانية والرؤية التي يمكن أن تستقر عليها النفس الإنسانية بالنسبة للكون والحياة واعتبرتها موقفاً شخصياً لا يؤثر على نوع النظام السائد، كل هذه النظم كالرأسمالية في وجوهها العديدة والعلمانية في الجانب السياسي هي نظم لا تستطيع أن تدعي مطلقاً إمكان إطلاق الصفة الأخلاقية عليها.
هذا في مجال الغايات، والكلام نفسه يقال في السبل التي تسلكها النظم لتحقيق غاياتها، إذ إن الغايات ربما تكون أخلاقية باعتبار انسجامها مع الأهداف العليا، ولكن ذلك لا يكفي في التحلي بهذه الصفة، إلا إذا كان النظام يركز على العمق البشري، وذلك لوجود العلاقة القوية بين هذه التركيبة الإنسانية وبين أهدافها، ولا يمكن الفصل بينهما بالسعي لتحقيق الأهداف دونما تأكيد أخلاقية الطريقة.
وهذه الحقيقة تسوقنا إلى الحديث عن الصلة بين الهدف والتركيبة الإنسانية بشكل أكثر تفصيلاً، ذلك إننا نؤمن على ضوء التأمل الوجداني الواعي في الأنفس والآفاق وعلى أساس من نظرة الإسلام الأصيلة للنفس الإنسانية، والنصوص الكريمة الناظرة إلى هذا المجال نؤمن (بنظرية الفطرة الإنسانية الأصيلة) التي تحدد هوية الإنسان وتفصله عن غيره، والتي تقرر ذلك الترابط المذكور آنفاً بين الهدف والتركيبة من خلال انسجام الدوافع الغريزية،