ظلم الضعيف أفحش الظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      لا ورع كالوقوف عند الشبهة. ( نهج البلاغة ٤: ٢٧)        إياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      قيمة كل امرئ ما يحسنه. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)        اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      
البحوث > المتفرقة > الإعلام والاخلاق الصفحة

الاعلام والأخلاق وتحولات الألف الثالث أيديولوجيا الصوت والصورة
محمود حيدر *
هذه محاولة ترمي إلى مقاربة إشكالية الإعلام في صلتها بالأخلاق ونظام القيم. ومنذ البداية كان لي أن أتنبه إلى أنّ الدخول في مقاربة كهذه توجب مغادرة التجريد والتعامل معها بوصفها قضية نسبية وراهنة وحيوية، بقدر ما تتعلق بالإنسان المعاصر تعلقاً حميمياً وحاسماً.
دعاني إلى هذا، يقيني، بأن الإعلام بوصفه قيمة تنتمي إلى مخاطبة العقل والنفس، هو في ذاته ومؤدياته قيمة أخلاقية تدخل دخولاً عضوياً في نظام القيم. وبدا لي أن الأمر دقيق وخطير لأنّ الاتصال الإعلامي لا يخرج البتة عن كونه دعوة إلى أمر ما أو نهياً عن آخر. فهو في هذا المعنى سلطة معرفية معنوية توجّه وترشد، كما تفكك العقول وتعيد تركيبها في إطار لعبة لا تنتهي من صراع القوى والمصالح والنفوذ والسيطرة.
كلنا يأمل ويرغب أن يتلقى خطاباً ينبئه بخبر سعيد، أو بمشهد يبتعث في داخله جمال العالم من حوله، أو بحكمة تمنحه الأمان وراحة البال وتنزع من ناظريه غشاوة القنوط والضجر والتشاؤم. إلا أن واحدنا لا يتلبث حتى يرى العالم السياسي من حوله ممتلئاً بما لا أمل يرجى منه، أو لا رغبة له به، أفلا يتبدى الأمر وكأنه استغراق في التشاؤم؟
بلى، فالمشهد العالمي ـ وبخاصة في ما يصوره لنا الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب ـ يسوغ هذا النزوع إلى التشاؤم.
كأن الخطاب الإعلامي السياسي، بدل أن يكون هذا العنصر الشفاف أو المحايد الذي تكتسب فيه السياسة طابعاً سليماً، هو أحد المواقع التي تمارس فيها هذه المناطق بعض سلطتها الرهيبة بشكل أفضل. يبدو الخطاب في ظاهره شيئاً بسيطاً، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً وبسرعة عن ارتباطه بالرغبة والسلطة. وما المستغرب في ذلك ما دام الخطاب ـ ليس فقط هو ما يُظهر أو يخفي الرغبة ـ وإنما أيضاً هو موضوع الرغبة. وما دام الخطاب ـ والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك ـ ليس فقط هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها ١.
التحولات التي عصفت مؤخراً بالنظام العالمي تعطي الكلام على ماهيات الخطاب والاتصال بعداً أكثر تعيناً وشمولاً. ولقد أثبت الإعلام بتقنياته الهائلة أنه فعال التحولات في السياسة والاقتصاد والفكر والفن والثقافة، بل هو محورها ومحركها ومحرضها.

* صحفي وباحث، مدير مركز دلتا للصحافة والأبحاث ـ لبنان .
(١) ـ فوكو، ميشال، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، ص ١٠.