خض الغمرات للحق حيث كان. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)        أحسن كما تحب أن يُحسن إليك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      القناعة مال لا ينفد. ( نهج البلاغة ٤: ١٤)      من أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)      ليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم. ( نهج البلاغة ٤: ٩٢)      
البحوث > المتفرقة > المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية الصفحة

المعرفة العلمية في الحضارة الإسلامية
الروح والإبداع
عبدالأمير المؤمن
بالرجوع إلى الماضي الحاسم وبتذكر سيادة الحضارة العلمية الإسلامية بين القرنين الثالث والسابع الهجريين على كل العالم. هذا الرجوع، وهذا التذكر يمكن ان يُخفّف من غلواء (عقدة التفوق العلمي الغربي)، العقدة التي اصابت تفكير الكثير منا، وزرعت في نفوسهم (روح التكاسل)، وكرّست (روح التبعية). فالعلم علمهم والتقدم تقدمهم والدور دورهم والزمن زمنهم، ولا شيء لنا من المعرفة العلمية في هذا الزمن، ولا دور لنا في الوقت الحاضر، انتهت حضارتنا العلمية وذهبت، وخبا نورها، واصبح لزاماً علينا ان نستضيء بضوء العلم المعاصر (الغربي) شئنا ام ابينا.
ومع الاعتراف بهذا الواقع، وان العلم الغربي قوّة حضارية صارخة في هذا العصر، واننا الخط التابع، والتالي لهذا العلم. مع كل هذا ينبغي ان لا تفوتنا نقطة مهمة جداً، وهي:
ان هذا العلم الغربي المعاصر، وهذه القوة الحضارية الدافقة، هي حلقة ضمن سلسلة من الحلقات، أو دورة ضمن تاريخ طويل، بدايته بداية الإنسان الاول على الارض. لم يصل العلم الحاضر إلى هذه القوة الجبارة المسيطرة، من لا شيء، لم يقم دون ان يرتكز على اعمدة ويستند إلى اسس، قريبة وبعيدة.
العلم الغربي المعاصر، هو ـ في الوقت الحاضر ـ نهاية سلسلة طويلة من الحلقات، وستتلوه حلقات اخرى. لا نعرف ما طبيعتها وإلام تنتمي وما مدى نهايتها!!
لقد ابتدأ العلم بأشكال بدائية، غير واضحة، لتوغلها في عمق التاريخ(١) ابتدأ بقدح حجرين للحصول على شرارة نار يشوي بها ذلك البدائي الخائف لحم صيده، وابتدأ ايضاً باستخدام شفرة صخرية لتمزيق اجساد صيده وتقطيع لحومها، أو لمجابهة اعدائه الكُثر، وابتدأ بحفر مغارات وكهوف بسيطة يأوي اليها في ليله ونهاره في امنه أو خوفه، يتّقي بها من عاديات الطبيعة.
وبنى اللاحقون حضاراتهم وعلمهم على ما توافر لديهم من اوليات ومعلومات بدائية متوارثة.
عرفوا السماء وبعض اجرامها، وقليلاً من ظواهرها، وعرفوا بعض العلاجات البسيطة درءاً للآلام، واشياء اخرى. وقام العلم المعاصر بعظمته وشموخه، على تلك الاوليات والاسس البسيطة، وعلى الحضارات اللاحقة (المتطورة نسبياً) على حضارة وادي النيل (المصرية القديمة) وعلى حضارة وادي الرافدين (السومرية والبابلية والاشورية) وعلى الحضارة الصينية والهندية والفارسية والاغريقية وغيرها من الحضارات التي سادت قديماً، وعلى الحضارة الإسلامية اخيراً، حيث كانت حضارة فريدة بين كل حضارات العالم القديم.
بتذكر تلك الحضارات وما افرزت من مادة علمية قيمة (قياساً إلى زمنها.، وبتذكر حضارتنا الإسلامية آخر لبنه من تلك اللبنات الحضارية المتعددة. واعمق الاسس واعلى الاعمدة التي صعد فوقها السلم الغربي المعاصر، بتذكر ذلك، تخفّ غلواء (عقدة التفوق العلمي الغربي؟ العقدة التي شلّت الكثير من العقول والايدي عن التطلع إلى ما هو افضل واحسن.
وعلى هذا تصبح قوّة العلم الغربي المعاصر وتطوره السريع، مسألة (دورة حضارية) لا اكثر ولا اقل، يمكن دراستها ومعرفة اسبابها وما رافقها من ملابسات، وان هناك دورات حضارية علمية لا تقل اهمية عن الدورة المعاصرة. إذا اخذنا بنظر الاعتبار زمنها القاصر. بل كانت (دورة العلم الاسلامي) عالمية قياسا إلى ما كان سائداً من

١- جاء في موسوعة رينيه تاثون في تاريخ العلوم «ان البشرية موجودة منذ ما يقارب مليوناً ونصف المليون من السنين، ولكن نمو الفكر ظل مجهولاً تماماً، طيلة مئات من القرون، لعدم وجود شواهد مادية، غير الصناعات الحجرية. ثم فجأة، وفي القسم الاخير من عصر الحجر المقصوب، ظهر الفكر البشري لنا من خلال المدافن والادوات الفنية، والمحفورات، والتصاوير والمنحوتات. هذه الحقبة تغطي على الاكثر الخمسين الف سنة الاخيرة. اما الحقب السابقة فلا نعرف عنها شيئاً، لان الناس يومئذ لم يهتدوا إلى وسيلة تعبير معمرة ومفهومة منا. وأخيراً، وخلال العشرة آلاف سنة الاخيرة، اخترع الإنسان كل شيء واكتشف كل التقنيات منذ دولاب الفاخوري حتى استخدام الطاقة النووية. تاريخ العلوم العام ج١ ص ١١، اشراف رينيه تاثون: ترجمة د. علي مقلد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ١٩٨٨ ط.