ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      ليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم. ( نهج البلاغة ٤: ٩٢)        إياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      ظلم الضعيف أفحش الظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم. ( نهج البلاغة ٤: ٦٦)      
البحوث > المتفرقة > الامة الاسلامية وخيار السلام العالمي الصفحة

الاُمة الإسلامية وخيار السلام العالمي
في اطار العلاقة المتوازنة بين الحضارات(١)
الشيخ محمد علي التسخيري
إن التحركات الجادة التي شهدتها الساحة العالمية خلال العامين الماضيين; بهدف بلورة فكرة الحوار بين الحضارات بصيغتها العلمية الموضوعية، تمثّل نقلة أساسية في أساليب تفكير البشرية الرامية إلى تحقيق التوازن في العلاقة بين التيارات الحضارية والدينية والفكرية والقومية التي تتقاسم البشرية، وبالتالي العمل على تحقيق الطموح الذي طالما حلم الإنسان منذ بزوغ فجره، وهو حلم تحقيق الأمن والسلام في الأرض. ومهمّة كبرى بهذا الحجم، تستدعي التعامل معها بمزيد من التنظير العلمي الجاد والتخطيط الموضوعي، من ثم التنفيذ الواقعي الذي يستبعد التحركات الانفعالية السطحية أو الخطاب الإعلامي الدعائي: إذ أن المشاريع التي تتعامل مع مصير الإنسانية ببنى هشّة تعتمد الشعار والأهداف الدعائية، تؤول ـ دون شك ـ إلى الإخفاق، بل وقد يكون لهذا الإخفاق مردودات سلبية. ومن هنا فنحن نكرّر التأكيد على ضرورة التعامل مع موضوع الحوار بين الحضارات تعاملاً علمياً عقلانياً، ينطلق من مساحات الاشتراك التي تقف عليها البشرية، وينظر إلى التقسيمات الحضارية والدينية الإثنيّة نظرة واقعية تستبطن كل عوامل الاختلاف وإمكانيات اللقاء، ولا يتجاوز المسلم فيها مبادئه العقائدية واُسسه الشرعية.
وسنحاول في هذا البحث الانطلاق من هذه الحقائق في النظر إلى موضوع العلاقة بين الحضارات، بهدف تركيز دعائم الطريق الذي يوصل البشرية جمعاء إلى التفاهم من أجل أمنها وسلامها. وهذا الطريق محفوف بالمخاطر والصعوبات والعقبات، وقضية إزالتها تحتاج إلى تعاضد الجهود وتلاقي الرؤى الخيِّرة لأبناء الإنسانية الذين يجمعهم مصير مشترك وواقع مشترك، سواء في حياتهم على الكرة الأرضية التي يتقاسمون تاريخها وجغرافيتها، أو في حياتهم الآخرة التي سيحصلون فيها على نتائج ما كسبت أيديهم.
الحوار حاجة إنسانية
منذ أن أحس الإنسان بحالة التنوع في المعتقد والمستوى المعيشي والتوزيع الجغرافي والعمق التاريخي والانتماء الإثني مع الإنسان الآخر، فإنه دخل في حلبة الصراع من أجل البقاء ومن أجل حياة أفضل أو من أجل فرض واقعه على الآخرين. وأثبتت هذه التجارب للإنسان طيلة آلاف من السنين، إنه بحاجة إلى تقنين حالة الصراع والتدافع، وخفض نسبة سلبياتها إلى أدنى حدّ. ودفعته هذه الحاجة إلى تفهّم وجهة نظر الآخر، من خلال الحوار وتبادل الرؤى والأفكار. وأخذت أساليب الحوار مظاهر وألواناً مختلفة.

(١) بحث مقدّم إلى: الندوة الدولية حول (الحوار بين الحضارات في عالم متغيِّر) المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (آسيسكو) ـ الرباط ١٠ ـ ١٢ يوليو ٢٠٠١م.