حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)      المرء مخبوء تحت لسانه. ( نهج البلاغة ٤: ٣٨)        استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥ـ ٤٦)      من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      
البحوث > المتفرقة > التعددية الدينية الصفحة

شبهة ورد. التعددية الدينية
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

الأزمة الكبيرة في عالمنا المعاصر
إن أنسب إسم يطلق على العصر الذي نعيش فيه، وخصوصاً في العقود الأخيرة هو إسم الأزمة الثقافية، وقد مرّ على تاريخ التمدن البشري مراحل مختلفة اُطلق عليها أسماء خاصة وبمناسبات متعددة، لعلّه في أيّ مرحلة من المراحل لم تمر في أكثر دول العالم أزمة ثقافية بهذه السعة والشمولية. فإذا نظرنا اليوم إلى المسائل الثقافية في البلدان المتقدمة لوجدنا الضياع والإبهام والمأساوية العجيبة، ووجدنا التشكيك الفكري الشديد الذي لم يُعهد له مثيل على مر التاريخ.
فقد مرّ على الساحة الثقافية اليونانية في العهد القديم مجموعة بإسم السفسطائيين كان لهم بعض الظهور والبروز ولكن ما فتئ أن بردت حركتهم التشكيكية وانتهت، وفي القرن الأول والثاني للميلاد ظهرت موجة الشك ثانية على يد (بيرون) وبعض أتباعه، إلاّ أنها لم تمكث مدة طويلة. وكانت الموجة الثالثة بعد عصر النهضة، وكان لها النفوذ والشمولية أكثر من أي مرحلة سابقة، إلاّ أنها مع ذلك لم تكن لتشمل كل المحافل الثقافية والجامعية في العالم. ولكن وجدت في السنوات الأخيرة موجة جديدة تدعو للشك، وهي أشدّ وأوسع بكثير من الأمواج السابقة، تشمل جميع المحافل العلمية والثقافية والجامعية في العالم إلاّ بعض الموارد الاستثنائية. فقد ساد الضياع والاضطراب الثقافي ولاقت جميع أنواع الفلسفات والمدارس التشكيكية والنسبية وأمثالها ـ التي وإن لم تحمل إسم الشك ظاهراً إلاّ أن محتواها لا يخلو من عناصر التشكيك ـ، رواجاً إلى درجة أصبح يُستهزأ في الأجواء الثقافية العالمية بالذي يدَّعي الجزم واليقين في بعض المسائل، وإذا أرادوا أن يحقّروا أحداً نسبوا إليه أنه من أتباع مدرسة الجزم واليقين. نعم لقد أصبحت مدرسة الجزم عاراً علمياً، ولاقى في المقابل مذهب الشك والنسبية والنفي المطلق رواجاً عاماً، سيطر على الأجواء الفكرية والثقافية للعالم، أصبح فيه من يدعي اليقين ببعض الأشياء وأنه يفهمها بشكل كامل ساذج الفكر ويتهم بعدم العمق والعلمي والمعرفي.
لقد قلت في أحد الأماكن إن إطلاق اسم عصر الجاهلية الجديد على هذا العصر إسم على مسمى، حيث أنهم يفتخرون بقولهم لا نعلم، ويقولون علينا أن نصل إلى مستوى نفهم جيداً أن الشك يسري إلى كل شيء، ولا يوجد شيء يقيني، بمعنى الاعتراف بالجهل والشك في كل شيء. نحن نواجه هذه الجاهلية الجديدة مقابل تلك الجاهلية التي ذكرها القرآن بعنوان الجاهلية الاُولى (... ولا تبرّجن تبرج الجاهلية الاُولى...)(١).

(١) الأحزاب: ٣٣.