من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      الحدة ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم. ( نهج البلاغة ٤: ٥٦)      إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٩)     من أطال الأمل أساء العمل. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      
البحوث > المتفرقة > المنهج العقلي وأسس التقييم الشعري في التراث النقدي العربي الصفحة

المنهج العقلي وأسس التقييم الشعري في التراث النقدي العربي
* د. عبد الحسين مهدى عواد
يستهدف هذا البحث بيان المنهج العقلي وفاعليته في خلق سبل الاستدلال على تعيين أسس ومعايير القيم. ولأجل هذه الغاية تبدأ محاوره بفقرة تتحدث عن مراحل تطور السلوك التأملي الذهني للإنسان، ثم يليها عنوان للحديث عن العوامل المختلفة التي طورت مجرياته في الثقافة الإسلامية وكيف أثرت تلك العوامل على الثقافة العربية الأدبية، حيث تبلورت نظريات الكتاب والنقاد والمعنيين بشؤون قيم الشعر وأسسها.. وأصبح من جميع ذلك الخلفية الثقافية للقدر الأدبي الحديث. وتتحدث الفقرة الأخيرة من البحث عن آراء ابن طباطبا في كتابه «عيار الشعر» كنماذج لتلك النظريات، باعتبارها من ظواهر النقلة النقدية من الاعتماد على أسس الرواية والدراية والذوق وقواعد الأسلوب إلى أسس جديدة تعتمد على التعليل والتحليل وتتوصل إلى تشخيص القيم الفنية للشعر بالحجة والبرهان لا بالتعاطف والانجذاب.
توطئة
مهما تعددت التفسيرات حول ظهور صفة التأمل الذهني في السلوك الإنساني فإن قدم هذا اللون من التفكير أبعد من أن ينسب إلى مرحلة معينة من مراحل الثقافة الإنسانية المتعاقبة. فأول ما تأمله الإنسان وأمعن النظر فيه وجال بفكره حوله هي الظواهر الطبيعية التي احتضنت وجوده الأول(١). لقد حدق بنظره في معالم الكون، واستغرق بعقله بعض قوى الطبيعة، فرد بأسلوب تأملي اعتباره كإنسان له كينونته الفاعلة بين الطاقات المزجاة من القوى الطبيعية الكونية؛ فخلص بنظراته وبتأملاته الذهنية الأولى إلى تأليه عدد من تلك القوى، ومن ثم تعظيم وعبادة عدد آخر منها(٢)
وهي المحاولة الأولى لإلتماس الرمز الذي نفذ من خلاله العقل البشري إلى التفكير والتأمل في سر وعظمة الخلق ومن ثم تعيين ماهية الاعتقاد الذي يوفر الطمأنينة في الحياة. ومما تذكره الثقافات القديمة عن الاهتمامات الأولى للكائن البشري في عناصر الطبيعة هو تعامله مع (الاستقصات الأربعة) الماء والتراب والهواء والنار.
إن الرؤية الذهنية التي صورت لدى الإنسان الأول العلاقة بين القوة والضعف والغلبة والانكسار، والمالك والمملوك، والخالق والمخلوق، والعابد والمعبود… تعتبر بداية الإدراك الذهني أو التصور العقلي الأول للإنسان، وهي بداية لا يستبعد أن تكون منطلقه الأول الذي بدأ يتحسس به العلاقة بينه وبين المنقذ الطبيعي الكوني الذي يشخص أمام رؤيته العقلية في حالات الخوف والفزع واليأس والجزع وغيرها من مضائق الحياة البدائية. ويرجح بعض الباحثين في الكتب الدينية القديمة بأن التصور الأولي

(١) انظر: M.Elide: Myth and Reality London ١٩٦٤ p.Xl.
(٢) انظر: N. Fry The Gteat Code The Bible and Litrature London ١٩٨٢ PP. ٣١ - ٣٢.