المال مادة الشهوات. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)      أغنى الغنى العقل. ( نهج البلاغة ٤: ١١)        ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى. ( نهج البلاغة ٣: ٥٥)      إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها. ( نهج البلاغة ٤: ٦٨)      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      
البحوث > المتفرقة > الفكر الاجتماعي في الكتابات الاسلامية الحديثة الصفحة

الفكر الاجتماعي في الكتابات الإسلامية الحديثة
د. احميدة النيفر(١)

مصاعب البداية
إذا كان القرآن قد اعتبر جميع الرسالات السماوية متفقة فيما بينها على مبدأين رئيسيين هما: التوحيد والعدل: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد ٥٢) فإنه اعتبر أن قيمة العدل يجب أن تميز المجتمع الإسلامي في بنيته وأن تطبع علاقاته مع غيره سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي) (المائدة ٨) (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) (النساء ٥٣١).
مثل هذا التوجه المتميز في الخطاب القرآني هو الذي دفع (فهمي هويدي) الكاتب الإسلامي التقدمي أن يؤكد على أنه: (إذا كان التوحيد هو عماد العقيدة فإن العدل هو عماد الشريعة وأنه لن يتوفر التطبيق الإسلامي الحق ما لم يستند إلى هاتين الدعامتين جنبا إلى جنب، ذلك أن الارتكاز على أحداهما دون الأخرى لن يثمر إلا مسيرة عرجاء لا يستقيم بها التطبيق الإسلامي بأي حال).
ومن المؤكد أن (فهمي هويدي) استفاد أيضا في موقفه هذا مما تركه علماء قدامى تناولوا قبله مسألة العدل من أمثال الشاطبي الذي كان يعتبر في كتابه الموافقات: (أنپپالعدل هو الغاية المقصودة من الشريعة) ومن أمثال ابن تيمية (٣٦٢١ ـ ٨٢٣١م) الذي أعلن في الحسبة: (أن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام).
لكن الذي لا يجب أن يغيب عنا أن مسألة العدل خاصة والفكر الاجتماعي عامة في الأدبيات الإسلامية الحديثة ظل في عمومه بطيء التطّور غامض المعالم تحت تأثير عوامل سياسية ضاغطة ومعرقلة. يكفي أن نذكر على سبيل المثال أن رجلا كسيد قطب (٦٠٩١ـ ٦٦٩١) الذي تناول هذه المسألة بكثير من الجرأة والتحديث في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات في أربعة كتب هي:
(العدالة الاجتماعية في الإسلام) و(معركة الإسلام والرأسمالية) و(السلام العالمي والإسلام) و(نحو مجتمع إسلامي) عاد بعد انضمامه إلى حركة الإخوان المسلمين والحكم عليه سنة ٤٥٩١ بالسجن بدعوى التآمر لقلب نظام الحكم المصري إلى التنكر إلى كل ما كتبه في مسألة العدل الاجتماعي وكأنه في تخليه هذا كان يريد أن يؤكد على الأولوية الكاملة للعمل التنظيمي السياسي في مواجهة نظام متسلط ورافض للحوار.
نفس التصرف نجده من قبل معاصر آخر اهتم بالقضية الاجتماعية اهتماما بالغا هو باقر الصدر (٣٣٩١ ـ ٠٨٩١) فبعد أن خصص دراسة أولى بعنوان (فلسفتنا) عرض فيها للأسس النظرية التي تقوم عليها الماركسية والوضعية المنطقية وما تتميز به المدرسة الإسلامية من تفسير للكون والحياة أردفها بكتاب أطول هو كتاب (اقتصادنا) ناقش فيه الأسس العامة للاقتصاد الرأسمالي إلى جانب المادية التاريخية ونظرة الماركسيين للمجتمع مقارنا كل هذا بهيكلة عامة للاقتصاد الإسلامي ورأيه في العمل وتوزيع الثروة. وواصل بعد ذلك نفس المسار بتأليف (البنك اللاربوي في الإسلام) وبعده (المدرسة الإسلامية) التي تحدث فيها عن أسباب عجز التجربة الاجتماعية في البلدان الإِسلامية. بعد كل هذا الجهد الفكري الاجتماعي نجده يُقبل بكليته على النضال السياسي ضد الحكم القائم في العراق مؤسسا حركة سياسية معارضة تهدف إلى اسقاط النظام وينتهى الأمر بباقر الصدر بالسجن ثم الاعدام سنة ٠٨٩١.

(١) تونسي، استاذ في جامعة الزيتونة بتونس، ورئيس تحرير مجلة ١٢ ٤ ٥١.