خض الغمرات للحق حيث كان. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)      من كتم سره كانت الخيرة بيده. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ ـ ٨٢ )        اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      
البحوث > المتفرقة > جعفر الطيار الصفحة

جعفر الطيار
حسن محمد
لستُ زاعماً أن الصحابة كلهم في الفضل سواء، أَوَ يكون هذا وقد فضّل الله الرسل ـ وهم أكرم الخلق وأقربهم إليه تعالى ـ بعضهم على بعض فقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)(١) والتفضيل حالة توافق طبيعة الأشياء؟ فإن كان هذا الزعم ليس من حقّي بل ليس من حق الجميع ـ كما هو الحقّ ـ إلاّ أني استطيع وبقوة أن أقول: إنّ الصحابة ـ بعضهم ـ صناعة خاصة أعدّتهم السماء وتفضّلت بهم علينا جميعاً ; ليصوغوا لنا تأريخاً مليئاً بالخير، وليصنعوا حاضراً كلّه عطاء، ويبنوا مستقبلا زاهراً بالأمل مشرقاً بالحبّ، بعيداً عن العداوة والبغضاء فكانوا جيلا لا نظير له فيما مضى من تأريخ الرسالات.
فقد نجح هؤلاء وهم النخبة الطاهرة من الأصحاب في تبليغ أعظم رسالة سماوية استطاعت أن تغير أمّة جاهلية بل أمماً أخرى فغيرت بذلك وجه التأريخ، فاستحقوا بذلك الفوز في الدنيا والآخرة.
كانوا من ورثة جنة النعيم، يتبوّأون منها غرفاً، وينعمون بها، ويمرحون في بحبوحة منها.
ولا غرابة في ذلك بعد أن أحبوا الله ورسوله، وطلبوا رضوانه تعالى وملئوا شوقاً إلى لقائه، فقد كانوا يطلبون الموت ويتحاثون عليه.
كم كانت تربيتك يا رسول الله لهذه الزمرة الطيبة مجدية نافعة خالدة! وكم كان حبّهم لك عظيماً صادقاً شهد بها أبو سفيان وهو يعيش العداء كلّه لرسول الله ولدينه ولمن معه: ما رأيت من الناس أحداً يحبّ أحداً كما يحبّ أصحاب محمد محمداً!
وجعفر من هذه النخبة الطيبة الصادقة. كان صحابياً متميزاً في دينه وولائه وفي فصاحته وبيانه وحلمه، كما كان مثلا رائعاً للشجاعة والفداء، أبى إلاّ أن تكون ساحات الوغى أرضاً له، وإلاّ ظلال السيوف سقفاً له حتى كان شهيداً، ولكن متى؟! بعد أن قطعت يداه وبعد أن تحمل جسمه وضمّ بدنه أكثر من سبعين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم.
نسبه ولقبه وكناه
كان جعفر من سلالة تلك العائلة الكريمة في خصالها، الرفيعة في شرفها، المتميزة في سيادتها وزعامتها ورجالها، فهم سادة قريش بل سادة الدنيا على الإطلاق، هذه العشيرة التي ضمّت أكرم خلق الله محمداً وآله الطاهرين..
فأبوه: شيبة الحمد، شيبة بني هاشم أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي... واسمه عبد مناف، وقد كني بأكبر أولاده (طالب)، وقد كان الكافل الحامي المدافع عن النبي صلّى الله عليه وآله، الذي أحاط رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعناية عظيمة قلّ مثيلها، خاصة إذا نظرنا إلى مكانته في مجتمع قريش وبين زعمائها وما يسببه ذلك الدفاع من إحراج أمامهم.

(١) سورة البقرة: ٢٥٣.