من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه. ( نهج البلاغة ٣: ٥٦)      ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار، وما شرٌّ بِشَرٍّ بعده الجنة. ( نهج البلاغة ٤: ٩٢)      إياك ومصادقة الكذاب فإنّه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب. ( نهج البلاغة ٤: ١١)      خالطوا الناس مخالطة إن متم بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم. ( نهج البلاغة ٤: ٣)      أشد الذنوب ما استهان به صاحبه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      
البحوث > المتفرقة > إقامة الدولة الإسلامية بين دعوات الالغاء وسجال الوجوب والحرمة الصفحة

اقامة الدولة الاسلامية بين دعوات الالغاء وسجال الوجوب والحرمة
علي المؤمن
رغم ان الواقع تجاوز السجال حول ضرورة اقامة الدولة الاسلامية، وكشف عن كثير من الحقائق العملية التي ربما لا تتناول النظرية تفاصيلها، بعد ان حول الامام الخميني نظريته في الحكومة الاسلامية الى واقع قائم، إلاّ ان هناك اتجاهات عديدة تمتد من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، ومن اكثرها تطرفاً في علمانيته الى اكثرها غلواً في الدين، لا تزال تمارس الجدل نفسه، وتحاول تحت مختلف الذرائع ان تلغي حاجة الاسلام الى الدولة، او تنفي ان يكون للاسلام دولة.
وفي الحقيقة ان عنواني الوجوب والحرمة يثيران ـ من جانبهما ـ العديد من علامات الاستفهام، فالحرمة ـ مثلاً ـ مفردة شرعية تدل على ان القائل بها يمثل اتجاهاً اسلامياً وليس علمانياً، وهذا يعني ان هناك تيارات فقهية او كلامية اسلامية تحرم اقامة الدولة الاسلامية في ظرف زمني معين، الامر الذي يدفع للتعرف على وجهات نظرهم، الى جانب دراسة ادلة القائلين بالوجوب والضرورة; لان هذا التناقض يدل على وجود اجتهادين يختلفان في مبانيهما الفقهية والاجتهادية وفي النتائج التي يخلصان اليها، رغم انهما ينتميان الى مدرسة واحدة وينهلان من منبع واحد ويعتمدان الاساليب الاجتهادية ذاتها.
الموقف التاريخي للاتجاهات الاسلامية
على المستوى التاريخي لم يكن هناك اتجاه كلامي او فقهي اسلامي يحرم اقامة الدولة الاسلامية او الخلافة او الامامة، عدا بعض الخوارج، وحتى هؤلاء عادوا ليقولوا بعدم ضرورتها وليس بحرمتها، كما هو رأي بعض المعتزلة. في حين ان المنعطف المصيري الذي تعرضت له مدرسة الامامة بحدوث غيبة الامام المهدي عليه السلام، والظروف السياسية التي صاحبت هذا المنعطف واستمرت لفترة اخرى، تسبب بمرور الزمن في ظهور اتجاه فقهي في مدرسة الامامة يرتكز على معطيات كلامية وفقهية، طرح عنوان الحرمة حيال موضوع الحكم الاسلامي في عصر الغيبة، وليس الحرمة بالمطلق، والى جانب هذا الاتجاه هناك من يقول بالوجوب او الضرورة والجواز المشروط. في حين لا تضم مدرسة اهل السنة اتجاها يقول بالحرمة، لعدم اشتراطها ـ اساساً ـ العصمة في الحاكم، في اي زمن كان، وبذلك تتشابه اتجاهاتها في النتائج مع اتجاهات مدرسة الامامة، عدا الاتجاه القائل بالحرمة.
والحقيقة ان الاتجاهات والمذاهب الاسلامية التي سبق ان تناولت موضوع الحكم الاسلامي وكان لها آراء متعددة فيه خلال مراحل تاريخية مختلفة، انما تناولته تحت عنوان (الامامة) او (الخلافة) وليس تحت عنوان (الدولة) او (الحكومة)، ويمكن تلخيصها في ثلاثة اتجاهات رئيسة(١):

(١) انظر: الزحيلي، د. وهبة، نظام الاسلام، ص ١٧٠ ـ١٧٧، ط ٢ دار قتيبة، بيروت ـ ١٩٩٣م.