أشد الذنوب ما استهان به صاحبه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      ظلم الضعيف أفحش الظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      القناعة مال لا ينفد. ( نهج البلاغة ٤: ١٤)      من أشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار أجتنب المحرمات. ( نهج البلاغة ٤: ٧ـ ٨ )      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      
البحوث > المتفرقة > أي حوار مع الغرب؟ الصفحة

أي حوار مع الغرب؟
وعي الغرب من خلال مفاهيم واتجاهات رئيسية في الغرب المعاصر
(نهاية التاريخ، العولمة، الطريق الثالث)
د. علي فياض(١)
بما ان قواعد الحوار تفرض وعي المتحاورين لبعضهم البعض، وحيث ان اشكاليات الحوار أو الصراع اكثر ما تنصب في اهتماماتنا كعالم اسلامي على الغرب، فان وعينا للغرب، أي المامنا المعرفي بالتجربة الغربية في مرحلتها المعاصرة يصبح شرطاً لازماً من بين شروط كثيرة لحوار منتج، لكن يفتقر إلى الكثير من عناصر التوازن والتكافؤ.
فمنذ بداية التسعينيات بتأثير انهيار الاتحاد السوفياتي وبفعل عوامل موضوعية اخرى تتعلق بتطور المسار التاريخي للتجربة الغربية، يشهد هذا الغرب خضماً حقيقياً ونشطاً يعبر عن نفسه بصيغة تحولات عالمية وولادة مفاهيم واتجاهات وموت اخرى.
ان بناء وعينا الحواري مع الغرب بالاستناد فقط، إلى اطروحة صدام الحضارات، رفضاً أو قبولاً، سيقع في الاختزال، الذي يرسم جزءاً من الصورة إلاّ انه لا يحيط بابعادها كافة. ذلك ان اطروحة صدام الحضارات، على اهميتها الشديدة، تمثل الموضوع الاقرب لاشكاليات العلاقة مع الغرب، وهذا ما يبرر في الاغلب، ذلك الانصراف الكثيف لمناقشة محاورها واشكالياتها. إلاّ انها لا توفر لوحدها الكفاية المعرفية والسياسية لوعينا بالغرب المعاصر، اذ انها لا تعدو ان تكون إلاّ واحدة إلى جانب مثيلات لها، وهي رغم تساندها أو تناقضها فيما بينها، إلاّ انها تعكس - مجتمعة - تعبيرات اساسية عن التشكل الراهن للعقل الغربي.
اننا لا نرى كفاية في وعي الحوار ما لم نعرج على مقولات واتجاهات ووقائع اخرى، لها ثقلها الدلالي في وعي الغرب لنفسه وللآخر. فمن نهاية التاريخ لـ (فوكوياما) التي تتجاوز كونها مقولة إلى كونها احدى تجليات هذا العقل الغربي، يطل في العام ١٩٩٨ اتجاه الطريق الثالث، ليكشف مجدداً أزمة النظام الرأسمالي الغربي ويفتح مجالاً تأسيسياً في البحث عن مسار آخر للتجربة الحضارية الغربية في جوانبها المجتمعية والاقتصادية وبالارتكاز إلى مفهوم جديد لدور الدولة.
ومن المفارق ان يتم ذلك في رحم العولمة وفي الغرب نفسه محل انعقاد نطفتها الاولى، فالطريق الثالث النازع إلى موقع ما، بين الرأسمالية والاشتراكية يعيد تقويم مفهوم الديموقراطية، جاعلاً منها ديموقراطية اجتماعية، ورافعاً من شأن الدولة وضابطاً لقوانين السوق. ان الطريق الثالث في ذلك كله ينسف بعض المرتكزات الاساسية للعولمة كالليبرالية الجديدة، فتبدو العولمة ضد العولمة والغرب ضد الغرب.

(١) رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في بيروت. ساهم في اعداد بيانات الدراسة، الاستاذ عبد الحليم فضل الله، والدكتور محسن صالح.