ربّ قولٍ أنفذ من صول. ( نهج البلاغة ٤: ٩٤)       كفى بالقناعة ملكاً وبحسن الخلق نعيماً/ نهج البلاغة ٤: ٥١.        الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      القناعة مال لا ينفد. ( نهج البلاغة ٤: ١٤)      عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      
البحوث > المتفرقة > النظرية النفسلوكية في الإسلام الصفحة

النظرية النفسلوكية (النفسية ـ السلوكية) في الاسلام ودورها في بناء
الذات الشخصية
د. وائل مصطفى فائز(١)
اضطرب الباحثون والمفكرون في تفسير الظاهرة السلوكية، خاصة المعنيون في علم النفس والتربية، وسياسة السلوك. فمنهم من فسر السلوك على اساس حيواني ـ غرائزي (كما فعل فرويد وانصار المدرسة التحليلية)، ومنهم من فسره على اساس آلي (كما فعل واطتسن وانصار المدرسة التحليلية)، ومنهم من تفلسف وفسر الامور بصورة عبثية، لا معنى لها ولا غاية (وهذا ما فعله سارتر ونيتشه وانصار المدرسة الوجودية).. وكثرت التفاسير والتأويلات، منها الشرقي ومنها الغربي، ولكن الجميع لم يوفق في الوصول إلى فهم حقيقة وطبيعة السلوك الانساني الصادر من جذور واعماق النفس الانسانية. وبالتالي اخفق الجميع في حل الاضطرابات النفسية البشرية والسلوكية الطارئة على النفس البشرية، ولم ينجحوا في بناء ذات مهذبة، وشخصية انسانية سوية متزنة، تصلح بجدارة كافية للنهوض باعباء الواجب والمسؤولية، والعمل على اعمار الارض، واقامة العدل فيها، والابتعاد عن مواطن الانحراف والشذوذ والضلال والهوى كما يريد الله سبحانه وتعالى منها ذلك.
وقد حاولنا في هذه الدراسة التحليلية، تفسير الظاهرة السلوكية من خلال استقراء كامل لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة والرجوع إلى التاريخ. ثم من خلال فهم الطبيعة البشرية والنفسية للانسان كما تحدث عنها الفهم الاسلامي. كما اننا اجتهدنا في بيان اهمية هذه النظرية في بناء الذات من خلال تربيتها وتهذيبها، وكيفية تكوّن الشخصية السوية المتزنة. ونشير اولاً الى اهم النقاط التي يرتكز عليها البحث:
١ـ التسليم بان كل مولود يولد سليم الفطرة. وان محيطه الذي يعيش فيه، وخاصة المحيط الاجتماعي، هو المسؤول الاول عن بناء وتشكيل شخصيته. فالبيئة الاجتماعية من اهم العوامل التي تلعب دوراً كبيراً في تعزيز الفطرة الانسانية وتوجيهها، سلباً او ايجاباً.
٢ ـ الانحرافات المختلفة الطارئة على الانسان، سواء كانت انحرافات فكرية أو سلوكية، انما تعود إلى سوء فهم الطبيعة النفسية، وفهم ما يلائم تلك الطبيعة ومالا يلائمها، بل والتصادم معها في كثير من المواقف الاجتماعية وغير الاجتماعية من خلال الاستجابات الخاطئة، والاشباعات السيكولوجية التي تتقاطع مع ما جاء به النهج الرباني القويم (دين الفطرة).
٣ ـ الانسان في تكوينه ذو طبيعة مزدوجة، فهو ولا شك جسد وروح، عقل وقلب، كما انه يحمل الطبيعة ذاتها في التصرف والسلوك، فالنفس البشرية بطبيعتها مزدوجة الاتجاه، ومستعدة للخير والشر. وان إعمال العقل الواعي، المدرك لحقائق الامور وطبيعتها كفيل في ايصال الانسان إلى اختيار السلوك السوي المتزن فيما إذا اقتضت الارادة ذلك. فمن خلال إعمال العقل الواعي نستطيع التمييز بين الحسن والاحسن، والسي والأسوأ، وبين ما هو حسن وما هو دون ذلك.

(١) استاذ في كلية العلوم الاجتماعية ـ جامعة علي كره الاسلامية في الهند.