بالإفضال تعظم الأقدار. ( نهج البلاغة ٤: ٥٠)      ما أكثر العبر وأقل الاعتبار. ( نهج البلاغة ٤: ٧٢)      من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٨٨ )       أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الصلاة الصفحة

صلاة المسافر
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
(واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً).
محتوى الاية
ما تفيد الاية ؟ هل تريد القول بأن السفر والخوف معاً علة واحدة للتقصير ؟ او ان الخوف علة للتقصير لكن بشرط السفر ؟ او ان السفر علة بشرط الخوف ؟ او تريد ان كلاً من السفر او الخوف علة للتقصير بشكل مستقل؟
وهل تفيد الاية ان التقصير عزيمة او انها تفيد انه رخصة لا اكثر؟
لقد احتمل البعض ان السفر علة للتقصير سواء كان خوف ام لم يكن. والخوف ليس علة الا إذا اقترن مع السفر . وهناك احتمالات اخرى كلها منشأت عما توحيه الاية من مفاهيم ومعانٍ.
اما بالنسبة لاحتمال ان الفتنة او خوف الفتنة ليسا سببين مستقلين للتقصير ، بل مشروطان بالسفر، فقد قلنا انه لا يمكن تقييد الفتنة بالسفر ، وعبارة (واذا ضربتم في الارض) لا تفيد تقييد المورد بحالة السفر فحسب، كما لا يمكن القول بأن مورد الخوف مقيد بما إذا نشأ عن هجوم الكافرين لا الفاسقين رغم ان الاية تحدثت عن الكافرين فحسب (ان يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين….) والقول بهذه الاقوال من قبيل الاستنباط العقلي او القول باصالة التمام . وقد بحثنا هذا الامر سابقاً.
اما بالنسبة للعزيمة او الرخصة، فقد قلنا ان الاية تفيد العزيمة لا الرخصة.
على فرض ان الاية تفيد علية السفر للتقصير، فالاية تستدعي دقة اكثر. إنّ الاية ذكرت قيدين للتقصير لكن هل هما علتان مستقلتان ام ان كلاً منهما جزء علة؟
ان اجماع الفريقين قاضٍ بأن الضرب في الارض علة للسفر (عزيمة او رخصة) من دون كون الخوف شرطاً في ذلك، هذا مضافاً الى ان الروايات المأثورة عن اهل البيت استشهدت بالاية الكريمة في فرضها التقصير على المسافر ، ونحن نقيد ظهورات الكتاب بما لا يخالف ما اثرناه من السنة. وعلى هذا فالاية ذكرت علتين مستقلتين للتقصير وجوباً او جوازاً (كيفاً وكماً).
ان صلاة المسافر لا تختلف كيفاً مع صلاة المختار؛ اما من الناحية الكمية فتختلف .
ان الخوف علة مستقلة للتقصير ومن دون قيد، امام بالنسبة للضرب في الارض فيشترط فيه قطع بريدين عندنا. والمسافة عند السنة مختلفة فأبو حنيفة يشترط ان تكون يومين او ثلاثة، وهو يقرّ بأن التقصير عزيمة لا رخصة ويختلف معنا في شرط المسافة.
سألني شخص من اهل السنة : لماذا يقول الشيعة بالقصر بالنسبة للمسافر بمجرد خروجه من البيت؟ فأجبته: الامر ليس كذلك ، بل لا يقصر حتى يخفى عليه صوت الاذان ورؤية الجدران. فقال لصديقه: انظر انه يقول لا يقصر المسافر حتى يمرض ويصبح عليل العين والاذن وذلك قريب من فتوى ابي حنيفة الذي اشترط ان تكون المسافة تبلغ يومين او ثلاثة.
يبدو ان الاية تناولت موضوع صلاة الخوف بقرينة ذيل الاية (إذا كنت فيهم فاقمت) ؛ ويحتمل انها تناولت الخوف باعتباره الغالب على اسفار ذلك الزمان ، ولم تتناول الخوف نفسه ؛ فالكبرى لا تنطبق على (إذا كنت فيهم) والاخيرة تدل بالاستقلال على صلاة الخوف.
ان صلاة الخوف ثابتة بآيتين بلا كلام؛ وكذا صلاة المسافر فهي ثابتة من حيث السنة باجماع الفريقين ، رغم ان هناك اختلافاً بين القوم في طول السفر و… اما في ذات الافطار والتقصير فلا اختلاف.
حد التقصير
حددت بعض الروايات المسافة ببياض اليوم وروايات اخرى حددته ببريدين. والتحديد ببياض يوم تحديد زماني اما بالبريدين فتحديد مكاني واكثر دقة؛ باعتبار ان بياض اليوم يتغير حسب الفصول ، فان بياض اليوم قد يكون سبع ساعات او اقل وقد يبلغ سبعة عشرة ساعة او اكثر.
ويمكن حمل بياض اليوم على البريدين او نعتبر البريدين معرفا لبياض اليوم وشارحاً له؛ وذلك لانه ليس المراد من بياض اليوم ، يباضه ولو كان اقل من خمس ساعات وسوف نقرأ بعض الروايات في هذا المجال لبلوغ النتيجة المتوخاة.
(لا خلاف فيه بينا بل وبين سائر المسلمين ) في اعتبار المسافة في صلاة المسافر، وفي ذلك اجماع رغم اني سمعت ان هناك من اهل السنة من يعد القصد للسفر بذاته موجباً للتقصير ، فهو يقصر وان كان في بيته ولم يخرج منه. الا ان ذلك خلاف الاجماع. على أي حال (بل هو ان لم يكن ضروريا عندهم فهو مجمع عليه بينهم وكتابهم ناطق به) (ان كنتم مرضى او على سفر فعدّة من ايام اخر) هذا باضافة (كلما قصّرت افطرت وكلما افطرت قصّرت) (كما ان سنتهم متواترة فيه).
(وداود الظاهري ((الذي يبدو انه كان من تلامذة الشافعي وله آراء خاصة به وبمنزلة الاخبار يبين عندنا)) وان لم يعتبر مقداراً مخصوصاً في المسافة لكن اعتبر الضرب في الارض قليلاً كان او كثيراً).
فهو يعد في ذات الضرب في الارض كافياً في التقصير خلافاً لما عليه ابو حنيفة حيث يتشرط مسافة طويلة جداً.
وكيف كان فهي تحصل عندنا ؛ والاوزاعي من العامة حاكياً له عن جميع العلماء (اجماع منقول تقريباً) بمسير يوم كيوم الصوم
ان الاجماع في مسير يوم غير محقق ، الا ان يريد بذلك ان مقدار مسير يوم متفق عليه والاختلاف فيما زاد عن ذلك. وعلى ذلك فلا يضر في الاجماع مخالفة الشافعي وابي حنيفة، لاننا ننظر الى مجموع الفطرة والكتاب والسنة ، فالسنة سنة إذا وافقت الفطرة واذا خالفتها فهي غير سنة، وهذا ما يصرحون به انفسهم، ولذلك قالوا بالقياس وبحجيته، ولو لم يكن هناك قياس لرفعنا اليد عن الكتب الاربعة ؛ فان السنة تعد دليلاً إذا اتفقت مع القرآن.
لكن إذا اردنا الاكتفاء بما ورد عن الرسول (ص) فذلك يعني تطبيق اللامتناهي على المتناهي ؛ ولذلك كان علينا القول بحجية القياس. اما حديث (علمني الف باب بنفتح من كل باب الف باب) فذلك لا نقول به ونضعه جانباً.
كقول الباقر (ع) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم : (وقد سافر رسول الله (ص) الى ذي خشب وهي مسيرة يوم من المدينة يكون اليها بريدان اربع وعشرون ميلاً). والميل ثلاثة فراسخ ، وهذه المسافة تجمع – تقريباً- بين البريدين ومسير يوم بياض . هذا إذا اتفقت المسافة على اساس البريدين ومسير يوم بياض. اما إذا اختلفت المسافة على الاساسين (البريدين ومسير يوم بياض) فذلك مطلب اخر ومتفرع على هذا المطلب وكذا الحال والتردد في الروايات التي تعين المسافة ببريدين فهل نحمل احدهما على الاخر ، او ان بياض يوم هو الحد الوسط او ……؟
سؤال وجواب لماذا تذكر البريدين ؟ ان عدم ذكره لذلك يكشف عن كفاية بياض يوم متوسط الطول. ولاجل ايضاح الامر استخدم الشارع مفردة بريدين. ان تحديد بياض يوم متوسط الطول ليس بالامر الهين ؛ لذلك ينبغي القول بان البريدين شرح لذلك المقياس ، وذلك اولى من حمل البريدين على صورة اتفاقه في الطول مع بياض يوم.
سؤال وجواب: ينبغي التفكير بحل لقضية بياض يوم ، فان البريدين معلوما الطول ، اما البياض فيختلف حسب الافاق والفصول؛ وعلى هذا ينبغي السؤال ممن هو ماهر في هذا النوع من الحسابات للخروج واحدة في مجال الحد الوسط لبياض اليوم.
سؤال وجواب: ان الاسفار نوعاً ما كانت تتحصل في الليالي، اما الايام فكانت تتخذ للاستراحة بسبب عسر الحركة تحت الشمس او الامطار او…
((قلت له كم ادنى ما يقصر فيه الصلاة؟ قال: جرت السنة ببياض يوم فقلت له: ان بياض يوم مختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخاً في يوم ويسير الاخر اربعة فراسخ في يوم. فقال: انه لي الى ذلك ينظر؛ اما رأيت سير هذه الاثقال بين مكة والمدينة ؟ ثم أومأ بيده اربعة وعشرين ميلاً)).
كيف افهم بيده ٢٤ ؟ اتصور انه إذا طوى الطريق مرتين يكون المجموع ٢٠ ، ثم طوى الاربعة فتكون النتيجة ٢٤.
(( يكون ثمانية فراسخ)) هل هذا كلام للامام او للراوي او انه شرح؟
والصحيح انه شرح أي عطف على القاعدة التي ذكرها الامام في الصحيح الوارد عن ابي بصير، قلت له: ايضا في كم يقصّر الرجل؟ قال: في بياض يوم او بريدين.
وعلى هذا يبدو ان البياض والبريدين ليسا سببين، بل سبب واحد ذات شكلين وتعريفين وحسابين ، فالقصر اما لبياض يوم او لبريدين..
سؤال وجواب: ينبغي لحاظ البريدين على كل حال؛ لان المسافر قد يطوي خمسة عشر فرسخاً في بياض يوم واحد، فالمهم هو قطع البريدين سواء اتفقا مع بياض يوم ام لم يتفقا.
الحديث ابي الحسن (ع) في صحيح ابن يقطين: (سألته عن الرجل يخرج من سفره وهو مسيرة يوم قال: يجب عليه التقصير إذا كان مسير يوم وان كان يدور في محله).
والعبارة الاخيرة (وان كان يدور في محله) تكشف عن ان الاستقامة ليست شرطاً في المسافة تبل يكفي التردد في الاطراف. بالطبع هذا لا يشمل من كان عمله ذلك.
وموّثق سماعة المضمر (سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم ذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ ..) الحديث الى غير ذلك من النصوص الدالة عليه الظاهرة في إرادة يوم الصائم منه للتعبير فيها ببياض يوم وبه صرّح بعضهم ، بل لم نعثر على خلاف فيه.
والحمد لله رب العلمين