ربّ قولٍ أنفذ من صول. ( نهج البلاغة ٤: ٩٤)      من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      الغيبة جهد العاجز. ( نهج البلاغة ٤: ١٠٦)      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      إفعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً، فإن صغيره كبير وقليله كثير. ( نهج البلاغة ٤: ٩٩)      
الدروس > بحث خارج > فقه > الاجتهاد والتقليد الصفحة

المقام الأول: الاجتهاد
بسم الله الرحمن الرحيم
البحث يقع في مقامين:
المقام الأول في الاجتهاد، والمقام الثاني في التقليد
ويقع الكلام في المقام الأول من جهات:
الأولى في تعريف الاجتهاد وحدوده، الثانية في أقسام الاجتهاد، الثالثة في أدلة اعتباره، الرابعة في الآثار المترتبة عليه، الخامسة في ما يتوقف عليه الاجتهاد، السادسة في التخطئة والتصويب، السابعة في شرائط الاجتهاد، الثامنة في حكم تبدّل رأي المجتهد.
قبل الشروع في الجهة الأولى لا بأس بذكر أمور:
الأمر الأول: الوجه في جعل البحث عن الاجتهاد والتقليد خاتمة لعلم الأصول وعدم جعله من المقاصد، إما كونه ليس من المقاصد؛ لأنّه من المسائل الفرعية لا الأصولية؛ لأن المسألة الأصولية ـ كما تقدمت ـ هي العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، والاجتهاد هو نفس استنباط الحكم الشرعي، والعلم بالقواعد هي مقدمة للاستنباط، ولذلك يكون نتيجة لعلم الأصول، ولكن بما أن مَن علِم بالقواعد الممهدة مارسها فنتيجته أنه يكون قادراً على الاستنباط وتحصل له ملكة؛ ولذلك يكون المجتهد حصيلة علم الأصول ومن ثمراته. ومن ذلك يظهر شدّة المناسبة بين موضوع الاجتهاد وعلم الأصول، ولهذا جُعِل البحث عن الاجتهاد وأحكامه خاتمة لعلم الأصول.
ومن ذلك يظهر أن إهمال هذا البحث وعدم التعرض له في خاتمة علم الأصول بلا وجه، وإن جعله من الخاتمة ـ كما عن صاحب (الكفاية) وجماعة من الأعلام ـ هو الصواب وفي محله.
الأمر الثاني: الأدلة والروايات الواردة في المقام لم يذكر فيها عنوان الاجتهاد والمجتهد وإنّما ورد فيها الفقيه والعالم، وكذلك عنوان العارف بالأحكام، ولم تُجعل أحد هذه العناوين موضوعاً للبحث؛ لأنّ هذه العناوين كلها تدلّ على معنى واحد وهو كون الشخص له القدرة والملكة في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، فالمعتبر أولاً أن يكون له القدرة والملكة، وثانياً الاستنباط وإعمال هذه القدرات بالنظر إلى أدلة الأحكام.
فإذاً كلمة المجتهد تدلّ على هذين الأمرين الظاهرين من الأدلة والروايات، فإنّ أشمل وأجمع الروايات التي تدلّ على المقام هي رواية عمر بن حنظلة التي وردت في اعتبار حكم القاضي، فقد ذكر الإمام عليه السلام: ((... ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذاً حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ))(١).
فاعتبر في الرواية ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون راوياً لحديثهم عليهم السلام.
الثاني: أن يكون له نظر في حلالهم وحرامهم.
الثالث: معرفة أحكامهم.
وهذه العناوين الثلاثة ليست مترادفة، بل يكون كل منها أخص من الآخر، فراوي الحديث يمكن أن يكون له نظر أو لم يكن، فمجرد الرواية لا يكون دليلاً على أنه يكون ناظراً في حلالهم وحرامهم، فإن النظر إذا تعدى بـ (في) يدل على التفكر. فإذاً المستفاد من الأمر الثاني ـ الذي هو كونه ناظراً في حلالهم وحرامهم ـ أي له قوة التأمّل والتدبّر، وهي وجود الملكة والقوة على الاستنباط.
وكذلك الأمر الثالث أخص من الثاني؛ لأنّه يجب أن يكون عارفاً للأحكام، أي بالفعل له استنباط للأحكام الشرعية، فمجرد كونه له ملكة الاستنباط لا يكفي، فإن من له الملكة قد يستعملها وقد لا يستعملها. فإذاً الأمر الأخير هو وجوب استعمال تلك القدرة والملكة في الخارج. ولهذه الأمور جُعل المجتهد موضوعاً للبحث.
الأمر الثالث: الخلاف الذي وقع بين المسلمين في الاجتهاد، بأن طائفة منهم قالت باعتباره مطلقاً سواء كان تحصيل الأحكام من الكتاب والسنة أو من الظنون كالقياس والاستحسان وأقوال الصحابة وغيرها، وذهب جماعة إلى إنكار الاجتهاد وعدم اعتباره مطلقاً، وهم الأخباريون، وقالوا بأنه في عنه منهي الشريعة المقدسة، بل نسب إلى بعضهم بأن المجتهد إذا أصاب لم يؤجر وإذا أخطأ كذب على الله، هذا ما قاله صاحب (الفوائد المدنية).
القول الثالث ما قاله جماعة الأصوليين من الإمامية باعتبار الاجتهاد في الجملة، أي استفراغ الوسع والطاقة في تحصيل الأحكام من الكتاب والسنة وما يرجع إليهما من الإجماع والعقل. وقد ذكر بعض الأعلام بأن النزاع بين الطائفة الأولى والأخريين معنوي، فأن الاجتهاد عند العامة بمعنى تحصيل الظن بالأحكام الشرعية عن كل طريق بخلاف الأخريين فإنهم لا يعتبرون تحصيل مطلق الظن للأحكام الشرعية.
ولكن الظاهر أن النزاع بين الطائفتين الأخريين لفظي؛ وذلك لأنّ الأصوليين يعتبرون تحصيل الأحكام من الكتاب والسنة والظنون المعتبرة شرعاً، ولكن الأخباريين يقولون باعتبار تحصيل الأحكام من النص فقط، أي من الكتاب فيما إذا ورد تفسيرها عن الأئمة ـ عليهم السلام ـ وكذلك الأخبار. فإذاً كلتاهما يتفقان على أنه لابد من تحصيل الأحكام من الكتاب والسنة، وإنّما الخلاف بينهما من جهة بعض المصاديق، فإن هذا الخلاف في المصداق موجود بين الأصوليين وهكذا بين الأخباريين بعضهم مع البعض.
ولكن ذكر بعض أعلام الأخباريين ـ كصاحب (الوسائل) ـ إنكار ذلك، وقال: إن النزاع بينهما لم يكن لفظياً، فذكر في فوائده: (اعلم أن كثيراً ما يقول من يتعصب لأصل الأصول: إن النزاع بينهم وبين الأخباريين لفظي، وذلك عند العجز عن الاستدلال، وبعضهم يقول ذلك جهلاً منه بمحل النزاع. والحق أن يقال بأن النزاع لفظي في مواضع يسيرة جداً لا في جميع المواضع).
ثم ذكر جملة من الموارد التي هي محل الخلاف، وبذلك أراد أن يثبت بأن النزاع ليس بلفظي، قال:
منها: أن الأصوليين يقولون بجواز الاجتهاد في الأحكام بل وجوبه، والأخباريين يقولون بعدم جواز العمل بغير النص.
ومنها: أن الأصوليين يقولون بجواز العمل بظنّ المجتهد بل بوجوبه، والأخباريين يقولون بعدم جوازه.
ومنها: أن الأصوليين يقولون بجواز العمل بخبر الواحد الخالي عن القرينة، والأخباريين يقولون بعدم جوازه.
ومنها: أن الأصوليون يقولون بجواز العمل بالمرجّحات غير المنصوصة، وذكر خمسين مرجحاً لذلك، والأخباريين يقولون بعدم جوازه. بل العمل بالمرجّحات المنصوصة، وذكر لها اثني عشر مرجحاً.
ومنها: أن الاصوليين يقولون بجواز العمل بالخبر الظنيّ السند، والأخباريين يقولون بجواز العمل بالخبر العلمي، فإن الخبر الظني هو الخبر الواحد الموثّق عند الأصوليين، ولكن الخبر الواحد الثقة عند الأخباريين هو الخبر العلمي. فذكر ثلاثة وعشرين مورداً، والظاهر أن هذه الموارد لا تكون خلافات واقعية.
فالاجتهاد الذي يقول به الأصوليون هو بذل هو الجهد واستفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية من الأدلة الثابتة شرعاً من الكتاب والسنة، وأما العقل والإجماع فهما يرجعان إلى الكتاب والسنة، فهما ليسا من الأدلة ولم يستنبط بهما شيء.
فإذا سئل منهم: هل يتمسكون بالعلم واليقين في تحصيل الأحكام إذا كان ممكناً في جميع الأحكام؟ فنعم، ولكن تحصيل ذلك من الكتاب والسنة مستبعد جداً؛ لأنّه ما يحصل به العلم من الأحكام قليل جداً.
ولكن إذا كان مرادهم من العلم هو الاطمئنان والظنون المعتبرة شرعاً، فنحن كذلك نقول به ونستدل بظواهر الكتاب والأحاديث الواردة عن الأئمة ـ عليهم السلام ـ ولم نكن خارجين عن التمسك بالكتاب والسنة. فإذاً لم يكن بيننا وبينهم في الاجتهاد فرق.
نعم، يبقى الخلاف في بعض الصغريات فإنهم لا يرون حجية الاستصحاب إلاّ في موارد قليلة، أو البراءة في الشبهات التحريمية، أو حجية مفهوم الشرط وغيرها، وهذه الأمور تكون مورداً للخلاف بين الأصوليين كذلك، وبهذا لا يوجب أن يكون النزاع معنوياً.
والظاهر أن ما ذكره جملة من الأعلام من أن النزاع لفظي هو الصواب.

(١) وسائل الشيعة ٢٧: ١٣٦ـ ١٣٧، أبواب صفات القاضي، ب١١، ح١.