رب ساعٍ فيما يضرّه. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      اللسان سبع إن خلي عنه عقر. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)      من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)       لا  تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      
البحوث > المتفرقة > ثقافة الذات وثقافة الآخر الصفحة

ثقافة الذات وثقافة الآخر
الشيخ حسين علي المصطفى
عندما يرد في ذهننا مصطلح الغزو الفكري أو الغزو الثقافي يتداعى إلى الذهن أيضاً مصطلح الأفكار والأيديولوجيات المستوردة وكل ما هو مستورد من مؤثرات الخارج وهو نوع خاص من النشاط العقلي الموجه ضد خصم ما لكسب معركة من معارك الحياة، على أننا لو أردنا أن نحلل هذا المصطلح فإننا نلاحظ أنّه مصطلح تقريبي، إذ ليس هناك ـ في الواقع ـ غزو فكري تام بالمعنى المعروف لكلمة غزو، والذي يتضمن الهجوم الاكتساحي.
نعم، هناك صور يتم من خلالها الغزو الفكري كالاختراق، والتسلل، والانتشار، وهذه الصور تضيق أو تتسع تبعاً لنوعية العلاقة بين البلدان المختلفة، وخاصة بين البلدان الكبيرة والبلدان الصغيرة.
وبصرف النظر عن التباين في الدلالات التي تطرحها أشكال التغلغل الفكري والثقافي ـ وهي أشكال مختلفة مؤكداً ـ فإنّ مصطلح الغزو الفكري اكتسب بُعده الشامل الذي ينطوي على كل تلك الدلالات مما يجعل هذا المصطلح يفي بالمرام لبحث حالات الانتشار الفكري بطريقة استعمارية.
والطريقة الاستعمارية هي مجموع السبل التي تلجأ إلى اتخاذها الدول القوية للسيطرة على الدول الضعيفة والفقيرة المتميزة من حيث الموقع والخزائن المعدنية والمميزات الاقتصادية المتنوعة.
ولقد تعرض عالمنا الإسلامي مع بدايات العصر الحديث إلى ثلاثة أنواع من الغارات وهي:
١ ـ الهجوم السياسي والعسكري وما صحبه من سيرة اقتصادية واحتكار تجاري.
٢ ـ المبشرون الغربيون الذين جاءوا بعد الجيوش العسكرية الغازية أو مهدوا لقدومها بنشر دعواتهم.
٣ ـ تبنّي المسلمين نظم التربية والتعليم الغربي تحت ما عرف باتجاه التعليم العصري.
لا شك أنّ النوعين الأولين يمثل وجوداً مكشوفاً وغير مقبول، بل ومرفوض من قبل الجماهير والأمة المسلمة.
نعم، لقد كانت غارة التستر بشعار التعليم العصري، وما يستتبعه من مدارس حديثة وتربية جديدة، هي أنجح الطرق لعملية الاختراق، والتي لم تتخذ شكل قرار ذاتي حضاري مستقل نابع من إرادة مسلمة حرة.
من هنا.. لا بدّ أن نعي أنّ أسلوب الغزو الفكري أكثر خطورة من الأسلوب العسكري، ذلك لأنّ الاحتلال يؤدي إلى كسب الأرض لا إلى كسب العقول، وبمقدور المغلوب استرداد الأرض ما دام العقل قادراً على أن يحافظ على حيويته ودوره، بينما في حالة الغزو الفكري تتهدم أعمدة الصمود باحتلال العقل من قبل الغزاة، ويعني ذلك إخماد حركة الكفاح وإقصاء عناصر القوة العقائدية عن ميدان العمل.