لا  تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      أصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك. (نهج البلاغة ٣: ٣٩)        أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)         لا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)      خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)      
البحوث > المتفرقة > العالمية الإسلامية وتشكيكات المستشرقين الصفحة

العالمية الإسلامية وتشكيكات المستشرقين
الشيخ عبد الكريم سلمان
إن العالمية الإسلامية حقيقة من جنس الذاتيات التي لا تُعلّل، والبديهيات التي تعلو على البرهنة والاستدلال، فالحرارة في النار والبرودة في الثلج والحلاوة في السكر وملحية الملح خصائص مندكّة في جوهر هذه الامور بحيث لا نار بلا حرارة ولا ثلج بلا برودة ولا سكر بدون حلاوة ولا ملح بدون ملحيّة، وهكذا العالمية بالنسبة إلى رسالة توحيدية هدفها ومحورها وجوهرها يتلخص في عبودية البشرية لـ (رب العالمين) فإن هذا الجوهر ينطوي في ذاته وعمقه على معنى عالمي، فلا ربوبية إلاّ ربوبية ربّ العالمين، ولا الوهية إلاّ الوهيّة الخالق الأوحد لعوالم الوجود، وبالتالي لا دين ولا نبوّة ولا رسالة إلاّ الدين والنبوة والرسالة المنبعثة من هذا الرب والاله، والشاملة لكل أفراد البشرية دون تمييز أو تفضيل.
وإذا كان هذا المعنى يصدق على كل النبوات والديانات، فأن للاسلام حسابه الخاص، فالاسلام اسم عام يشمل كل النبوات والرسالات، كما أنه اسم خاص بالرسالة الخاتمة. وهذا يعني أن الرسالات السابقة كانت بمثابة سلسلة من المقدمات المؤدية إلى الرسالة الخاتمة، أو أن معنى التوحيد والدين قد وصل إلى الذروة في الرسالة الخاتمة، وفي ضوء العلاقة الجوهرية المبيّنة قبل قليل بين التوحيد والعالمية، تكون العالمية قد بلغت هي الاخرى ذروتها في الإسلام، فإذا كانت العالمية في كل رسالة سماوية ونبوة توحيدية أمراً ذاتياً لا يعلل، وبديهياً لا يبرهن عليه; فهي في الإسلام أكبر وأوضح من ذلك.
ولكننا رغم ذلك كله نجد بعض الأقلام العاثرة، من ذوي الأفكار الفاترة، قد اهتمت بإثارة الشبهات وتدوين التشكيكات، ضمن حالة يصعب علينا تفسيرها بالجهل وقلة الاحاطة، لأن ذلك مستبعد جداً، لبداهة عالمية الإسلام ووضوحها من جهة، ولأن الذين أطلقوا هذه التشكيكات والشبهات هم من المستشرقين، ولئن خفيت عالمية الإسلام على أحد، فلا يتصور خفاؤها على أمثال هؤلاء، الأمر الذي يدفعنا للبحث عن السر الذي جعل هذا الفريق من المستشرقين يطلق تشكيكاته هذه، والأهداف التي يرمون إليها من وراء ذلك.
فقد كتب المستشرق الايطالي كايتاتي يقول: (إن العرب لم يكونوا يفهمون من انشاء الممالك كثيراً ولا قليلاً ليضحّوا بأنفسهم في هذا السبيل، وإن محمداً لم يكن عنده مشروع للسيطرة على العالم، وإنه لم يترك شيئاً من ذلك لخلفاء من بعده)(١)(٢).

(١) عالمية الفكر غير عالمية الدولة (التحرير).
(٢) الدولة العربية الإسلامية: ٧١.