رب قريب أبعد من بعيد، ورب بعيد أقرب من قريب. ( نهج البلاغة ٣: ٥٥)      اللسان سبع إن خلي عنه عقر. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)        لا تظلِم كما لا تحب أن تُظلَمَ. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة. ( نهج البلاغة ٣: ٨٨ )     
البحوث > المتفرقة > أبو طالب الصحابي المفترى عليه الصفحة

أبو طالب الصحابي المفترى عليه
عزّ الدين سليم (العراق)
مدخل
لا يكاد التاريخ يحدّد الزمن الذي دخلت فيه الأوثان مكة المكرمة، حتى زحفت بظلها الاسود على الكعبة المشرفة ليتربع بعضها على سطحها!
كما لم يوُرّخ احد من المؤرخين لبداية الزحف المادي الهابط على العقلية العربية في مكة وما حولها، التي فتح مغاليقها على الحنيفية السمحاء شيخ الانبياء ابراهيم الخليل، وولده اسماعيل ـ عليهما السلام ـ الذان رفعا قواعد البيت الحرام في عصر مبكر من مسيرة ام القرى نحو الله  عزّ  وجل.
على أن بعض المؤرخين يذكرون أن عمرو بن لحي زعيم خزاعة هو الذي سود صفحات تاريخ مكة بكفره وردته، حين نقض عرى الحنيفية وخرب المشروع الرباني الذي حمله ودعا إليه ابراهيم واسماعيل عليهما السلام، وذلك بعد وفاة اسماعيل النبي ـ عليه السلام ـ بسنين عديدة، فذهبت جهوده الكبيرة العاملة على نشر الاسلام في اليمن والجزيرة العربية ادراج الرياح، بعد أن عمل عمرو بن لحي وسعه من اجل أن يغيّر الحنيفية البيضاء، حيث دعا عمرو هذا إلى الوثنية، ونصب الاصنام(١) في مكة، واستورد هبل من بلاد الشام. على أن هذه الانتكاسة لا تمثل البداية قطاً، فلابد من بداية على هذه الطريق، حتى وصلت الامور إلى ظهور الوثنية التي تشكل انتكاسة رهيبة في الفكر الانساني، وعودة إلى الوراء في المسيرة العقلية التي يفترض فيه أن تشق طريقها إلى الله عزّوجل، وتقترب إليه باستمرار.
غير أن الحنيفية البيضاء رغم عواصف الوثنية السوداء ظلت راسخة في صدور ورثة الحق من اولاد اسماعيل وابيه الخليل عليهما السلام، يتمسكون بلبابها، ويشعون على من حولهم من نورها كلما سنحت لهم الفرص، وتوفرت لهم الظروف.
وكان في طليعة حلقات هذه السلسة النقية المباركة المترابطة قصي، وهاشم، وعبدالمطلب وأبو طالب عليهم السلام.
فلو سرح المرء طرفه في حوادث التاريخ منذ وفاة اسماعيل ـ عليه السلام ـودفنه في الحجر، وما ازدحمت به مكة من مخاضات وصراعات، لالتقى مع ارقام حية مثيرة كلها تحكي قصة هذا الوادي المقدس، ومن حمل هدى الحنيفية فيه من أجداد النبي الخاتم وآبائه عليهم السلام، الامر الذي صدع به رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ امام اصحابه، وهو بصدد تبيان هذه الحقيقة التاريخية الناصعة بين ايدي الاجيال التي تنتمي لهذه الرسالة ، وتتمسك بخط ابراهيم النبي عليه السلام، وتندمج في طريقته.

(١) تاريخ ابن خلدون ٢: ٦٨٨.