من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته. ( نهج البلاغة ٣: ٨٥ )      إحذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود. ( نهج البلاغة ٤: ٥٤)       لا خير في علم لا ينفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)      في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال. ( نهج البلاغة ٤: ٤٩)      بادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم، وإن نسيتموه ذكركم. ( نهج البلاغة ٤: ٤٦)      
البحوث > المتفرقة > المدد الغيبي في حياة الإنسان الصفحة

المدد الغيبي في حياة الإنسان
الشيخ مرتضى المطهري

تمهيد
موضوع البحث: الإمدادات الغيبيّة في حياة البشر.
وقد أحسستُ بأن هذا العنوان، سوف يثير في الأذهان الكثير من التصورات، فإنهم سيتخيلون بأنّني سأطرح مجموعة من الخرافات؛ وهو إنما يدل على سذاجة مثل هذه الذهنيات، التي تتصور بأنّني سأبحث هنا حول تسخير الجنّ، والطلسمات وغيرها.
ويقيناً انّ البعض حين يطرق سمعه هذا العنوان: (الإمدادات الغيبيّة)؛ سيقول: ما معنى البحث حول المدد الغيبي في هذا العصر، عصر العلم والتجربة الذي اخضع كلّ شيء فيه للمشاهدة والحسّ واللمس، لا مجال للبحث في عصر النور حول الغيب وما وراء الستار وكل ما وراء الطبيعة.
ولكن الأمر على العكس من ذاك؛ فإن هذه الاعتراضات والتصورات، والإدّعاءات، بأنه لا معنى للبحث حول مسائل الغيب، والإمدادات الغيبية، في عصر النور والعلم، وإنّ هذا البحث لا يتلاءم مع العلم والروح العلمية؛ إن هذه الإعتراضات ناشئة من الجهل؛ بل، ممّا هو أقبح من الجهل.
أجل إنه الجمود، كما هو الأمر في المجال المالي، فهناك ماهو أكثر تعاسة من الفقر؛ وهو الغرور، وثقة الإنسان المفرطة بممتلكاته؛ أي: اعتقاده بأنه لا يحتاج مع هذه الثروة لكل شيء حتى العمل والفكر، وهذه الحالة أتعس من الفقر، فإن مستقبلها أكثر خطورة من مستقبل الفقر.
الجهل قبيح، لأنه عدم العلم وفقدانه؛ ولكن هناك الكثير من الجهلاء، والفاقدين للعلم والمعرفة الذين يندفعون لتحصيل العلم بكل شوق؛ وهناك الكثير من العلماء، الذين يصيبهم الغرور والخُيلاء بعلمهم، وهذا الغرور يؤدي إلى وجود عالم ملي بالجهل والظلام، فإن علم البشر ضئيل جدّاً، بالنسبة للحقائق التي يحفل بها هذا الكون.
قال تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا)(١).
إن العالم الحقيقي، هو الذي يعترف بجهله، وعدم معرفته للكثير، إنه لا ينكر وجود شيء بدون دليل؛ إذا كان العالم جامداً مغروراً، فهو ليس بعالم.
إن العالم الذي يتقبل الشيء، أو يرفضه بدون دليل؛ مثل هذا العالم لا يمتلك الروح العلمية؛ إنه مجرد مستودع، فحسب لمجموعة من المعارف، وآلة تسجيل، قد سجّلت كل ما تعلمته وعرفته؛ ولكن لا يوجد في روحه، ذلك النور، والمقياس السليم للقبول والإنكار، إذن فليست روحه علمية.
إذا رأيتم قد حاز على العديد من الشهادات العلمية في مختلف العلوم، ولكنه يتقبل الآراء أو يرفضها بدون دليل؛ فاعلموا بأنه ليس عالماً حقيقياً، فإن العلم في ذاته لا يلازم الجمود والغرور، إن العالم يخضع ويستسلم للحقائق، ويتأنّى بشدة في القبول والإنكار.

(١) الإسراء: ٨٥.