ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٩٥)      الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)      أشد الذنوب ما استهان به صاحبه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه. ( نهج البلاغة ٤: ١١)        ربّ يسير أنمى من كثيرٍ. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      
البحوث > القرآنية > الاستدلال القرآني منهجه ومميزاته الصفحة

الاستِدلال القُرآني منهجُه وممَيّزاتُه
* الدكتور سامي عفيفي إبراهيم حجازي
اعتمدت منهجية القرآن الكريم في إرشاد البشر إلى المعرفة الاستدلالية، الجمع بين ما فطرت عليه النفوس من الإيمان.. وبين ما تقرره العقول السليمة، بعيداً عن النظريات الجدلية التي لا تجمع عليها العقول. إن هذه المنهجية باعتمادها على التكامل الشامل، كانت لخير البشرية.
فما من قضية تناولها القرآن الكريم، إلا وقرنها بدليل صدقها وبرهان يقينها القطعي في دلالته.. وهكذا انتهج القرآن الكريم بالدين منهجاً شاملاً وكاملاً.. وتآخى العقل والدين في ثوب الفطرة في هذا الكتاب المقدس الذي رفع من قيمة العقل.
أما الاستدلال القرآني فاتخذ في تقرير العقائد منهجاً واحداً ذا شقين:
ـ الأول: هدم العقائد المتوارثة التي لا غذاء فيها للقلب والروح.
ـ والثاني: بناء العقيدة الصحيحة التي تملأ جوانب النفس البشرية بالإيمان الصحيح.
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً. وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، سيدنا محمد رسول الله، المبين لكتاب الله بما آتاه الله من الوحي الرشيد، والمنطق السديد، فهدى البشرية بمنهج الحق لقيادة رائدة وجلا معالم الوحي هداية راشدة، وحول معاني القرآني إلى سلوك كريم وعمل جليل. وعلى آله وأصحابه الذين اقتدوا به فأحسنوا القدوة، وتمثلوا براهين القرآن فجعلوه أسوة، ورفعوا نور الحق في المشارق والمغارب، حتى عم سناه، وأنتشر ضياؤه، وجلت عن مشارفه غياهب الجهالة، وانتشرت في ربوعه معاهد العلم والعرفان القائمة على نور التوحيد.
وبعد: فإن المنهجية في عصرنا الحديث قد احتلت مكاناً بارزاً في كل جانب من جوانب البحث والدرس، ليس هذا فحسب بل وفي سائر أنواع الأنشطة البشرية فكراً وعملاً، وكثر { ٢ {
الحديث عن أهميتها كأنها شيء من مبتدعات العصر، واكتشافات رواد الفكر، لم يقل به صاحب درس سبق، ولم يأت به تشريع تقدم، ولكنها كامنة في القرآن الكريم منذ كان.
إن المنهج هو الأسلوب الذي تمارس به الأعمال، وهو الطريق الذي يضمن الوصول إلى الغاية بسلام، وذلك لأنه يحمل في طياته معنى النظام. وللنظام أهميته الكبرى في الوجود كله، فهو الصورة التي أقام الله عليها الكون كله.
قال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)(١) وقال : ( وكل شيء عنده بمقدار)(٢) ومن البراهين التي تشير إلى هذا التقدير المحكم ما جاء في قول الله تعالى: ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)(٣) كما يقول الحق سبحانه وتعالى في هذا المقام: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)(٤) وفي ضوء هذا البيان دعا القرآن الكريم، كتاب الله المقروء، إلى النظر في آيات الله في السموات والأرض، وجعل من الكون محراباً للفكر وكتاباً للمعرفة، ودليلاً على وحدة التدبير والنظام في الكون، ووحدة الإله المعبود، ووحدة المنشأ والمصير.
هذه الوحدة الشاملة هي أساس الاستدلال في القرآن الكريم، وهي التي تحدد معنى الوحدانية تحديداً كاملاً، وتحدد الصلة بين الإنسان وخالقه، والكون وما فيه، والإيمان بهذه الوحدة على هذا الأساس هو السبيل إلى إنطلاق قوى النفس الكامنة والسمو بدوافعها والارتفاع بها عن شهواتها وتغلبها على عوامل ضعفها... كل هذا مسطور في القرآن الكريم كتاب الله الخالد، ومعجزاته الشاملة، وهو كلماته المتلوة المعبرة عن كلماته المجلوة في آياته الكونية، فلو كان القرآن عالماً محسوساً لكان هذا الكون العجيب، قال تعالى (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قُطِّعت به الأرض أو كلم به الموتى)(٥) أي لكان هذا

(١) سورة القمر، الآية ٤٩.
(٢) سورة الرعد، الآية ٨.
(٣) سورة الأنبياء، الآية ٣٣.
(٤) سورة يس، الآيات من ٣٧ـ٤٠.
(٥) سورة الرعد، الآية ٣١.