ثمرة التفريط الندامة. ( نهج البلاغة ٤: ٤٣)      رب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة. ( نهج البلاغة ٤: ٩١)      العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى. ( نهج البلاغة ٤: ٨٠ )      عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )     
البحوث > القرآنية > الاتجاهات الحديثة في التفسير الصفحة

الإتجاهات الحديثة في التفسير
* عبد الجبار الرفاعي

تمهيد تاريخي
احتل القرآن الكريم مكانة متميزة في ترشيد مسار التفكير الإسلامي، وبناء مقومات الحضارة الإسلامية، وتوجيه التجربة التاريخية للأمة، بدرجة لا يرقى إليها أي كتاب سماوي أو أرضي آخر في حياة البشرية. فالكتب السماوية الماضية كانت عرضة للضياع والتحريف، وتراكم الشروح والتأويلات المضطربة المتناقضة، ولذلك عجزت عن اداء وظيفتها في هداية البشرية واخراجها من الظلمات الى النور، فلبثت مجتمعاتها في حالة سكون تكرر ذاتها قروناً عديدة، ولم تحقق تلك المجتمعات أية خطوة الى الأمام الا بعد ان تحررت من سلطة النصوص المحرفة ومفهوماتها التعطيلية.
بينما تجلى أثر النص القرآني بوضوح في إعادة تشكيل العقل، وارساء أُسس منهجية قويمة للتفكير الصحيح، فبعد نزول القرآن استفاق وعي العقل وأبصر العالم بمنظور بديل، تبدى فيه الإنسان والكون في صورة مغايرة للصورة الملتبسة التي ظل العقل أسيراً لها احقاباً متمادية، واصبح هذا الوعي اطار المنهج مختلف في معرفة العالم وصياغة الرؤى والمواقف المحددة أزاء مشكلاته وقضاياه. وعلى ضوء هذا الوعي انجز الإنسان المسلم عناصر ومقومات حضارة عظمى، قدمت للبشرية عطاءً هائلاً في شتى الميادين، واعادت للعقل المهمة التي اناطها الله تعالى به.
فالانجاز الحضاري للبشرية المتمثل بهذه الثروة المتراكمة من العلوم والمعارف والفنون، انما هو ثمرة لمعطيات سيادة التفكير العقلي، الذي هو أدق تعبير للمنهج الذي بشّر به القرآن، هذا المنهج الذي تأسس على نفي الجهل والضلال وكل ما من شأنه تزييف الوعي وإبعاد الإنسان عن الرشد والصواب.
وكانت حالات الازدهار والانحطاط في مسار الحضارة الإسلامية أجلى تعبير لمستوى تجسيد المنهج القرآني في التفكير، فحين تلقى الجيل الأول القرآن بصدق، وتوثـقت وشائج ارتباطهم به، استطاع اولئك النفر القليل، الذين كانوا مشتتين في الجزيرة العربية، من احراز مكاسب وانتصارات، لا يمكن ان تحققها أية أمة أخرى بنفس القدر من الامكانات المادية والعسكرية، فاكتسحوا الامبراطوريات الكبرى في العالم وقتئذ، وامسى العالم من تخوم اوروبا الى الصين في قبضتهم في سنوات معدودة. فيما فقدَ المسلمون بعد قرون مساحات شاسعة من ديارهم، واستحالوا الى ركام مبعثر، عُرف باسم «الرجل المريض»، لما هجروا منهج القرآن في تفكيرهم، وابتعدوا عنه في سلوكهم. وتلك سنّة جارية، فانه متى ما نهلت الأمة من معين القرآن وجسدته في افكارها وحياتها، فانها تستلهم روح الهداية، وتختزن فعالية حضارية متدفقة، بينما تتلاشى امكانات نهوضها، ويتبلد وعيها وتنضب فعاليتها، عندما تهجر القرآن.