آلة الرياسة سعة الصدر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٢)      أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)      من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٩)     بالإفضال تعظم الأقدار. ( نهج البلاغة ٤: ٥٠)      
البحوث > القرآنية > رؤية قرآنية لمنهاجية التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي الصفحة

رؤية قرآنية لمنهاجية التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي
د. منى ابو الفضل
(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)(١). فالمنهاج هو الطريق الموصل للغاية ووضوحها، وتمامها وكمالها، يكون المنهاج المؤدي إليها كذلك.. وويل لكل أمة تضيع منها الشرعة وتغيب عنها الغاية، وتضل الطريق، وكذلك الويل كل الويل لأمة انقطع فيها المنهاج عن مورده، فجفّت ينابيعه، وأخذت تتسول الدروب وهي تصطنع المورد عند كل باب، وتُرد في نهاية الأمر عند كل باب تطرقه، مدحورة مخذولة.
وما كان لخير أمة أخرجت على أكمل شرعة وأتم منهاج، وقد تخلت عنهما، أو قل، وقد تاهت عنهما في تشابك دروب الحياة وتكاثف الحجب وتعاقب ظلمات الخطب.وقد أخذت تبحث عن استعادة العِزّة، وسعت تلهث وراء أسبابها في غير ما أنزل الله، ماكان لهذه الأمة إلا أن ينتهي بها المطاف إلى أن تقف ملومة مذمومة... حتى إذا ما استفاقت من فتنتها، وأنابت إلى الله وأدركت أن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، أخذت تجد في تغيير ما بنفسها، عساها أن تدرك شيئاً مما فاتها، فترتقي إلى مبلغ أمانتها، لتعود هي بالمورد لتتصدر قافلة الحضارة، ولكن هيهات الرجعى دون الاعتصام بالشرعة والتذرع بالمنهاج.
والمنهاج في شرعة العصر، هو الأخذ بالأسباب الوضعية المادية التي يتوصل إليها العلم، المبني على الظن، والعقل المركب على الهوى، من أجل إصلاح الأمر: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)(٢)، ومن نافلة القول ألا يدرك هذا الاصلاح وتذهب أعمالهم هباء منثوراً ـ فلا مخرج إلا في خروج من أسر هذا المنهج وكسر أغلاله للدخول إلى منهج يستمد من الحق، ويؤسس على العلم الذي علمه العليم، فيكون مورد اليقين، وعندها تستقيم المساعي والجهود التي تبذل لإصلاح ما أفسده الدهر والدهر منه براء، وإنما هذه حجة الطاغوت.
فكأننا إزاء نسقين ليس من خيار بعدهما.. نسق حضاري يقوم على محصلة العلم الظني والهوى، ويتبعه بمناهجه الوضعية، ومعطياته في النظم والمذاهب التي تحكم السلوكيات والجماعات فيما يدعم من مزيد من صنفه، ونسق حضاري مقابل له قوامه العلم الحق والهدي، وتتبعه مناهجه التي تسترشد بمنابع الحق والهدى، وتتقدمه نظم الاجتماع والتآلف والتعارف التي تقوم على شرعته.
أما النسق الأول فهو القائم ـ بل السائد ـ وهو الذي يوصف بالعصرية وينسب إليها، ومرة أخرى والعصر منه بريء، وإنما هو حكم في عرف من علا.

(١) المائدة: ٤٨.
(٢) البقرة: ١١.