خير القول ما نفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)      من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ ـ ٨٢ )        لا خير في علم لا ينفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)      كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً. ( نهج البلاغة ٤: ١٠)      في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم. ( نهج البلاغة ٤: ٦٦)      
البحوث > الفقهية > شروط حج المرأة في بحث فقهي مقارن الصفحة

شروط حجّ المرأة في بحث فقهي مقارن
حسن محمّد
لوجوب فريضة الحجّ على كلّ من الرجل والمرأة شروط أربعة ذكرها الفقهاء وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة. وهذه الشروط عليها إجماع علماء الإسلام من كلا الفريقين، وقامت عليها أدلّتهم المفصّلة. فمن الكتاب الكريم: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً((١). ومن السنّة ذكر كلا الفريقين روايات من طرقه الخاصّة على ذلك. كما اتّفقت كلمتهم على أنّه لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ الواجب، كما لا يجوز له منعها عنه لولا أنْ علّق بعض العامّة ـ كما سنرى ـ وجوب الحجّ على إذن الزوج. هذا كلّه كان محلّ اتّفاق بينهم، إلاّ أنّ الخلاف وقع بينهم في شرطين آخرين لوجوب الحجّ يختصّان بالمرأة، وهذان الشرطان هما:
الشرط الأوّل: أن يكون معها زوجها أو مَحْرم لها أو نسوة ثقات.
الشرط الثاني: ألاّ تكون معتدّة عن طلاق أو وفاة.
وقد ترتّبت على ذلك الخلاف بين فقهاء المسلمين أقوال متعدّدة تبعاً لأدلّتها، نوجزها في هذه المقالة:
الشرط الأوّل
أقوال فقهاء الفرق الإسلاميّة
١ ـ الإماميّة
إنّ ما ذهب إليه فقهاء الإماميّة هو أنّه ليس هناك فرق في وجوب الحجّ بين الذكر والأُنثى والخنثى بعد حصول سببه وهو الاستطاعة.
فلا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا ما توفّرت لها الاستطاعة، كما لا يشترط لوجوب الحجّ عليها وجود الزوج أو المحرم لها ويكفي أمن السلامة، وعدم الخوف عليها إذا حجّت وحدها بدون زوج أو محرم(٢).
١ ـ إذن الزوج
لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا ما توفّرت لها الاستطاعة، ولا يجوز له منعها منه، كما أنّ منعه ليس معيقاً لسفرها، هذا في الحجّ الواجب، وكذا في الحجّ النذري ونحوه إذا كان مضيّقاً، وفي المندوب يشترط إذنه، وفي الحجّ الموسّع قبل تضييقه على الأقوى، وكذا في حجّة الإسلام له منعها من الخروج مع أوّل الرفقة مع وجود أُخرى قبل تضييق الوقت(٣). وهذا ما عليه فقهاء الإماميّة، وإن كان هناك تأمّلٌ في الحجّ النذري.
الروايات:
عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن امرأة لم تحجّ ولها زوج، وأبى أن يأذن لها في الحجّ، فغاب زوجها، فهل لها أن تحجّ؟ قال: ((لا طاعة له عليها في حجّة الإسلام))(٤).
عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: امرأة لها زوج فأبى أن يأذن لها في الحجّ، ولم تحجّ حجّة الإسلام، فغاب عنها زوجها وقد نهاها أن تحجّ؟ فقال: ((لا طاعة له عليها في حجّة الإسلام ولا كرامة، لتحجّ إن شاءت))(٥).
عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن امرأة لها زوج وهي صرورة، ولا يأذن لها في الحجّ؟ قال: ((تحجّ وإن لم يأذن لها))(٦).
وعن الصادق عليه السلام، قال: ((تحجّ وإن رغم أنفه))(٧).
وفي رواية أخرى: قال عليه السلام: ((ليس للزوج منعها من حجّة الإسلام، وإن خالفته وخرجت لم يكن عليها حرج))(٨).
وقال عليه السلام: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
وأيضاً: ((لا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه، ولا تتقرّبوا إلى الناس بتباعد من الله)).
وعن علي عليه السلام، قال: ((لا دين لمن دان بطاعة مخلوق في معصية الخالق))(٩).
وفي هذا الأمر قال بعض الفقهاء: إنّ ترك الواجب معصية ولا ريب في ذلك، فكيف يكون للزوج الحقّ في أن يبطل ما صار واجباً بحقّ غيره وهو لا يستطيع إبطاله بحقّ نفسه؟ ثمّ إنّ المولى ـ سبحانه وتعالى ـ يعطي سلطنة للآخرين في ما لا يتعارض وسلطنته، والواجبات المفروضة جزء من سلطنته، فكيف يمنع ما يعارضها ويناقضها إلاّ في حالة التخلّي عنها وهذا لا دليل عليه؟!
هذا فيما إذا وجبت عليها حجّة الإسلام، وأمّا فيما إذا تعلّقت ذمّتها بحجّ وجب بالنذر ونحوه، فأيضاً ليس له الحقّ في منعها منه إذا كان مضيّقاً؛ لمراعاة حقّ الله الذي ترتّب عليها بالنذر ولقوله عليه السلام: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
فهذا الحديث بل هذه الأحاديث حاكمة على أدلّة وجوب طاعة الزوج ـ وإن كان هناك تأمّلٌ في الحجّ الواجب بالنذر وتفصيلٌ ممّا دعا إلى التوقّف نعرض عنهُ خوف الإطالة(١٠) ـ والنظر إلى هذه الأحاديث يدلّنا على أنّ موضوع حجّ المرأة التي استقرّ عليها بعد استطاعتها أمر ليس للزوج منعها عنه.
أمّا في حالة عدم استطاعتها فإنّ الحجّ غير واجب عليها أي هو مندوبٌ، وبالتالي لابدَّ لها من الحصول على إذن الزوج، وله أن يمنعها من هذا الحجّ وليس في هذا معصية للخالق؛ لأنّ المعصية تتحقّق إذا ما كان هناك وجوبٌ قد وقع، ومنعٌ من الزوج قد حصل، كما أنّ للزوج أن يمنعها إذا ما كان الواجب موسّعاً لا مضيّقاً انطلاقاً من ((ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه))، وقد خرج من هذا مورد التضييق فقط، أي إذا كان واجب الحجّ عليها مضيّقاً، فلها أن تخرج من بيتها وليس له منعها، ففي حالة السعة والحجّ المندوب ليس في منعه لها معصية، ولا يترتّب عليه أي أثر من ذلك، فحقّ الزوج واجب ولا يفوت بما ليس بواجب.
عن إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن المرأة الموسرة قد حجّت حجّة الإسلام، تقول لزوجها: أحجّني من مالي، أله أن يمنعها من ذلك؟ قال: ((نعم، ويقول لها: حقّي عليك أعظم من حقّك عليّ في هذا))(١١).
٢ ـ الزوج، المحرم، الثقات
ولأهميّة التعرّف على المَحْرَمِ لغةً وشرعاً نقول:
حَرُم الشيء يُحرم حرمةً: امتنع. ويقال: حُرم عليه كذا: أي امتنع عليه فعله. وحَرَّم الشيءَ عليه أو على غيره تحريماً جعله حراماً. الحرام: الممنوع من فعله.
وفي مفردات الراغب: (حرم: الحرامُ: الممنوع منه إمّا بتسخير إلهي وإمّا بمنع قهري، وإمّا بمنع من جهة العقل، أو من جهة الشرع، أو من جهة من يَرتسِمُ أمرَه ...
المَحْرَم: ذو الحرمة، جمعها محارم. والمحرم من النساء والرجال: هو الذي يُحرم التزوّج به لرحمه وقرابته. والمحرَم: الحَرامُ. ويقال: هو ذو مَحرَمٍ منها إذا لم يحلّ له نكاحُها...
ومن ذلك: الرَّحِمُ المَحرَمُ: هو القريب الذي حَرُمَ نكاحه أبداً.
وحريم الرجل: ما يدافع عنه ويحميه، ومنه سمّيت نساء الرجل بالحريم أو أهله.
ومن ذلك سمّيت المرأة بالحُرمة. والحُرمةُ: حُرمة الرجل، وأصله وجمعها حُرَمٌ)(١٢).
والمحرّم ما حرّمَ الله تعالى، ومن ضمن ما حرّم الله ـ تعالى ـ النساء اللاتي حرم على الرجال نكاحهنّ أو تحريم العقد عليهن لأنّه حقيقة فيه، أي: يمتنع نكاحهنّ؛ ولهذا بيّنت الآية ٢٣ من سورة النساء ما حرّم على الرجال من النساء أي ما امتنع:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُم وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الْلاَتِي أرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الْلاَتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الْلاَتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلاَبِكُمْ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ...((١٣).
فالآية ـ بعد تقدير المضاف أي نكاح أمّهاتكم لاستحالة تحريم الذوات ـ بيّنت المحرّمات من النساء، نسباً أو سبباَ ـ رضاعة ومصاهرة ـ على تفصيل ذكر في هذه المسألة في كتب التفسير والفقه، إضافة إلى زوجة الأب على تفسير (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...((١٤)، فهي من المحارم، فيجوز للمرأة السفر مع محرمها بالنسب والسبب.
هذا، وإنّ ضابط المحرم عند الفقهاء هو: مَن حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها بنسب أو سبب، وبالتالي يجوز لها أن تسافر مع كلّ واحد من هؤلاء باعتباره المحرم.
وقد عثرتُ على رأي للحنابلة يجعلون فيه الزوج من المحارم، قال الحنابلة: المحرم الذي يشترط للسفر مع المرأة للحجّ يشمل زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب كأبيها، أو الرضاع كأخيها من الرضاعة، أو المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها. ودخل الزوج في مفهوم المحرم هنا مع كونه يحلّ لها وتحلّ له؛ لحصول المقصود بسفره معها وهو حفظها وصيانتها.
فقد جعلوا الزوج من المحارم لأنّه يؤدّي الغرض نفسه الذي يؤدّيه المحرم في سفرها من أمن وسلامة ورعاية، وقد استدلّوا على مدّعاهم هذا بالحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عبّاس أنّه سمع النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: ((ولا يخلُونَّ رجل بامرأةٍ إلاّ معها ذو محرم، ولا تسافر المرأةُ إلاّ مع ذي محرم))، فقام رجل وقال: يا رسول الله، إنّ امرأتي خرجت حاجّةً وإنّني أكتتب في غزوة كذا وكذا. قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((فانطلق واحجج مع امرأتك)).
وجه الدلالة بهذا الحديث: أنّ الزوج داخل في مفهوم المحرم هنا أو قائم مقامه.
أقول: لا أرى ضرورة لهذا الدمج بين المَحْرَم والزوج، خاصّة بعد أن فرّقت روايات أُخرى بينهما كالحديث التالي: ((لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلاّ ومعها ذو محرم منها أو زوجها)). وكالحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيّام فصاعداً إلاّ معها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها)). فالمقصود بهذا أنّ الذي يجوز للمرأة مرافقته في سفرها، والذي هو شرط لوجوب الحجّ عليها، هو الزوج ومن هو مَحرم عليها على التأبيد. وأمّا بالنسبة للحديث الأوّل، فبما أنّها سافرت وليس معها محرم أمره الرسول بالذهاب مع زوجته، وليس معنى هذا أنّه محرم، كما ليس هناك من دليل على أنّنا إذا أطلقنا كلمة (مَحْرَم) فإنّ هذا الإطلاق يشمل الزوج ومن يحرم عليها على التأبيد.
وقد ذكر الزوج في أحاديث أخرى صراحة بجانب المحرم ممّا يدلّ على التفريق بينهما.
ثمّ إنّنا إذا عدنا إلى العرف واستعمالاته فإنّه يميّز بين اللفظتين، ويقول هذا زوج لها وهذا محرم.
هذا إضافة إلى الجانب اللغوي لكلمة (محرم) الذي يعني في ما يعنيه من معاني (امتنع) أي امتنع عليه نكاحها وليس هذا حال الزوج... وقد عرّفت الحنفيّة الـمَحرم بأنّه: هو الذي لا يحلّ له زواجها بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع.
كما أنّنا ذكرنا أنّ المحرم: من حرم عليه نكاحها على وجه التأبيد، أي حرمة أبديّة، فلا يشمل المُلاعن بالنسبة لزوجته التي لاعنها، فإنّ تحريمها عليه بعد اللعان والتفريق بينهما فرقة مؤبّدة إنّما هو تحريم على وجه العقوبة والتغليظ وليس لحرمتها ، فلا يكون المُلاعن محرماً لها(١٥).
أمّا شروط الـمَحرم فهي أن يكون: مسلماً، بالغاً، عاقلاً، قادراً. أمّا وظيفته فهي: حفظ المرأة بتوفير الأمن والسلامة لها، وهذا لا يحصل إذا كان المحرم صبيّاً أو مجنونا أو مريضا أو عاجزاً عن تلك المهمّة المناطة به.
أقوال فقهاء الفرق الإسلاميّة
١ ـ الإماميّة
لا تتوقّف استطاعة المرأة لأداء فريضة الحجّ ووجوب هذه الفريضة على وجود المحرم. هذا ما نراه في الروايات ثمّ في أقوال فقهاء الإماميّة.
الروايات
عن صفوان الجمّال قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قد عرفتني بعملي، تأتيني المرأة أعرفها بإسلامها وحبّها إيّاكم وولايتها لكم ليس لها محرم؟ قال: ((إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فإنّ المؤمن محرم المؤمنة ـ ثمّ تلا هذه الآية ـ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ()).
عن سليمانِ بن خالد، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في المرأة تريد الحجّ ليس معها محرم، هل يصلح لها الحجّ؟ فقال: ((نعم، إذا كانت مأمونة)).
وفي رواية: عن المرأة تحجّ إلى مكّة بغير وليّ؟ فقال: ((لا بأس، تخرج مع قوم ثقات)).
وفي رواية أخرى: ((... إن كانت مأمونة تحجّ مع أخيها المسلم)).
وفي رواية: ((... إذا كانت مأمونة ولم تقدر على محرم فلا بأس بذلك)).
((... لا بأس أن تحجّ المرأة الصرورة مع قوم صالحين إذا لم يكن لها محرم ولا زوج))(١٦).
أقوال الفقهاء:
نذكر الآن شيئاً ممّا قاله بعض فقهاء الإماميّة:
يقول السيّد الإمام: (لا يشترط وجود المحرم في حجّ المرأة إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها، كانت ذات بعل أو لا)(١٧).
(وليس المحرم شرطاً في وجوب الحجّ عليها مع الاستغناء عنه عند علمائنا)(١٨). وعن (الجواهر): (فلا يشترط حينئذ في وجوب الحجّ وجود المحرم في النساء مع عدم الحاجة إليه، بل يكفي غلبة ظنّها بالسلامة على نفسها وبضعها للرفقة مع ثقات، وكونها مأمونة أو غير ذلك، بلا خلاف أجده فيه بيننا؛ لصدق الاستطاعة بعد جواز خروجها مع عدم الخوف، نصّاً وفتوى بدونه)(١٩).
ويمكن استفادة ذلك كلّه من لسان الروايات حيث إنّ ما يظهر منها ومن أقوال الفقهاء أنّ الغرض من استصحاب الزوج أو المحرم أو من تثق بدينه هو السلامة والأمن، فإذا ما توفّر لها هذان العنصران فلا حاجة ولا ضرورة لرفقة الزوج أو المحرم؛ لأنّ رفقتهما إنّما تُطلب لتوفير السلامة لها، وها هي قد توفّرت لها.
لاحظ التعليل الوارد في أقوال الفقهاء: لا يشترط وجود المحرم في حجّ المرأة إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها، وقد ورد هذا التعليل في لسان جملة من الروايات والأخبار:
ففي صحيح ابن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام: المرأة تريد الحجّ وليس معها محرم، هل يصلح لها الحجّ؟ فقال عليه السلام: ((نعم، إذا كانت مأمونة)). أو امرأة تحجّ بغير وليّ، فقال: ((لا بأس، تخرج مع قوم ثقات)).
ولا فرق بين كونها ذات بعل أم لا؛ وذلك لوجود شرط الوجوب وهو الاستطاعة، ولدلالة الأخبار الكثيرة عليه(٢٠)، وفي صحيح ابن عمّار عنه عليه السلام: عن المرأة تحجّ بغير وليّ؟ قال عليه السلام: ((لا بأس، وإن كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فأبوا أن يحجّوا بها وليس لهم سعة فلا ينبغي لها أن تقعد، ولا ينبغي لهم أن يمنعوها)). وظهوره في عدم الفرق بين من لها زوج ومن لا زوج لها ممّا لا ينكر.
هذا في حالة كونها آمنة فعليها أن تخرج للحجّ وليس لهم منعها.
وأمّا في حالة كونها غير آمنة فيجب عليها حينئذٍ استصحاب المحرم لو قَبل الرفقةَ ولو بالأجرة مع تمكّنها منها، ومع عدم قدرتها لا تكون مستطيعة؛ لكون ذلك من مؤن الحجّ، فمع التمكّن منها يجب، ومع العدم لا وجه للوجوب.
يقول السيّد الإمام: (ومع عدم الأمن يجب عليها استصحاب مَحرم أو مَن تثق به ولو بالأجرة، ومع العدم لا تكون مستطيعة، ولو وجد ولم تتمكّن من اُجرته لم تكن مستطيعة)(٢١).
ويقول صاحب (الجواهر): (نعم، لو توقّف حجّها عليه للخوف بدونه اعتبر حينئذ وإن لم يجب عليه الإجابة، ولو اقترح أُجرة أو نحوها وجب عليها مع استطاعتها لذلك وإن كان أزيد من أجرة المثل، وإلاّ لم يجب الحجّ عليها؛ ضرورة كونه كغيره حينئذ من المقدّمات التي فرض توقّف الحجّ عليها).
بعد هذا يمكن القول: إنّه لا وجه لاختصاص الحكم بالزوج أو بالمحرم بعد أن عرفنا أنّ الواجب على المرأة المستطيعة استصحاب من تثق به لسلامتها وأمنها، ولو لم يكن زوجاً أو محرماً: ((تخرج مع قوم ثقات))، بل يجب عليها الحجّ إذا كانت مأمونة، ((تحجّ بغير محرم إذا كانت مأمونة)).
وعن صفوان الجمّال، قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: قد عرفتني بعملي، تأتيني المرأة أعرفها بإسلامها وحبّها إيّاكم وولايتها لكم، ليس لها محرم؟ قال: ((إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فإنّ المؤمن محرم المؤمنة ـ ثمّ تلا هذه الآية ـ: (والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ())(٢٢).
وهذا ما استفاده الشيخ في (النهاية): (وينبغي أن لا تخرج إلاّ مع ذي محرم لها من أب أو أخ أو عمّ أو خالٍ، فإن لم يكن لها أحد ممّن ذكرناه جاز لها أن تخرج مع مَن تثق بدينه من المؤمنين.
فإذا كانت مأمونةً يجب عليها إذن أن تؤدّي فريضة الحجّ ومناسكها التي علّقت على الأمان، أمّا إذا لم تكن كذلك فيجب على المرأة أن تبذل وسعها لاستصحاب من تستطيع معه أن تكون سالمة آمنة مطمئنة غير خائفة ولو بأن تستأجر محرماً، وإنّما يجب ذلك عليها من جهة كون الامتثال ـ أي امتثال الفريضة ـ متوقّفاً عليه؛ لخطورة وأهميّة حفظ العرض والفرج والنفس، ويكون ذلك من قبيل مقدّمة الواجب التي يجب عليها تحصيلها، اللّهمّ إلاّ أن يترتّب على سعيها ذلك ذلّة لها أو يشقّ عليها، فعند ذلك يسقط وجوب الحجّ عليها؛ لقاعدة نفي العسر والحرج، وقد لا يجب عليها الحجّ من أوّل الأمر، ولا يلزم عليها تحمّل السفر المستلزم للخطر، بل ربّما يكون السفر أو الخروج من الدار محرّماً، فالاستطاعة حينئذ غير حاصلة)(٢٣).
أمّا إذا كان وجوب الحجّ أو الاستطاعة معلّقاً على وجود المحرم، ولأنّ تحصيل الاستطاعة ليس واجباً عليها، فبالتالي لا يجب عليها بذل جهدها لتحصيل المحرم. نعم، قد ينتقل عملها إلى الاستنابة.
الاستنابة
في البداية لابدّ من ملاحظة ما يلي:
أوّلاً: إطلاق أدلّة التكليف توجب على المكلّف الحيّ أداء ما كلّف به بنفسه وبمباشرته له.(وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...(.
ثانياً: أنّ فعل الشخص الآخر خارج عن قدرة ذلك المكلّف؛ لهذا فالاستنابة وهي فعل الغير تحتاج إلى دليل آخر.
ثالثاً: ولو وجد الدليل واستناب المكلّف، فسقوط التكليف بفعل النائب هذا يحتاج أيضاً إلى دليل آخر.
فالاستنابة إذن خلاف الأصل، إلاّ أنّ النيابة عن الحيّ في الحجّ ـ شريطة استطاعته أوّلاً، وشريطة وجود العسر والحرج والضرر ثانياً، وثالثاً عدم علم المكلّف بارتفاع ذلك العسر والحرج والضرر، أو عدم علمه بحصول الأمن والسلامة في السنوات اللاحقة. خرّجت النيابة عن الحيّ في الحجّ عن الأصل؛ للروايات الخاصّة، وبالتالي فلا إشكال فيها. هذا ملخّص ما ذكره بعض الفقهاء عند تعرّضهم لمسألة الاستنابة.
فالمرأة التي وجب عليها الحجّ ولم يتوفّر لها الأمان والسلامة وحفظ الفرج والعرض فيجب ـ على قول ـ عليها الاستنابة في هذه الحالة.
تقول الروايات:
محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ((كان علي ـ عليه السلام ـ يقول: لو أنّ رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض، أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج، فليجهّز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه)).
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: ((... وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له)).
وعن الإمام أبي جعفر ـ عليه السلام ـ عن أبيه أنّ علياً ـ عليه السلام ـ قال لرجل كبير لم يحجّ قط: ((إن شئت أن تجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك ...))
وفي رواية أُخرى: ((إن شئت فجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك)).
وعلى ضوء هذه الروايات ـ التي ذكرنا قسماً منها ـ اختلفت آراء الفقهاء بين وجوب الاستنابة واستحبابها، فالذي ذهب إلى الوجوب كان ذلك مستنداً إلى ظاهر الروايات التي تدلّ على الوجوب، في حين استند الفريق الثاني في ذهابه إلى الاستحباب إلى أنّ بجانب هذه الروايات روايات أُخرى تعلّق الأمر فيها على المشيئة، وبالتالي فهي لا تدلّ على الوجوب بل على عدمه، فرفعوا اليد عن الأدلّة الظاهرة في الوجوب وحملوا المسألة ـ الاستنابة ـ على الاستحباب.
وهنا يمكن أن يرد السؤال التالي: إذا كانت الاستنابة مستحبّة عليها وبالتالي لها الحقّ في عدم الاستنابة، فهل تحجّ مع الحرج وعدم السلامة أم أنّها لا تحجّ؟ علماّ بأنّ وجوب الحجّ عند الإماميّة مبني على الفور لا التراخي الذي يُعمل به عند بعض المذاهب الأُخرى، فيؤجّل الحجّ حتى يتوفّر عنصرا السلامة والأمان. وهذا ما أجاب عنه البحث الفقهي في كون عنصري الأمن والسلامة إن كانا جزءاً من الوجوب والاستطاعة فلا يجب عليها السعي لتحصيل الاستطاعة؛ لأنّ تحصيلها ليس بواجب، وبالتالي تكون غير مستطيعة فلا حجّ عليها.
وإن كان الأمن والسلامة من المقدّمات للواجب فعليها تحصيلهما أو تحصيل ما يؤدّي إليهما إلاّ إذا ترتّب عليها في ذلك مهانة وحرج، فيسقط وجوب الحجّ عليها لقاعدة نفي العسر والحرج.
أمّا إذا حجّت مع عدم توفّر عنصري الأمن والسلامة صحّ حجّها على تفصيلٍ، بأن جُعل وصولها الميقات هو الحدّ الفاصل للصحّة وعدم الصحّة.
وخلاصته: أنّ حالة الخوف الحاصل وعدم الأمن إن كان قبل الميقات ـ وها هي قد وصلت الميقات ـ فقد أجزأ عملها عن حجّة الإسلام، بعكس ما لو كان الخوف وعدم الأمن قد حصلا بعد الميقات، ففي صحّة حجّها إشكال، وإن ذهب صاحب (العروة الوثقى) إلى أقوائيّة الصحّة.
وتوضيح ذلك كما ذكر السيد الخوئي: (إنّ الخوف الحاصل قد يكون في خصوص الطريق قبل الوصول إلى الميقات، وقد يكون من الميقات وما بعده، فإن كان على النحو الأوّل فلا ريب في الحكم بالصحّة؛ لاقتران جميع الأعمال بالشرائط المعتبرة كالأمن وعدم الخوف، والمفروض زوال الخوف بالوصول إلى الميقات. نعم، لا يجب عليها الحجّ من أوّل الأمر، ولا يلزم عليها تحمّل السفر المستلزم للخطر، بل ربّما يكون السفر أو الخروج من الدار محرماً، فالاستطاعة حينئذ غير حاصلة.
وأمّا لو تحمّلت السفر المستلزم للخوف، وزوال الخوف عند الميقات، فقد حصلت الاستطاعة هناك ويجب عليها الحجّ وصحّ حجّها؛ لعدم خلل في أفعاله وأجزائه.
وإن كان على النحو الثاني، وكان الخوف وعدم الأمن حصلا من الميقات وما بعده، فقد استشكل البعض في صحّة حجّها، وصرّح بعضٌ آخر بعدم إجزائه، بينما ذهب ثالث إلى تفصيل انتهى به إلى أنّ العبرة في الحكم بالصحّة بالأمن الواقعي، والأمن الحاصل لها طريق إلى الواقع مستدلاًّ بصحيح معاوية بن عمّار: عن المرأة تحجّ إلى مكّة بغير وليّ؟ فقال: ((لا بأس، تخرج مع قوم ثقات)). حيث علّق وجوب الحجّ عليها بكون القوم ثقات، ومن المعلوم أنّ الوثوق طريق إلى الواقع لا أنّه مأخوذ في الحكم)(٢٤).
بعد ذلك ننتقل إلى معرفة آراء الفرق الإسلاميّة الأُخرى.
الشافعية
لهم رأيان:
الأوّل: وهو المشهور عندهم وعليه جمهورهم، وهو المستفاد ممّا عندهم من نصوص وروايات، والقائل بعدم وجوب الحجّ عليها إلاّ إذا كانت برفقة محرم لها أو زوج أو نسوة ثقات وإلاّ لم يلزمها الحجّ؛ لأنّ الشرط لوجوب هذه الفريضة عليها عند أصحاب هذا الرأي هو حصول الأمن لها والسلامة على نفسها، وهذا ما يتوفّر لها بالزوج أو المحرم أو وجود نسوة يتّصفن بالثقة والعدالة، ولو وجدت امرأة واحدة وإن كانت ثقة فلا يجب عليها الحجّ، ولكن يجوز لها الحجّ معها.
الثاني: في حين ذهب فريق منهم إلى رأي آخر يختلف عن الأوّل كثيراً في مسألة الجواز والوجوب، حيث يقول: يلزمها الحجّ بوجود نسوة ثقات أو امرأة واحدة ثقة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة، وتكون آمنة.
وقد اختلفوا أيضاً في خروجها لحجّ التطوّع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجّة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلاّ مع زوج أو محرم، يقول النووي: (وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة).
وأمّا بخصوص إذن الزوج، فقد نقل في (مغني المحتاج) أنّ الشافعية قالت: ليس للمرأة حجّ التطوع إلاّ بإذن زوجها، وكذا لحجّ الفريضة في الأصحّ في المذهب(٢٥).
وهذا بخلاف ما نقله بعضٌ من أنّهم ـ فقهاء المذاهب الإسلاميّة ـ اتّفقوا على أنّه لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ الواجب(٢٦).
المالكيّة
قالت: يشترط لوجوب الحجّ على المرأة أن تجد محرماً من محارمها يسافر معها للحجّ، أو يخرج معها زوجها إن كانت ذات زوج، ويقوم مقام المحرم الرفقة المأمونة في سفر الفرض فقط، والرفقة المأمونة قد تكون من النساء فقط، أو من الرجال فقط، أو من مجموع الجنسين(٢٧).
قال الدسوقي في حاشيته: (... في حقّ المرأة أن تجد محرماً من محارمها يسافر معها أو زوجاً؛ لقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلاّ ومعها محرم ...))(٢٨).
الظاهريّة
قالت: المرأة التي لا زوج لها ولا ذا محرم يحجّ معها فإنّها تحجّ ولا شيء عليها، فإن كان لها زوج ففرض عليه أن يحجّ معها، فإن لم يفعل فهو عاصٍ لله تعالى، وتحجّ من دونه وليس له منعها من حجّ الفرض، ولكن له منعها من حجّ التطوّع . فقد قال ابن حزم في الفقه الظاهري : ... وليس له منعها في فرضٍ ، وله منعها من حجّ التطوع(٢٩). وقد احتجّ ابن حزم وغيره من الظاهريّة بقوله تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(. فالحجّ واجب في هذه الآية، ولم يشترط أو يعلّق هذا الواجب على وجود المحرم أو الزوج، فحال المرأة حال جميع المسلمين في أنّ الحجّ واجب على من توفّرت الاستطاعة عنده، وهو ما يتّفق مع رأي الإماميّة.
أمّا موقفهم أزاء الأحاديث الناهية عن سفر المرأة إلاّ مع محرم أو زوج فقد عدّوها أحاديث عامّة لكلّ سفر إلاّ السفر الواجب، وبما أنّ سفر الحجّ واجب فقد استثني من نواهي السفر المذكورة.
ولم ينجو قول ابن حزم من الردّ عليه بأن يقال: إنّ اشتراط المحرم أو الزوج لا يتعارض مع الآية المذكورة؛ لأنّ وجودهما من جملة الاستطاعة المطلوبة لوجوب الحجّ، ولم تكن الاستطاعة متوقّفة فقط على وجود الزاد والراحلة دون الشروط الأُخرى التي منها وجود الزوج أو المحرم للمرأة.
ويواصل صاحب هذا القول كلامه بقوله: (لأنّا نقول: إنّ أحاديث النهي عن سفر المرأة إلاّ مع زوج أو محرم تضمّنت اشتراط وجود الزوج أو المحرم مع وجود الزاد والراحلة بالنسبة لسفر الحجّ، وهذه الزيادة غير منافية لشرط الزاد والراحلة فيتعين قبولها ...)(٣٠)
الزيديّة
قالت: وجود المحرم للمرأة هو شرط أداء لحجّها، وليس هو شرط وجوب، كما أنّ هذا هو في حقّ الشابّة، أمّا في حقّ العجوز فليس بشرط، فيجوز لها الخروج إلى الحجّ مع نساء ثقات أو مع غيرهن(٣١). كما جعلوا أُجرة المحرم جزءاً من الاستطاعة ، ويلزمها المحرم إذا كانت المسافة بريداً(٣٢) فصاعداً أو ثلاثة أيّام فصاعداً(٣٣) .
الحنابلة
قالت: لا يجب الحجّ على المرأة التي لا محرم لها ولا زوج، وقد نصّ على ذلك الإمام أحمد، فقد قال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن لها محرم، هل يجب عليها الحجّ؟ قال: لا. وقال: المحرم من السبيل. وعنه أنّ الـمَحرم لحفظها، فهو كأمن الطريق، وإمكان المسير.
وعن أحمد أيضاً: أنّ المحرم من شرائط الأداء لا الوجوب، وعلى هذا من فاتها الحجّ بعد إكمال شرائط الوجوب بموت أو بمرض لا شفاء منه أخرج من مالها ما يحجّ به عنها. ولكن المذهب عند الحنابلة هو الأوّل، أي أنّ وجود المحرم ـ أو الزوج ـ من شرائط الوجوب، واحتجّوا لمذهبهم بجملة من الأحاديث التي منها: الدارقطني بإسناده عن ابن عباس أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال: ((لا تحجّن امرأة إلاّ ومعها ذو محرم)).
ولأنّها لا يمكنها الحجّ بلا محرم، فإذا امتنع من الحجّ معها ـ مع أنّ نفقته عليها لأنّها كالراحلة ـ فهي كمن لا محرم لها، وبالتالي لا تحجّ(٣٤).
أمّا في مسألة إذن الزوج، فقد ذهبوا إلى أنّه يستحبّ للمرأة أن تستأذن زوجها في حجّة الفريضة، فإن أذن لها فيها، وإلاّ خرجت بغير إذنه إذا وجدت المحرم، أمّا في حجّ التطوّع فلابدّ من إذنه.
قال ابن المنذر: (أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم أنّه له منعها من الخروج في حجّ التطوّع؛ وذلك لأنّ حقّ الزوج عليها واجب، فليس لها تفويته بما ليس بواجب)(٣٥).
ومعنى هذا أنّ لها تفويت حقّه بواجب وهو حجّة الإسلام.
الأباضيّة
وملخّص ما ذهبوا إليه أنّ المرأة تحجّ مع زوج أو محرم، فإن منعها زوجها أو أبوها وكانت مستطيعة لم يلزمها الحجّ.
فإن لم تجد زوجاً أو محرماً فلها أن تسافر مع ثقات يمنعونها من الضرر كمنعهم أنفسهم، وإن لم تجد فلها أن تستأجر، وإلاّ سقط عنها الحجّ(٣٦).
الحنفيّة
قالت ـ بعد أن قسّموا الاستطاعة إلى أنواع ثلاثة: البدنيّة والماليّة والأمنيّة، وجعلت سلامة المرأة من النوع الثالث ـ: يشترط لحجّ المرأة أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحجّ، فبعد أن ميّزوا بين شروط وجوب الحجّ عندهم وشروط الأداء ـ لأنّهم يفرّقون بين الوجوب وبين الأداء ـ ذكروا شروطاً أربعة للأداء كان ثالثها: وجود زوج أو محرم للمرأة، لا فرق بين أن تكون المرأة شابّة أو عجوزاً إذا كان بينها وبين مكّة ثلاثة أيّام فأكثر. أمّا إذا كانت المسافة أقلّ من ذلك فيجب عليها أداء الحجّ وان لم يكن معها محرم ولا زوج. والمحرم: هو الذي لا يحلّ له زواجها بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع. هذا وأنّ ابن عابدين في الوقت الذي عدّ أمن الطريق والمحرم من شروط الأداء فقد عدّها الكاساني من شروط الوجوب وقال: ... ولأنّها إذا لم يكن معها زوج أو محرم لا يؤمن عليها، إذ النساء لحم على وضم (الوضم ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير...) إلاّ ما ذبّ عنه.
وقال أيضا في خصوص قوله تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(: (هذه الآية لاتتناول النساء حال عدم الزوج أو المحرم؛ لأنّ المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها، فتحتاج إلى من يركبها، وينزلها، ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم، فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا يتناولها النصّ)(٣٧).
وقد ذكر في (البدائع) أنّهم قالوا: لها أن تخرج مع المحرم في حجّة الفريضة من غير إذن زوجها إذا وجدت المحرم مع وجود الزاد والراحلة لها وله، فقد استطاعت إلى حجّ البيت سبيلاً فوجب عليها الحجّ.
وإذا قيل: إنّ حقّ الزوج في الاستمتاع بها يفوت بخروجها، فيجب أخذ إذنه، فإن أذن خرجت، وإن أبى لم تخرج؛ لأنّ الحجّ على التراخي لا على الفور.
فإنّا نقول: إنّ منافع الزوجة والاستمتاع بها من قبل زوجها مستثناة من حقّ الزوج فيها في أوقات أداء الزوجة الفرائض كما في الصلوات الخمس وصوم رمضان، فكذلك في حجّ الفريضة بخلاف حجّ التطوّع إذا منعها فعليها الامتناع(٣٨).
أقول: وفرق كبير بين الصلاة والصوم التي تكون على مقربة من زوجها وبين فريضة تتطلّب سفراً طويلاً وغياباً لأيّام وليالٍ، فالقياس على الصلاة والصيام لا أظنّه ينهض دليلاً على ما ذهبوا إليه من استثناء.
وذكروا للمحرم شروطاً فقالوا: ويشترط فيه أن يكون مأموناً عاقلاً بالغاً، ولا يشترط كونه مسلماً.
واحتجّوا بجملة أحاديث، كما احتجّوا بأنّ حجّها بدون المحرم أو الزوج يعرّضها للفتنة وهذا ضرر بها، والضرر مرفوع شرعاً(٣٩).
الأدلّة:
إن الذين اشترطوا وجود الزوج أو المحرم للمرأة لوجوب الحجّ عليها احتجّوا بالأحاديث الصحيحة الثابتة عندهم التي تدلّ على ما ذهبوا إليه، التي منها :
أخرج الإمام البخاري عن ابن عبّاس: ((لا تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلاّ ومعها محرم)). فقال رجل: يا رسول الله، إنّي أريد أن أخرج في جيشِ كذا وكذا، وامرأتي تريدُ الحجّ؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((اخرج معها))(٤٠).
وأخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عيينة عن عكرمة عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((ولا تحجّنَّ امرأة إلاّ ومعها محرم))(٤١).
وأخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلاّ ومعها زوجها أو ذو رحم(٤٢).
وعن نافع عن عبد الله بن عمر عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليالٍ إلاّ ومعها ذو محرم)).
في حين احتج القائلون بأنّ للمرأة أن تحجّ وحدها، ولا يشترط لوجوب الحجّ عليها وأدائه وجود الزوج أو المحرم بهذه الأدلّة:
١ ـ الآية: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(، فالحجّ في هذه الآية لم يعلّق وجوبه إلاّ على الاستطاعة.
٢ ـ حديث عدي بن حاتم الذي قال فيه: بينا أنا عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقةَ، ثمّ أتاه آخرُ فشكا إليه قطع السبيل، فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((يا عدي، هل رأيت الحيرة؟)) قال عدي: لم أرها وقد أُنبئتُ عنها. قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((فإن طالت بكَ حياةٌ لتريَنَّ الظعينةَ ترتحلُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلاّ الله))، قال عدي: فرأيتُ الظعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبة لا تخاف إلاّ الله(٤٣).
فبعض فقهاء العامّة أخذوا بهذا الحديث، واستدلوا به على جواز سفر المرأة وحدها، في حين ذهب بعض آخر منهم إلى أنّ هذا الحديث لا ينفعنا في مسألة جواز سفر المرأة وحدها فضلاً عن وجوبه؛ لأنّه أمر مستقبلي أخبر به الرسول وأنّه سيقع هذا لا غير، فهو من النبوءات المستقبليّة، وبالتالي لا يصمد هذا الحديث أمام الأحاديث الناهية عن سفر المرأة وحدها(٤٤).
وقد ردّ هذا بأنّ هذا الخبر ورد عن الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ولم يستنكره أو يعبّر عن استيائه، بل هي حالة ممدوحة ((... حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلاّ الله))، ولأنّها مبعث على السرور والمدح فيمكن أن تدلّ على جواز سفرها.
٣ ـ القياس: فقد اتّخذ هذا الفريق ممّن أسلمت في دار الحرب، وأنّ لها الحقّ في أن تخرج إلى دار الإسلام وحدها، وليس هذا فقط بل الأسيرة المسلمة إذا تخلّصت من أسر الكفّار فإنّ لها الخروج إلى دار الإسلام وحدها، اتّخذ من ذلك دليلاً على أنّه يجوز للمرأة إذن أنّ تخرج وحدها إلى الحجّ قياساً على جواز خروجها وحدها إلى دار الإسلام.
ويرد عليه: أنّه قياس مع الفارق؛ لأنّ خروج المرأة المسلمة وحدها إلى دار الإسلام في هاتين الحالتين هو خروج للضرورة، فلا يصحّ أن يقاس عليه خروج المسلمة للحجّ في حال السعة والاختيار.
وقد أضاف هذا الفريق في رده قائلاً: إنّ الفقهاء اختلفوا في الحجّ، هل هو على الفور أو على التراخي؟
فإن قلنا بالتراخي فما يجعل سفرها حتى يوجد المحرم أو الزوج أوْلى من سفرها وحدها.
ثمّ إنّ الأسيرة ومن أسلمت في دار الحرب إنّما تدفعان بخروجهما وحيدتين ضرر بقائهما بين الكفّار بتعرّضهما للفتنة أو الاعتداء على عرضهما، فجاز لكلّ واحدة منهما دفع هذا الضرر بتحمّل ضرر السفر لوحدها، وهو ضرر مظنون، وليس هو مثل ضرر بقائهما في دار الكفر.
أمّا في السفر إلى الحجّ وحدها ففيه ضرر محتمل تتحمّله المرأة دون دفع أي ضرر أصلاً(٤٥).
وفرّق القاضي في مسألة الهجرة ومسألة الحجّ قائلاً: واتّفق العلماء على أنّه ليس لها أن تخرج في غير الحجّ والعمرة إلاّ مع ذي محرم، إلاّ الهجرة من دار الحرب فاتّفقوا أنّ عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وان لم يكن معها محرم.
والفرق بينهما أنّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخّر عن الحجّ فإنّهم اختلفوا في الحجّ هل هو على الفور أم على التراخي؟ وقد ذهبوا إلى التراخي وبالتالي يصحّ لها تأخير الحجّ.
وفي رواية للدارقطني عن أبي أمامة مرفوعاً: ((لا تسافر المرأةُ سفرَ ثلاثة أيام أو تحجّ إلاّ ومعها زوجها، أو لا تحجّنّ امرأة إلاّ ومعها زوجها))(٤٦) و((لا تسافر المرأة ثلاثة إلاّ ومعها ذو محرم)) (٤٧).
واحتجّ ابن حزم لمذهبه بحديث أبي معبد عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يخطب ويقول: ((لا يخَلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ ولا تُسافر امرأةٌ إلاّ مع ذي محرمٍ)). فقام رجل فقال: يا رسولَ الله، إنّ امرأتي خرجت حاجّةً وأنّي اكتتبتُ في غزوة كذا أو كذا. فقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: ((انطلقْ فاحججْ مع امرأتك))(٤٨).
وقد استدلّ ابن حزم بهذا؛ لأنّ نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن تسافر امرأة إلاّ مع ذي محرم وقع ـ أي وقع سفر المرأة بدونه ـ ثمّ سأل الرجل عن امرأته التي خرجت حاجّةً لا مع ذي محرم ولا مع زوج، فأمره النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأن ينطلق فيحجّ معها، ولم يأمر ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بردّها، ولا عاب سفرها إلى الحجّ دونه ودون ذي محرم.
ويمكن هنا ردّ استدلال ابن حزم بأنّه لو لم يكن ذلك ـ أي وجود المحرم أو الزوج مع المرأة في سفرها ـ شرطاً لَمَا أمر ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ زوجها بالسفر معها وترك الغزو الذي كتب فيه (٤٩). ولِمَا ورد عن نافع وعن روايات أُخرى ذكرها مسلم في (سفر المرأة مع محرم إلى حجّ وغيره)(٥٠).
رفقة النساء الثقات
رفقة النساء الثقات هي الأُخرى تقوم مقام الزوج أو المحرم في سفر المرأة للحجّ. هذا ما رآه الإمام البخاري استناداً إلى ما رواه في صحيحه: أنّ عمر بن الخطاب قد إذن لأزواج النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في آخر حجّة حجّها، فبعث معهن عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف، ثمّ كان عثمان بعد عمر بن الخطاب يحجّ بهنّ في خلافته أيضاً.
وبعد ذكر هذا يقولون: إنّ وجه الدلالة بحجّ أُمّهات المؤمنين برفقة عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف أنّ هذا الأمر حصل باتّفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبيّ، ودون نكير عليهن من غيرهم من الصحابة.
ومن هذا كلّه يستفيدون أيضاً الإجماع على جواز سفر المرأة للحجّ برفقة نساء ثقات، لأنّ أُمّهات المؤمنين كنّ ثمانية في سفرهنّ للحجّ، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في شرحه لـ (صحيح البخاري) من حديث أُمّ معبد الخزاعيّة، الذي أخرجه ابن سعد، قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجّا بنساء النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فنزلن بقديد، فدخلت عليهنّ وهنّ ثمانٍ.
وأمّا المالكية فيقولون: إنّ الرفقة المأمونة تقوم مقام الزوج والمحرم، ولكن بشرط إن كانت الرفقة نساء فقط أو نساء ورجالاً، فنساء النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أكثر من واحدة بدلالة الحديث الآخر عن أُمّ معبد الخزاعيّة، ولا يستدلّ على كفاية الرفقة إن كانت رجالاً فقط.
فالمالكيّة يشترطون إذن لصحّة الرفقة وجود نساء أو نساء ورجال ثقات.
الشرط الثاني
أمّا بالنسبة إلى الشرط الثاني لوجوب الحجّ على المرأة، وهو ألاّ تكون معتدّة من طلاق أو وفاة، فنقول:
إنّ الإماميّة ذهبوا إلى أنّ المطلّقة في عدّتها الرجعية يجوز لها أن تؤدّي حجّة الإسلام إذا استطاعت؛ لأنّ البينونة في العدّة الرجعيّة لا تحصل إلاّ بعد انقضاء هذه العدّة، فحالها حال الزوجة في عدم كون إذن زوجها شرطاً في استطاعتها أو في وجوب حجّة الإسلام عليها وليس له منعها، وأمّا في الحجّ المندوب والموسّع فهي تحتاج إلى إذن زوجها وله منعها.
أمّا البائنة فلها أن تحجّ حجّاً واجباً أو مندوباً مضيّقاً أو موسّعاً في عدّتها؛ لانقطاع عصمتها من الزوج.
أمّا التي توفّي عنها زوجها فهي أيضاً لها أن تحجّ الحجّ الواجب أو المندوب؛ لانتفاء إذن الزوج بانتفاء وجوده.
الروايات:
عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في حديث قال: ((لا تحجّ المطلّقة في عدّتها)).
فهذه الرواية ـ وبالنظرة الأولى لها ـ عامّة تشمل كلَّ مطلقة وكلَّ صاحبة عدّة ، ولكن نظراً لانقطاع عصمة المرأة البائنة من زوجها فقد ملكت نفسها بذلك وليس له سلطنة عليها بعد وقوع البينونة تلك، وبالتالي فلا تحتاج إلى إذنه، ولا تكترث بمنعه لو حدث إذا ما أرادت أن تحجّ حجّاً واجبا أو مستحبّاً.
فعن سعيد بن أبي خلف في المطلّقة، قال: سألت أبا الحسن موسى ـ عليه السلام ـ عن شيء من الطلاق، فقال: ((إذا طلّق الرجل امرأة طلاقاً لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها، وملكت نفسها ولا سبيل له عليها))(٥١).
وكذلك المتوفّى عنها زوجها لها أن تحجّ واجباً كان الحجّ أو مستحبّاً في عدّتها؛ لانتفاء وجود الزوج بوفاته.
لهذا كلّه فقد خرجت كلّ من البائنة والمتوفّى عنها زوجها حكماً وموضوعاً من هذه الرواية، وكذلك من الآية التي ستأتي.
بقي عندنا الحالة الثالثة: وهي المرأة المطلّقة رجعيّاً في عدّتها، التي لا تحصل البينونة فيها إلاّ بعد انقضاء العدّة كما قلنا، لذلك عليها أن تبقى في بيتها وهو بيت الزوجيّة طيلة فترة العدّة لا تُخرج منه ولا تَخرج منه، إلاّ إذا أتت بفاحشة مبيّنة كما في الآية التالية: (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ(، فليس للزوج إخراجها منه مادامت تقضي فترة عدّتها من طلاقها الرجعي، وليس لها هي الأُخرى أن تَخرج من هذا البيت إلاّ لضرورة ظاهرة، فإن خرجت فقد أثمت كما عن (مجمع البيان)(٥٢).
وإنّما أُلزمت بالبقاء في بيت زوجها لا كعقوبة لها، ولكن لإعطاء فرصة أُخرى لكلّ من الزوج والزوجة ليراجع كلٌ منهما نفسه، فلعلّ الحياة الزوجيّة الطيّبة تعود من جديد بينهما ويعيشا بالمعروف.
وهذه المرأة إذا أرادت أن تؤدّي حجّاً مستحبّاً أو موسّعاً فقد جاءت هذه الرواية وغيرها من الروايات لتوضّح لنا أنّ عليها أن لا تخرج في هذه الحالة من بيتها، ولابدّ لها من إذن زوجها، وإذا منعها ليس لها مخالفته؛ لأنّ المطلّقة الرجعيّة بحكم الزوجة، وهذا بعكس ما لو استطاعت ووجبت عليها حجّة الإسلام، فلها أن تخرج في هذه الحالة من بيتها لتؤدّي فريضة الحجّ، فحالها ـ لاستمرار عنوان الزوجيّة عليها ـ حال الزوجة المستطيعة التي استقرّ عليها الحجّ في عدم كون إذن زوجها شرطاً في استطاعتها، وفي وجوب الحجّ عليها، كما ليس له منعها من هذا الحجّ.
فإذن، إضافةً إلى الاستثناء الوارد في الآية: (..إلاَّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ(، يستثنى أمرٌ آخر ـ استناداً إلى الروايات ـ وهو أن تخرج لأداء فريضة الحجّ التي استقرّت عليها بسبب استطاعتها دون الحجّ المستحب أو الموسّع، علماً بأنّ صاحب (الوسائل) حمل رواية معاوية هذه على أنّ المراد لا تحجّ تطوّعاً في عدّتها الرجعيّة بدون إذن الزوج.
عن محمد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهما السلام ـ قال: ((المطلّقة تحجّ في عدّتها))، وهذه الرواية عامّة أيضاً تشمل الحجّ سواءً أكان حجّاً واجباً أو مستحبّاً.
عن منصور بن حازم: إن كانت صرورة حجّت في عدّتها، وإن كانت حجّت فلا تحجّ حتى تقضي عدّتها.
فهذه الرواية المرسلة تدلّ على أنّ المطلّقة تحجّ في عدّتها حجّة الإسلام دون الحجّ المندوب.
أمّا روايات حجّ المرأة وهي في عدّة وفاة زوجها فهي:
عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المتوفّى عنها زوجها، قال: ((تحجّ وإن كانت في عدّتها)).
وعن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن المرأة التي يتوفّى عنها زوجها، أتحجّ؟ فقال: ((نعم)).
وعن عبد الله بن بكير، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن المتوفّى عنها زوجها تحجّ في عدّتها؟ قال: ((نعم، وتخرج وتنتقل من منزل إلى منزل))(٥٣).
أمّا الحنفيّة: فقد اشترطوا لوجوب حجّ المرأة بأن لا تكون معتدّة أيّة عدّة كانت، سواء أكانت في عدّة طلاق أو في عدّة وفاة، فإذا كانت معتدّة وقت خروج أهل بلدها للحجّ فلا يجب عليها الحجّ.
دليلهم:
١ ـ الآية: (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ(، فقد نهى الله تعالى المعتدّات عن الخروج.
٢ ـ ولما روي أنّ عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ردّا المعتدّات من الميقات.
٣ ـ ولأنّ الحجّ يمكن أداؤه في وقت آخر، أمّا العدّة فلابدّ من قضائها في وقتها، أي لها وقت مخصوص وهو ما بعد الطلاق أو الوفاة مباشرة، فكان الجمع بين الأمرين أولى بل المتعيّن.
وأمّا إذا لزمتها العدّة بعد خروجها للسفر، فإن كانت العدّة من طلاق رجعي فإنّ على زوجها أن لا يفارقها؛ لأنّ الطلاق الرجعي لا يزيل ا