عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار. ( نهج البلاغة ٤: ١٩)        أخلص في المسألة لربّك فإن بيده العطاء والحرمان. ( نهج البلاغة ٣: ٣٩)        لن لمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)       لا  تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      بكثرة الصمت تكون الهيبة. ( نهج البلاغة ٤: ٥٠)      
البحوث > الفقهية > قاعدة ضمان اليد الصفحة

قاعدة ضمان اليد
الشيخ الشهيد فضل الله النوري
بسم الله الرحمن الرحيم
من القواعد المقرّرة عند الأصحاب (قاعدة ضمان اليد) وقد تداول فيهم الاعتماد عليها في أغلب الأبواب، والأصل في ذلك النبوي المشهور: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدّي)) أو:((حتى تؤدّيه))(١)، وإرسال الاستدلال به في كتب الأصحاب قديماً وحديثاً من غير نكير قطعاً.
فلنعطف عنان القلم إلى دلالته، ولقد اطّلعت على كلام لبعض المتأخّرين، حيث حكم بإجماله من حيث احتياجه إلى التقدير، وتردّده بين أُمور لا يرجّح بعضها على بعض، وأطال الكلام فيه بما لا يخلو كلّ سطر منه عن وجوه النظر، لا يهمّنا التعرّض لها ونحن نشير إلى ما يساعد إليه النظر بتوفيق الله وإعانة رسول الله والأئمّة الأثني عشر عليهم صلوات الله ما طلعت الشمس والقمر.
فنقول: بعد مساعدة الظاهر على أنّ المأخوذ نفسه على صاحب اليد المعبّر عنه باليد، لمناسبة أنّه الآلة في البطش والقبض غالباً بالنسبة إلى سائر الجوارح كإطلاق العين على الريبة، لمناسبة حصول الاطّلاع، منها:
أنّ معنى كون الشيء المأخوذ على صاحب اليد: أنه في عهدته، وهو إطلاق شائع في العرف قريب في تفاهمهم.
وتوضيح ذلك: أنّه كما أنّ الذمّة أمر معتبر عند العقلاء قابلة لأنْ يعتبر ثبوت المال فيها فيحكم باشتغالها، وأنْ يعتبر عدمه فيها فيحكم بفراغها، فكذلك العهدة أيضاً اعتبار عقلائيّ صحّ اعتبار ثبوت العين فيها وعدمه.
فكما أنّ مفاد قول القائل: (عليَّ دين كذا) الإخبار بثبوت المال في الذمّة، فكذا قوله: (عليَّ العين الفلاني) إخبار بثبوت العين في العهدة، وكلاهما اعتباران عند العقل والعقلاء، موجودان في الخارج بوجود منشأ انتزاعهما كسائر الاعتبارات العقلائيّة الانتزاعيّة، كالملك والحقّ ونحوهما، سيحكمون عليهما بآثار كثيرة في مقاصدهم ومهمّاتهم.
بل صحّ الحكم باعتبارهما في وجه واحد، وإنّما الفارق بينهما أنّهم يسندون إلى الذمّة مطلق الماليّة الكليّة، وإلى العهدة المقيّدة منها بالتشخّصات العينيّة، فكلمة (عليَّ) في المقامين للاستعلاء الحاصل في ثبوت متعلّقه على وجه البت والجزم بحيث ينقطع به الاختيار.
فصار معنى الرواية على ما يساعده النظر بحسب متفاهم العرف: أنّ المال المأخوذ نفسه على عهدة الآخذ، أي محكوم بأنّه على عهدته، كما هو المحكم في القضايا الشرعيّة ما لم يثبت أنها إخبار حتّى يؤدّيه إلى مالكه. ولا يذهب عليك أنّها مسوقة حينئذٍ لبيان الحكم الوضعي.

(١) أخرجه أصحاب السنن والمسانيد مسنداً، لاحظ سنن إبن ماجة ٢ / ٨٠٢، وسنن البيهقي ٦ / ٩، مسند أحمد ٥ / ٨ و ١٢، ورواه المحدّث النوري في المستدرك ١٧ / ٨٨ مرسلا، والحديث ينتهي إلى سمرة بن جندب، وحاله معلوم، ولكن اتقان المتن يحكي عن صحّته وإن كان السند ضعيفاً.