إحذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود. ( نهج البلاغة ٤: ٥٤)     إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٩)     من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )     إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)        ربّ يسير أنمى من كثيرٍ. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      
البحوث > الفقهية > رسالة في اعتبار اتفاق الأفق في إثبات رؤية الهلال الصفحة

رسالة في اعتبار اتّفاق الاُفق في إثبات رؤية الهلال
محمد حسن القديري
بسم الله الرحمن الرحيم
هل تكفي رؤية الهلال في بلد ما لإثبات الشهر في جميع البلدان سواء اتّفق الاُفق بينه وبينها أم اختلف حتّى إذا كان البلد المرئي فيه الهلال غربياً بالنسبة إلى تلك البلدان، أو لا يكفي ذلك؟
فقد اختار السيّد الاُستاذ كفاية ذلك لجميع البلاد، واستدلّ عليه بأمرين:
وملخّص دليله الأوّل ما ذكره في آخر كلامه بقوله: (ومن هنا يظهر أنّ ذهاب المشهور إلى اتّحاد البلدين في الاُفق مبنيّ على تخيّل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها، إلاّ أنّه لا صلة لخروج القمر عنه ببقعة معيّنة دون اُخرى، فإنّ حاله مع وجود الكرة الأرضيّة وعدمها سواء).
أقول: ليت شعري، إنّه لو قطعنا النظر عن بقاع الأرض فأيّ ارتباط بين القمر والشمس نسمّيه بالمحاق أو تحت الشعاع؟ وأي معنىً محصّل لقوله: (لارتباط خاصّ بين القمر والشمس من دون ارتباط له ببقاع الأرض)؟
فلو فهم من (تحت الشعاع) أنّ القمر يكون بين أشعة الشمس، يرد عليه: أنّ القمر دائماً تحت الشعاع بهذا المعنى إلاّ عند الخسوف بلا فرق بين كون القمر في المحاق أو لا، فإنّ نصف القمر منوّر دائماً بالشمس في جميع حالاته طول الشهر.
ولوفهم أنّ القمر في حالة المحاق يكون في مسافة خاصّة للشمس بحيث لايرى، يرد عليه: أنّ القرب والبعد بالنسبة إلى الشمس لا يؤثّران في الرؤية مادام القمر موجوداً ويستضيء من نور الشمس، والمانع بين الأرض والقمر مفقود.
فلو قيل: إنّ أشعة الشمس مانعة عن الرؤية.
يقال: مع أنّ شعاع الشمس مثبت للرؤية لا أنّه مانع لها، فافهم، لازم ذلك الحكم بوجود القمر وترتيب آثار الشهر، فإنّ المفروض أنّ عدم الرؤية من جهة المانع وهو شعاع الشمس، ومانعيّة شعاع الشمس كمانعيّة الغيم.
ولو قيل: إنّ بقاع الأرض مانعة عن الرؤية.
يرد عليه: مع أنّه خلاف ما هو بصدده وهو أنّ حالة المحاق تستدعي عدم الرؤية، لازم ذلك ارتباط الأرض أيضاً في الخروج عن المحاق، ولكن شيئاً من ذلك لا يتمّ.
والصحيح أنّ تحت الشعاع ـ وكذا المحاق ـ ربط بين القمر والشمس وبقاع الأرض؛ لأنّ الشهر نتيجة حركة القمر الانتقاليّة حول الأرض على خلاف حركة الأرض الوضعيّة، أي من المشرق إلى المغرب، وأسرعيّة حركة الأرض عن حركة القمر بمقدار يقرب أربعين دقيقة في دور واحد، فإنّ حركة الأرض الوضعيّة من المغرب إلى المشرق وحركة القمر الانتقاليّة حول الأرض من المشرق إلى المغرب وتختلف الحركتان بمقدار أربعين دقيقة في دورة واحدة.
ونتيجة هذا الاختلاف تأخير غروب القمر عن غروب الشمس كلّ ليلة بمقدار أربعين دقيقة، فيحصل في كلّ ليلة موضع خاصّ للقمر بالنسبة إلى الشمس وبالنسبة إلى الأرض.
وحيث إنّ نصف كرة القمر منوّر دائماً بالشمس ونصف كرة القمر مواجه لكرة الأرض يختلف النصف المواجه للأرض باختلاف موضع القمر بحسب الليالي، فقد يكون النصف المواجه للأرض باختلاف موضع القمر بحسب الليالي، وقد يكون النصف المواجه للأرض مواجهاً للشمس أيضاً تماماً، ولذا يرى تمام هذا النصف كليالي البيض، وقد يكون بعض النصف المواجه للأرض مواجهاً للشمس فيرى ذلك البعض، ويختلف ذلك باختلاف موضع القمر في الليالي ويحصل منه الهلال والتربيع وغيرهما، وقد لا يكون شيء من النصف المواجه للأرض مواجها للشمس والنصف المنوّر في الطرف الآخر فلا يرى من القمر شيء، وهذا يسمّى بالمحاق.
هذا من ناحية، ومن ناحيّة اُخرى أنّ في ليالي آخر الشهر يكون غروب الهلال؛ إمّا مع غروب الشمس، أو يختلف بمقدار قليل، ويكون المقدار المنوّر من القمر المواجه للشمس والأرض أيضاً قليلاً، فيكون مقهوراً لأشعة الشمس بحيث لا يكون قابلاً للرؤية، وهذا يسمّى بتحت الشعاع.
فعلّة عدم رؤية الهلال في الليالي الأخيرة أحد أمرين على سبيل منع الخلو: المحاق، أو كون القمر تحت الشعاع. والقوم أطلقوا تحت الشعاع على المحاق أيضاً، وعبّروا عن ذلك بتحت الشعاع فقط، وقالوا: إنّ بداية الشهر هو خروج القمر عن تحت الشعاع.
ومن المعلوم اختلاف كلا الأمرين ـ المحاق وتحت الشعاع ـ باختلاف البقاع، فإنّ ارتباط بقاع الأرض في كلا الأمرين ارتباط ركني، فلو لم تكن الأرض لم يكن محاق ولا تحت شعاع، فإنّ الأوّل يحصل من مواجهة النصف المظلم للقمر إلى الأرض، والثاني يحصل من اتّحاد الغروبين زماناً أو اختلافاً يسيراً بحيث يكون المقدار المنوّر من القمر – اليسير أيضاً – مقهوراً لأشعة الشمس، ولا معنى لشيء من ذلك مع قطع النظر عن بقاع الأرض، ومن الظاهر أنّه تختلف الحالتان باختلاف البقاع.
فما ذكره من أنّ المحاق فرد واحد في الكون لايعقل تعدّده بتعدّد البقاع، مع أنّه مصادرة غير صحيح، فإنّ المحاق وضع القمر للشمس بحيث لاترى الجهة المنوّرة منه بالنسبة إلى الرائي الواقع في بقعة من بقاع الأرض، واختلاف هذا باختلاف البقاع ظاهر.
وما ذكره من أنّ عدم الرؤية في بلد مع الرؤية في البلد الآخر لمانع خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك أيضاً لا يصحّ، فإنّه قد يكون موضع القمر للشمس بالنسبة إلى بقعة موضعاً لا يرى أصلاً، وبالنسبة إلى البقعة الاُخرى لا يكون كذلك فيرى.
مضافاً إلى أنّ ما ذكره خلف الفرض، فإنّ المفروض أنّ عدم الرؤية في محلّ دون الآخر من جهة الاختلاف في الاُفق لا من جهة المانع الخارجي كشعاع الشمس وبقاع الأرض وما شاكل ذلك، فقد علم بوضوح أنّ عدم الرؤية في بلد والرؤية في الآخر من جهة أنّ البلد الأوّل غير مواجه للجهة المنوّرة القابلة للرؤية من القمر، والبلد الآخر مواجه لبعض منها.
فما ذكره من الدليل الأوّل دليل على اعتبار اتّحاد الاُفق، أو كون البلد المرئي فيه بحيث يقطع بوجود الهلال في مطلع البلد الآخر لا أنْ يكون دليلاً على عدم الاعتبار.
وأمّا الدليل الثاني وهو النصوص، فقد تمسّك بجملة من الروايات واستنتج منها أنّ رؤية الهلال في بقعة كافيّة لثبوته في بقيّة البقاع من دون فرق في ذلك بين الاتّفاق في الاُفق أو الاختلاف فيه.
ونحن نبحث ذلك في ضمن أمرين:
الأوّل: هل يصحّ التمسّك بإطلاق الدليل الشرعي لإثبات ذلك، أو لا؟
الثاني: هل يتمّ ما ذكره من الأدلّة أو لا؟
أمّا الأوّل، فالمسلّم بينه وبين غيره أنّ بداية الشهر هو خروج القمر عن المحاق وعن تحت الشعاع، كما ذكره في الأمر الأوّل، وإنّما الاختلاف بينه وبين غيره في أنّ الخروج عن هذا الوضع هل يختلف باختلاف البقاع أو لا؟
ولا يمكن التمسّك بالإطلاق لرفع هذا الشكّ وإثبات أنّه لا يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع، فإنّ هذا أمر تكوينيّ عبّر هو عنه بالظاهرة الكونيّة، ولا مجال لإثبات الاُمور التكوينيّة بالإطلاقات، بل لابدّ من مراجعة الفنّ المربوط بهذا الأمر، وتحقيق أنّه هل يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع أو لا يختلف من العلم المدوّن له.
إنْ قلت: الأمر التكويني وإنْ لم يثبت بإطلاق الدليل الشرعي، إلاّ أنّ الإطلاق يثبت حكم ذلك الأمر، فلو قال الشارع: إنّ الفقاع خمر، يثبت حكم الخمر للفقاع، وإنْ لا يثبت خمريّة الفقاع، فإنّه من الاُمور التكوينيّة، وفي ما نحن فيه لو قال الشارع: (فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه) يثبت حكم وجوب القضاء وإنْ لم يثبت أنّ اليوم الذي أفطر فيه كان من شهر رمضان.
قلت ـ مضافاً إلى أنّه خلاف ما هو بصدده، فإنّه في مقام إثبات أنّ اليوم المذكور من شهر رمضان، والإفطار الواقع فيه إفطار في شهر رمضان، ومضافاً إلى أنّه خلاف المقطوع به بيننا وبين الأصحاب من عدم وجوب القضاء لو لم يكن الإفطار في شهر رمضان، ومن عدم جواز الإفطار لو علم أنّ اليوم من شهر رمضان، بل لا يقول بذلك مسلم فضلاً عن الفقهاء ـ: لا يكفي إطلاق المذكور لإثبات ذلك، بل لابدّ من دليل خاصّ لإثبات الحكم في صورة عدم الموضوع وهو الشهر.
فإنّ المحتمل في هذه المطلقات أمران:
أحدهما: أنْ يكون التعبّد بالقضاء مطلقاً ولو لم يكن اليوم المفطر فيه من الشهر.
وثانيهما: اختصاص الحكم بصورة كون اليوم المذكور من الشهر.
والثاني لو لم يكن موافقاً لظاهر الدليل من جهة التعبير بالقضاء فإنّه ظاهر في فوت الصوم في الوقت، فلا أقلّ من احتمال الأمرين، فيسقط الإطلاق عن الاستدلال لمخالفة كلّ من الاحتمالين للظاهر من جهة.
فالمتحصّل: أنّه لو أراد من التمسّك بالإطلاقات إثبات الشهر واقعاً في بلد لم يرَ فيه الهلال فهذا من إثبات التكوين بالتعبّد، ولو أراد من ذلك إثبات حكم الشهر فمع أنّه خلاف المقطوع به دون إثباته خرط القتاد، فإنّ جميع المطلقات ناظرة إلى بيان لزوم قضاء صوم يوم أفطر فيه مع رؤية الهلال في غير البلد، وهذا لو لم يكن دالاًّ على أنّ فوت صوم شهر رمضان مفروض في المطلقات، ولذا عبّر فيها بالقضاء وهو التدارك، فلا إطلاق للرواية حتّى يلزم التقييد، بل الحكم متقيّد من الأوّل لا يكون دالاًّ على الإطلاق أيضاً، فإنّ الإطلاق خلاف ظاهر لفظ القضاء. والتحفّظ بظاهر القضاء ينافي الإطلاق فلا يمكن التمسّك بأصالة الإطلاق مع هذه الحالة.
وأمّا الثاني، فقد تمسّك بعدّة روايات:
منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام، أنّه قال في من صام تسعة وعشرين، قال: ((إنْ كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً))(١).
بتقريب أنّ هذه الصحيحة بإطلاقها تدلّنا بوضوح على أنّ الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصر كان كذلك في بقيّة الأمصار، وإطلاقها يشمل صورتي اتّحاد الاُفق واختلافه.
أقول: الرواية غير ناظرة إلى بيان أنّه لو رُئي الهلال في مصر يثبت الشهر في غير هذا المصر، فإنّ الشهر أمر تكويني لا يتغيّر بالتعبّد، والقول بالتعبّد بالحكم خلاف ما هو بصدده وخلاف المقطوع به كما مرّ، مضافاً إلى ظهور لفظ القضاء في أنّ فوت صوم شهر رمضان مفروض الوجود، فلابدّ من حمل الرواية على اتّحاد الاُفق بين المصرين، أو كون المصر المرئي فيه الهلال غربيّاً بالنسبة إلى المصر الآخر، مع أنّ في الرواية لم يعلم رجوع ضمير ((رؤيته)) إلى الهلال، فإنّ الهلال غير مذكور في الرواية، بل ظاهر تعبيرات الرواية أنّ الضمير راجع إلى من صام تسعة وعشرين.
وعلى هذا، يكون اليوم المفطر فيه من آخر الشهر لا من أوّله، فيحصل في الرواية إشكال، فإنّ يوم الشكّ الآخر لابدّ من صومه ومع الإفطار لابدّ من قضائه، بلا فرق بين قيام البيّنة على أنّه من شهر رمضان وعدم قيام البيّنة، فتأمّل.
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، أنّه سُئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: ((لا تقضه إلاّ أنْ يثبت شاهدان عادلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر ـ وقال ـ: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلاّ أنْ يقضي أهل الأمصار، فإنْ فعلوا فصمه)) (٢).
بتقريب أنّ الشاهد في الصحيحة جملتان: ((من جميع أهل الصلاة)) و:((أهل الأمصار)).
أقول ـ مضافاً إلى ما ذكرنا من عدم إمكان التعبّد في التكوين، وظهور لفظ (القضاء) في أن فوت صوم الشهر مفروض ـ: أنّه يحتمل في الجملة الاُولى تعلّق الجار والمجرور بـ ((يثبت))، فتكون الرواية في مقام بيان كفايّة شاهدين عادلين وعدم لزوم الزائد عليهما، لا أنْ تكون ناظرة إلى مكان الرؤية. والجملة الثانيّة على خلاف مطلوبه أدلّ، فإنّ الجمود على ظاهرها يقتضي الحكم بعدم وجوب القضاء، إلاّ إذا قضى أهل الأمصار عموماً، فإنّ هذه الجملة ظاهرة في العموم، فقضاء بعضهم دون البعض لا يوجب القضاء، وهذا يدلّنا على إمكان قضاء بعض دون بعض، فلا تكفي رؤية بعض لثبوت الهلال عند الآخر.
ومنها: صحيحة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: ((لا تصمه إلاّ أنْ تراه، فإنْ شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه))(٣).
بتقريب أنّ إطلاق بلد آخر يشمل موردي اتّحاد الاُفق واختلافه.
أقول ـ مضافاً إلى مامرّ ـ: إنّ السؤال في مورد الغمام، وهو الغيم، فإنّ الغمام: السحاب ـ كما في (المنجد) ـ فالسائل يحتمل وجود الهلال في المطلع وكون الغيم مانعاً عن رؤيته، وجواب الإمام عن حكم هذه المسالة وارد في مورد احتمال وجود الهلال في المطلع، فلا تشمل الرواية صورة عدم الرؤية لأجل الاختلاف في الاُفق. ولم يذكر في الجواب كبرى كليّة حتّى نتمسّك بها ويقال: إنّ المورد لا يخصّص عموم الوارد.
بقي وجهان آخران استشهد بواحد منهما واستدلّ بالآخر.
أمّا الأوّل، في ما يقال في صلاة العيدين، وهو ((أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً))(٤).
بتقريب أنّ الظاهر أنّ المشار إليه يوم معيّن خاصّ لا أنّه كلّ يوم ينطبق عليه أنّه يوم العيد، وأيضاً الظاهر منه أنّ هذا العيد عيد للمسلمين كلّهم لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد.
أقول: لعلّ وجه الاستشهاد لا الاستدلال سند الدعاء. وكيف كان لا يمكن التصرّف في الواقع بمثل هذه التعبيرات، والقول بالتعبّد خلاف المقطوع به، مع أنّ في المقام خصوصيّة، وهي أنّ التعبّد بمثل هذه العبارة هو التعبّد بالتنزيل، والتنزيل التعبّدي الحكمي إنّما يتصوّر في مورد عدم الموضوع، فلابدّ من لحاظ عدم الموضوع فيه، والمفروض شمول الإطلاق لصورة وجود الموضوع أيضاً، ولحاظ عدم الموضوع وعدم هذا اللحاظ في لحاظ واحد غير معقول. وعلى هذا يعلم أحد أمرين؛ إمّا أنّ المشار إليه عنوان الفطر، أو الأضحى، أو أنّ ((المسلمين)) خصوص مسلمي بلد العيد.
وأمّا الثاني، فالآية الكريمة الظاهرة في أنّ ليلة القدر ليلة واحدة شخصيّة، ضرورة أنّ القرآن نزل في ليلة واحدة وهي ليلة القدر، وفيها يفرق كلّ أمر حكيم، ويكتب الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة، وهذا لا يتمّ إلاّ بكونها ليلة واحدة شخصيّة.
أقول ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ: نفس هذا الاستدلال لا يتمّ، فإنّ نزول القرآن في ليلة واحدة وهي ليلة القدر لا يستلزم انحصار ليلة القدر بما اُنزل فيه القرآن، بل يمكن تعدّد الليلة والقرآن انزل في ليلة واحدة منها، ويصحّ أن يقال: إنّا أنزلناه في ليلة القدر.
وهكذا قضيّة كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في ليلة القدر لا تستدعي الوحدة، وهكذا الكلام في تفريق كلّ أمر حكيم، فإنّه أيضاً لا يستلزم وحدة الليلة.
والذي يسهّل الخطب أنّ المقام ليس مقام التمسّك بالألفاظ والإطلاقات، فما ذكره أخيراً من قوله: (هذا مضافاً إلى سكوت الروايات ضعيفة) أيضاً غير وجيه، فإنّ المسألة غير مرتبطة بالرواية عن المعصوم ولا تنالها يد التعبّد حتّى تطلب من الروايات، بل لابدّ من أخذها من العلم المعدّ له، وقد ثبت الاختلاف باختلاف الاُفق إلاّ أنْ يكون البلد المرئي فيه شرقيّاً، فمع رؤيته في البلاد الشرقيّة يرى في البلاد الغربيّة بخلاف العكس، وقد مرّ وجه ذلك.
وهنا إشكال نقضي يرد على السيّد الاُستاذ ـ قدّس سرّه ـ وهو الحكم في البلاد التي يكون اليوم فيها مقارناً لليل في بلادنا، والليل فيها مقارناً لليوم فيه، فإذا كان اليوم في بلادنا يوم العيد، فهل يلتزم بأنّه عيد بالنسبة إليهم مع كونهم في الليلة؟ وكذا لو كان الليل في بلادنا ليلة القدر، فهل يلتزم بأنّه ليلة القدر في بلادهم أيضاً مع كونهم في اليوم؟
ولا يمكن التفصّي عن هذا الإشكال إلاّ بأنْ يلتزم باختلاف عيدنا مع عيدهم واختلاف ليلة القدر بالنسبة إلينا وإليهم، وهذا هو المطلوب.
ولا بأس بالتعرّض لما ذكره بعض أساتذتنا أداء لحقّه، وهو أنّ الدليل قد دلّ على أنّه ((صم للرؤية وأفطر للرؤية))(٥) فيعلم من ذلك أنّ الشهر من الرؤية إلى الرؤية، وأمّا الخروج عن المحاق أو وجود الهلال في المطلع فخارج عمّا اعتبره الشارع في الشهر.
وبما أنّ الرؤية ظاهرة في صرف وجود طبيعتها فالنتيجة أنّه لو تحقّق صرف وجود الرؤية يحكم بأوّل الشهر، ووجوب الصوم والإفطار مطلقاً بالنسبة إلى بلد الرؤية وغيره مع اتّحاد الاُفق واختلافه.
أقول: لا يرد على هذا التقريب ما مرّ من التعبّد في التكوين موضوعاً أو حكماً، فإنّه يرى للشهر حقيقة شرعيّة من صرف وجود الرؤية إلى صرف وجود الرؤية، ولكن يرد عليه أنّ الشهر أمرٌ واقعي يرجع إلى العرف في مفهومه، وليس للشارع اصطلاح خاصّ فيه، والرؤية المأخوذة في الرواية قد اُخذت طريقاً إلى ما هو ملاك أوّل الشهر، ولا موضوعيّة لها. وهذا نظير ما ذكرنا في الاستطاعة من أنّها أمر واقعي عقلائي، وليس للشارع اصطلاح خاصّ فيها حتّى يمكن الأخذ بالأدلّة المفسّرة للآية الشريفة من أنّ الاستطاعة هي الزاد والراحلة.
والحمد لله ربِّ العالمين

(١) الوسائل ٧: باب ٥ من أبواب أحكام شهر رمضان، ح١٣.
(٢) الوسائل ٧: باب ١٢ من أبواب أحكام شهر رمضان، ح١.
(٣) الوسائل ٧: باب ٨ من أبواب أحكام شهر رمضان، ح ٣.
(٤) الوسائل ١: باب ٢٦ من أبواب صلاة العيد، ح٢ و٥.
(٥) الوسائل ٧: باب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان، ح ١٣.