خير القول ما نفع. ( نهج البلاغة ٣: ٤٠)      الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٥٧)      بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. ( نهج البلاغة ٤: ٤٩)        ارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)        من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. ( نهج البلاغة ٤: ١٠٦)      
البحوث > الفقهية > في ضمان انخفاض القيمة الصفحة

في ضمان انخفاض القيمة
المعروف بين الأعلام أنّ حكم النقود في الضمان حكم سائر الأموال المثلية والتي يكون ضمانها في الديون والغرامات بالمثل، فلا يكون نقصان قيمتها حين دفعها عن زمان الأخذ أو التلف مضموناً، ونتيجة: ذلك أنّ من كان عليه دين لأحد قبل خمسين عاماً مثلاً بمئة تومان - وكانت ذات مالية وقوة شرائية عظيمة وقتئذ - يكفي أن يدفع له ورقة نقدية من فئة مئة تومان اليوم والتي لا تساوي شيئاً بالنسبة لما كانت عليه في تلك الأزمنة وهذا يعني عدم ضمان نقصان قيمة النقود وانما المضون مثلها فقط، وهذه مسألة مهمة لها ثمرات وآثار فقهية في أبواب متنوّعة، وفيما يلي نورد البحث عنها في فصلين وخاتمة:
الفصل الأول - فيما تقتضيه القاعدة الأولية.
الفصل الثاني - فيما يستفاد من بعض الروايات الخاصة.
الخاتمة - في بعض المسائل والفروع الفقهية المرتبطة بهذه المسألة.

الفصل الأول
 
إنّ المعروف بل لعلّه المتسالم عليه أنّ الأموال التي يكون لها المثل وتكون أفرادها متساوية الأقدام عرفاً بالنسبة لعناوينها يكون ضمانها في باب الغرامات والديون بالمثل لا بالقيمة. ومدرك هذا الحكم هو السيرة والارتكاز العقلائي الممضي شرعاً، ولم يرد ذلك في لسان دليل شرعي.
نعم، حاول جملة من الفقهاء الاستدلال عليه بمثل قوله صلى الله عليه واله وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»(١) بتقريب أنّ ظاهره اشتغال الذّمة بنفس ما اُخذ فتكون العين المأخوذة بنفسها في الذمّة حتى بعد التلف، وهو يقتضي دفعها بخصوصيتّها العينينة الشخصية عند وجودها وبخصوصيّتها النوعية والمثلية عند تلفها مع وجود المثل وامكان دفعه وبماليتها وقيمتها عند عدم المثل، ولازمه أن يكون بقيمة يوم الأداء عند تعذّر المثل أو كونه قيمياً.
إلاّ أنّ هذا الحديث النبوي لا سند له فقد نقله العّلامة في بعض كتبه مرسلاً، كما أنّ استفادة المعنى المذكور منه مشكل فإنّ ظاهره الاختصاص بفرض وجود العين المأخوذة ووجوب ردّها ولا دلالة لفظية فيه على اشتغال الذمة بها عند التلف أصلاً، وإنّما يستفاد ذلك من السيرة والارتكاز العرفي الممضى شرعاً، فمهم الدليل على ضمان المثل هو الدليل اللبّي المتقدم ذكره.
والمعروف عندهم أنّ ضمان المثل يشمل تمام الخصوصيات الذاتية والنوعية والعرضية للشئ التي تكون دخيلة في ماليّته والمرغوبة عند العقلاء فيجب على الضامن أن يدفعها الى المضمون له. وأما القيمة السوقية فقد ذكروا أنّه أمر اعتباري لا ربط له بالعين المضمونة بل هي صفة للسوق ورغبة نوعية عند الناس ترتبط بمقدار حاجتهم الى السلعة وكمية وجودها وندرتها في السوق - عوامل العرض والطلب - وهذا أجنبي عن السلعة وليس من أوصافها ليكون مضموناً. ولهذا لا يضمن من يتسبّب الى تقليل قيمة السلعة في السوق بكثرة عرضها أو بالدعاية ضدّها أو أي سبب آخر، ونتيجة ذلك: أنّ نقصان قيمة المال والمضمون لا يكون مضموناً حيث يكفي دفع مثله سواءً زادت قيمتها السوقية أم نقصت.
وهذا الذي ذكروه وان كان صحيحاً في الجملة إلاّ أنّ الإشكال في إطلاقه، وفيما يأتي عدّة محاولات لتخريج ضمان نقصان القيمة السوقية للنقود الحاصل من التضخّم، وقد يكون بعضها أوسع من باب النقود.
المحاولة الاُولى: دعوى أنّ العقلاء إنّما لا يلحظون القيمة السوقية من أوصاف المثل اذا كان الاختلاف ومقدار نقصان القيمة قليلاً أو نادراً، وأمّا مع كونه فاحشاً خطيراً أو كونه كثير الاتّفاق فالعرف يلاحظه من صفات المثل عندئذٍ ويراه مضموناً، ويكون حاله حال ما إذا سقط المثل عن القيمة والمالية رأساً من حيث ضمان قيمته عندئذٍ للمضمون له.
وان شئت قلت: إنّ ضمان المثل عند العقلاء في المال المثلي إنمّا يكون لأجل المضمون له ومزيد حفظ حقّه في الخصوصية الجنسية والمثلية لماله زائداً على ماليّته، فلا ينبغي أن يكون ذلك على حساب مالية ماله بحيث يخسر مقدارا! من ماله بالنتيجة، فإذا كان التفاوت فاحشاً أو كان كثيراً ما يقع ذلك فالعقلاء والعرف لا يكتفون في مثل ذلك بدفع المثل الأقل قيمة ممّا أخذه منه.
وهذا البيان لو تمّ لم يختصّ بباب النقود بل يجري في السلع أيضاً إذا فرض نقصان قيمتها بمقدار خطير أو كان في معرض النقصان كثيراً.
الأول: أنّ موضوع الضمان أي ما يضمنه الضامن بحسب ظاهر أدلة الضمان الشرعية والعقلائية إنّما هو المال لا المالية والقيمة، لأنّها وصف وحيثية تعليلية لصيرورة الشئ مالاً فيضمنه من أتلفه أو أخذه في قبال مال آخر، وعلى هذا يقال: لو اُريد ضمان نقصان قيمة المثل بعنوان ضمان القيمة والمالية الناقصة ابتداءً فهذا خلف كون المضمون هو المال لا المالية استقلالاً. وإن اُريد ضمان ذلك من باب دخله في ضمان المال فمن الواضح أنّ النظر العرفي في باب الأموال المثلية يقضي بالمثلية فإنّ منّاً من الحنطة الكذائية هي نفس ما أخذه من المالك لو ردّ عينها أو مثلها لو تلف، ونقصان المالية السوقية ومدى تنافس السوق ورغبته في المال لا يجعله مالاً آخر غير ذلك المال المأخوذ أو التالف عرفاً فلا موجب لضمان نقصان القيمة.
الثاني: أنّ الضمان عند تحقّقه يعدّ عرفاً وعقلائياً نحواً من التعويض والمبادلة القهرية بين المال التالف وبين ما يمتلكه المضمون له بالضمان على ذمّة الاعتباري وتترتّب عليه آثارها ويجوز له التصرّف القانوني فيه بالبيع والحوالة وغيرهما، وهذا التعويض والمعاوضة القهرية تتحقّق مرّة واحدة عند تحقّق موجب الضمان وهو زمان الأخذ أو التلف ولا موجب آخر له، فيكون نقصان قيمة المثل بعد تحقّق الضمان واشتغال الذمّة من باب نقصان قيمّة مال مالكه كما إذا كان قد دفعه إليه فنقصت قيمته عنده بعد الدفع، فلا موجب لضمان نقصان القيمة زائداً على المثل. وهذا الجواب مبني على أن لا يعتبر العرف القيمة السوقية من صفات المثل فتتوقّف صحّته على تمامية الجواب الأوّل، مضافاً إلى أنّ كون الضمان من باب المبادلة القهرية قبل الدفع والوفاء محل منع وإن قبلنا ذلك بعد دفع البدل.
المحاولة الثانية: دعوى أنّ العرف يتعامل مع الأموال المتّخذة للتجارة والمبادلة معاملة القيمي أي يلحظون فيها ماليّتها وقيمتها السوقية لا خصوصياتها الجنسية، ومن هنا قيل بتعلّق الخمس بها قبل بيعها، لصدق الربح فيها بنفس ارتفاع قيمتها السوقية فيكون الضمان لقيمتها أيضاً ولو من جهة صيرورة قيمتها السوقية من صفات المثل، والنقود تكون كمال التجارة من حيث كونها متّخذة للمبادلة محضاً.
وفيه: أنّ تعلّق غرض تجاري أو تبادلي بالمال لا يخرجه عند العرف والعقلاء عن كونه مثلياً أي له المثل بحيث إذا تلف أو ضمنه الغير اشتغلت ذمّته بما هو مماثل له بحسب النظر النوعي للمال الذي هو الميزان في ضمانه، وإن شئت قلت: إنّ الخصوصية المذكورة من قبيل الدواعي، ولهذا تختلف من شخص إلى آخر ولا يكون منضبطاً بخلاف الضمان الذي يكون بإزاء نفس المال من حيث هو هو مع قطع النظر عن غرض من بيده المال، فالحاصل: كون من بيده المال ينظر إلى حيثيّة ماليّته فقط لا أثر له على ضمان المال من حيث هو مال.
المحاولة الثالثة: أن يقال بأنّ النقود بالخصوص ليس ضمانها مثلياً بل قيمياً، لأنّها ليست سلعة ولا منفعة استهلاكية لها، وإنّما هي مجرّد وسيلة للمبادلة، وحساب المالية المحضة للأجناس والسلع والضمان بالمثل إنّما يكون في السلع والأموال الحقيقة. نعم، النقود الحقيقية كالذهب والفضة لا مانع من أن يكون ضمانها بالمثل لأنّها سلع حقيقية. والحاصل: موضوع ضمان المثل السلع الحقيقية، لا النقود التي هي مجرّد وسيلة للمبادلة.
وفيه: أنّ موضوع الضمان عند العقلاء وكذلك في ظاهر ألسنة الروايات وكلمات الفقهاء إنّما هو المال لا السلعة أو الجنس، ولا إشكال في أنّ النقد حتى الورقي الاعتباري منه مال حقيقة وعرفاً، إذ ليس المراد بالمال إلاّ ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزائه مالاً آخر وهذا صادق على النقد الاعتباري في طول اعتباره ورواجه. نعم، هناك بحث آخر في علم الاقتصاد حول اعتبار النقود من السلع أم لا، ولكنّه من منظور آخر غير المنظور القانوني الفقهي حيث يقال هناك: إنّ مجموعة نقود البلد الواحد لا تضاف إلى السلع والثروة الحقيقية الموجودة في ذلك البلد في حساب الثروة الكلّية والدخل القومي للبلد، لأنّه مجرّد وسيلة للتبادل والمعاملة لتلك الثروة فمجموع الثروة الكلّية عبارة عن مجموعة السلع الحقيقية والخدمات الثابتة في ذلك البلد لا أكثر. إلاّ أنّ هذا منظور علمي آخر لا ربط له بالمنظور الفقهي الحقوقي حيث يكون النقد الرائج المعتبر مالاً قانوناً، فالحاصل: تعريف المال الفقهي يختلف عن تعريف المال الاقتصادي فلا ينبغي الخلط بينهما.
وبناءً عليه، يكون النقد حتى الاعتباري منه مالاً فقهاً وقانوناً ويكون كسائر الأموال موضوعاً لأحكام الأموال والتي منها ضمان مثلها إذا كان لها مثل، لأنّ المفروض أنّ كلّ مال يكون فيه ضمان، وكلّ ما يكون فيه ضمان إذا كان له مثل كان ضمانه مثلياً أي تشتغل الذمّة بمثله وتنتقل ملكية المضمون له إليه وهو معنى الضمان، وكلتا هاتين الخصوصيّتين متحقّقة في النقود الاعتبارية فضلاً عن الحقيقية فيكون ضمانها بالمثل أيضاً. وممّا يشهد على ذلك أنّه إذا ضمن نقداً من نوع معّين كالتومان مثلاً لا يجوز له أن يدفع له من نقد آخر بقيمته كالروبية مثلاً أو الدولار، وليس هذا إلاّ من جهة ضمان الخصوصية الجنسية الثابتة في المال المضمون.
المحاولة الرابعة: أنّ النقد عبارة عن القيمة والمالية المحضة لسائر السلع والأموال، ومن هنا يكون ضمان الأموال والسلع القيمية به لكونه القيمة، فكيف يمكن أن لا يكون ضمانها قيمياً؟ فالحاصل: إذا كان ضمان القيمي قيمياً فضمان القيمة المحضة التي هي النقد قيمي لا محالة. وفرق هذه المحاولة عن سابقتها أنّه في تلك المحاولة يدّعى اختصاص ضمان المثل ممّا بالسلع الحقيقية والتي لها منفعة ذاتية حقيقية، وأمّا المدّعى في هذه المحاولة فنكتة اُخرى هي أنّ حقيقة النقد هو كونه قيمة محضة للأموال الاُخر فيكونضمانها قيمياً كالأموال القيمية بل هو أولى منها، وهذه المحاولة لو تمّت لجرت في النقد الحقيقي أيضاً بخلاف المحاولة السابقة.
وفيه: أنّ هذا مجرّد تعبير وتلاعب بالألفاظ، وإلاّ فالنقد ليس مالية وقيمة محضة، كما أنّ الضمان ليس للعين بما هي قيمة ومال، بل للمال والنقد بل هو مال أيضاً، أي شيء له المالية والقيمة كأي مال آخر غاية الأمر باعتبار كونه مرغوباً لدى الكلّ وقابلاً للبقاء وعدم الفساد وغيره من خصائص النقدية والرواج سواء في النقود الحقيقية أو الاعتبارية أصبح هذا المال صالحاً لأن يقبل في قبال كل سلعة اُخرى فتكون مرغوبيّته أوسع دائرة من أيّة سلعة اُخرى، وهذا لا يغيّر حقيقته من حيث كونه شيئاً له المالية والقيمة فإذا تلف أو ضمنه الضامن اشتغلت ذمّته بمثله، لأنّ له المثل في الخارج على حدّ سائر الأموال المثلية بخلاف السلع القيمية كالفرس مثلاً فإنّه عند تلفه وضمانه لا يكون له المثل عادة فيكون ضمانه قيمياً.
المحاولة الخامسة: إنّ النقد الحقيقي كالدرهم والدينار مال مثلي فيكون ضمانه مثلياً أيضاً، وأمّا النقد الاعتباري فهو ليس إلاّ مجرّد سند عمّا اعتبرته الجهة المصدّرة له وتعهّدت به من القيمة المعادلة والرصيد المحفوظ بإزائه عند تلك الجهة والذي يكون من الذهب عادة، فيكون المضمون معادله من الذهب، فلا بدّ وأن يدفع الضامن نفس ذلك المقدار من الذهب أو ما يعادله من ذلك النقد، فيكون التضخّم ونقصان قيمة النقد مضموناً بهذا الاعتبار. وفرق هذه المحاولة عن سابقتها هو إنكار أصل المالية الاستقلالية للنقود الورقية واعتبارها مجرّد سندات على الدَّين والالتزامات.
وفيه: أنّ هذا ربّما كان صحيحاً في بعض الأدوار التأريخية التي مرّت على النقود الورقية وأمّا اليوم فلا أساس له من الصحّة.
وتوضيح ذلك: أنّ النقد الورقي قد مرَّ بأدوار أربعة:
الدور الأوّل: دور نيابتها عن أرصدتها من ذهب وفضة التي كانت مودعة في خزانة الجهة المصدّرة لها، ولم تكن هذه الأوراق إلاّ حاكية عن وجود تلك الودائع والأرصدة وسنداً محضاً عليها.
الدور الثاني: حينما أحسّ المصدّرون لتلك الأوراق بأنّهم غير مضطرّين إلى الاحتفاظ بتلك الأرصدة والودائع بمقدار الأوراق الصادرة، لأنّ أصحابها سوف لن يطالبوهم جميعاً في وقت واحد بتسليمها فتبدّلت بالتدريج فكرة الاحتفاظ بالأرصدة والنقود الحقيقية كوديعة لصاحبها إلى فكرة التعهّد والضمان من قِبل الجهة المصدّرة لتلك الأوراق بدفع الرصيد لمن جاء بالورقة إلى مُصدّرها فاستطاعت تلك الجهة أن تستفيد ممّا أودع عندها من الذهب والفضة أعني النقود الحقيقة، لأنّها أصبحت ملكاً لها فأعطتها لآخرين في معاملات تجارية وهم بدورهم أيضاً أودعوها عند تلك الجهة في قبال إصدار سند لهم وهكذا أمكن لتلك الجهة أن تتعهّد بأضعاف ما أودع عندها من النقود الحقيقية وإصدار سندات عليها. وبذلك أصبحت الجهة المصدّرة مدينة لصاحب الورقة بمقدار رصيده وأصبحت الورقة كالشيكات اليوم سنداً على القرض، فهي تحكي عن رصيد في الذمّة لا رصيد خارجي ووديعة كما في الدور السابق.
الدور الثالث: حينما أحسّت الدول بأهمّية وخطورة هذه الأوراق وقدرتها على نيابة النقود الحقيقية من ذهب وفضة بأكثر من واقعها فتدخّلت في المنع عن إصدارها من قبل الجهات الشخصية قانوناً فأصدرت بنفسها الأوراق وسنَّت القوانين لحمايتها ورسميّتها وتعهّدت بجعل مقدار الرصيد بإزاء ما يصدر منها بالذهب أو الفضة لكي تبقى معتبرة بين الناس وسائر الدول، وعندئذٍ أصبح هذا التعهّد تعهّداً مستقلّاً عن ترجمة الورقة للرصيد بأنّ من أتى بشيء منها إلى الجهة المصدرة قدّمت له من الرصيد بقدره، فلم تعدّ الورقة شيكاً أو سنداً على ذمّة المتعهّد، بل أصبحت ذات مالية مستقلّة وتعهّد الدولة أو القانون بالرصيد لم يعد إلاّ حيثيّة تعليلية لاعتبار المالية لهذه الأوراق.
الدور الرابع: هو الدور المثبَّت اليوم عالمياً حيث اُلغي التعهّد من قبل الدور المصدّرة لتلك الأوراق بدفع الرصيد أو الاحتفاظ به بمقدارها نهائياً، وأصبح طبع تلك الأوراق المعتبرة قانوناً على أساس معادلتها مع واقع الثروة والإمكانات الحقيقية التي تمتلكها الدولة طبقاً لمعادلات وحسابات علمية دقيقة يشخّصها الاقتصاد القومي.
وعلى هذا الأساس يعرف أنّ مفهوم الرصيد للأوراق النقدية في الوضع العالمي اليوم لم يعد ما كان سابقاً من مبلغ معيّن في ذمّة شخص أو جهة وإنّما رصيد النقود الورقية لكل دولة عبارة عن مجموعة ما تمتلكه من القدرة الاقتصادية على التعهّد بسلع أو أعمال وخدمات اقتصادية لا بمعنى أنّ مبلغاً معيّناً منها يكون محكياً بمبلغ معيّن من هذه الأوراق كما هو شأن السندات، بل بمعنى أنّ هذه الأوراق تمكّن صاحبها من امتلاك مبلغ من تلك الإمكانات وفق ما تقتضيه قاعدة العرض والطلب ومدى ازدهار وتقدّم الوضع الاقتصادي للبلد. أي إنّ أي شيء يفترض رصيداً لهذه الأوراق فهو محكوم لنظام التضخّم وصعود قيمته أو انخفاضها بالقياس إلى الأوراق في حين إنّ شيئاً ما لو كان رصيداً لهذه الأوراق - بمعنى سندية الأوراق له وحكايته عن ثبوته في ذمّة الدولة المصدّرة للأوراق - لما كان من المعقول هبوط مبلغ ذلك الشيء باستمرار أو صعوده أحياناً، أي إنّ سنداً ما إذا كان حاكياً عن مثقال من الذهب في ذمّة أحد لكان يبقى ما في ذمّته المحكيّ بهذا السند دائماً مثقالاً من الذهب لا يزيد ولا ينقص، والحال إنّ أرصدة الأوراق النقدية ليست كذلك، ولهذا نجد أنّه كلّما تزدهر وتتقدّم الأوضاع الاقتصادية للبلد المصدّر لتلك الأوراق وتكثر فيه الثروات والإمكانات الاقتصادية قويت أوراقه المالية في تجارة خارجية أو داخلية وبالعكس كلّما ضعفت إمكانات البلد وثروته الاقتصادية ضعفت أوراقه المالية وانخفضت قيمتها. فلم يعدّ خافياً اليوم أنّ الأوراق النقدية الرائجة في العالم تعتبر هي الأموال بالاستقلال ولا تعتبر سندات حاكية عمّا في الذمم، وأنّ مسألة الرصيد لها لا تعني ذلك أصلاً.
وممّا يشهد أو يدل على ذلك الأحكام القانونية المرتّبة على هذه الأوراق حيث إنّه يتعامل معها بما هي أموال مستقلّة لا بما هي سندات عليها فمثلاً إذا تلف أو أتلف مقدار منها كان ذلك تلفاً للمال لا للسند فلا تبقى ذمّة الجهة المصدّرة لها مشغولة برصيدها وما يعادلها لمالكها، كما أنّ إقباضها يكون إقباضاً للمال وليس حوالة على الجهة المصدّرة لها كما في التعامل بالسندات إلى غير ذلك من الأحكام والآثار الحقوقية المترتّبة.
المحاولة السادسة: أنّ النقد وإن كان مالاً مستقلّاً بل ومثلياً أيضاً أي ضمانه بالمثل إلاّ أنّ حقيقة النقدية حيث إنّها تتمثّل في القوّة الشرائية والقيمة التبادلية فيكون الداخل في عهدة الضامن تلك القوّة الشرائية، لأنّ النقد ليس إلاّ عبارة عن القوّة الشرائية المتجسّدة في الخارج فيكون المضمون مماثل تلك القيمة والقوّة الشرائية لا محالة.
وفيه: أوّلاً: أنّ لازمه أن لا يجب على الضامن دفع الزيادة إذا ارتفعت قيمة النقد وقوّته الشرائية، لأنّ الضامن قد ضمن القوّة الشرائية المحضة المتجسّدة في الورقة لا غير.
وثانياً: أن القوّة الشرائية بهذا المعنى أمر معنوي انتزاعي لا يفهمه العرف ولا يعتبره هو المال الخارجي، وإنّما المال الخارجي نفس الورقة النقدية والضامن يضمن مثلها لا محالة، لأنّ قيمتها وماليّتها أو قل قوّتها الشرائية حيثيّة تعليليّة أجنبية عن صفات المثل كغيرها من المثليات.
المحاولة السابعة: أنّ النقود إذا كانت حقيقيّة كالدرهم والدينار فقد يقال بعدم ضمان نقصان قيمتها، لأنّ ماليّتها بجنسها الحقيقي والذي هو مال مثلي كسائر الأموال المثلية، وأمّا النقد الاعتباري فحيث إنّه لا منفعة ذاتية استهلاكية له أصلاً وإنّما منفعته بجعله للتبادل فتكون هذه الخصوصية أعني قيمته التبادلية وقوّته الشرائية ملحوظة عرفاً وعقلائياً كوصف حقيقي، فتكون مضمونة كضمان سائر صفات المثل، بل هذه الحيثية قد تعدّ قوام النقد وحقيقته بالمقدار المرتبط باعتبار النقد نفسه لا بارتفاع أو انخفاض قيمة السلع الاُخرى في السوق بتأثير عوامل العرض والطلب عليها. فإذا تغيّرت قيمة النقد من هذه الناحية كما إذا قلّ اعتبار الدولة المصدّرة له وضعفت قوّتها الاقتصادية أو نشرت الدولة كمّيات أكثر منه بلا رصيد حقيقي بإزائه كان هذا التغيير كالتغيّر في الأوصاف العرضية للمثل كالثلج في الصيف والماء في المفازة مضموناً عرفاً، لأهميّته وخطورته وملحوظيّته عرفاً في خصوص النقود الاعتبارية فلا يكون أداء معادله الاسمي وفاءً وأداءً للمثل، وإنّما مماثله المعادل لنفس القيمة والمالية المعتبرة له سابقاً من نفس الجنس، فيكون هناك ضمان للخصوصيّة الجنسية وضمان للقيمة والقوّة الشرائية فيه باعتبارهما معاً من أوصاف المثل، ومن هنا أيضاً لا يصحّ دفع عملة اُخرى من جنس آخر كما أنّ ارتفاع المالية والقيمة لذلك الجنس من النقد يكون للمضمون له، لأنّه ارتفاع لمالية جنس النقد وخصوصيّته المضمونة، فلا يجوز للضامن دفع الأقلّ منهما إذا ارتفعت ماليّته، وفي نفس الوقت يكون نقصان القيمة والقوّة الشرائية مضموناً أيضاً.
وبهذا يكون ضمان النقد مثلياً أي يضمن جنسه كما يضمن سائر المثليات ولا يضمن عنوان القوّة الشرائية الذي قلنا في المحاولة السابقة بأنّه أمر معنوي انتزاعي، إلاّ أنّ مثليّته تتقوّم بخصوصيّته الجنسية وبقيمته وقوّته الشرائية معاً ولكن بالمقدار المرتبط به لا بقيمة السلع الاُخرى من سائر النواحي أي من ناحية مقدار العرض والطلب عليها في نفسها من غير ناحية ارتباطها بقيمة النقد، فإذا كان هبوط قيمة النقد من جهة غلاء الأجناس الاُخرى أو أكثرها لندرتها أو غير ذلك من أسباب ارتفاع قيمة السلع - ومؤشّره أنّ أسعارها ترتفع بلحاظ جميع العملات وأنواع النقود الاُخرى أيضاً لا خصوص النقد الرائج في البلد - فهذا لا يكون مضموناً لصاحب النقد، لأنّ هذه المالية الزائدة لم تكن مربوطة بالمالية التي كان يمثّلها النقد المضمون، وإن كان هبوط قيمة النقد من ناحية تغيّر سعر النقد نفسه لضعف الجهة المصدّرة له اقتصادياً كان مضموناً.
نعم، تبقى مشكلة كيفيّة محاسبة القوّة الشرائية للنقد من تلك الناحية، ولعلّ أفضل طريقة أن يقاس بالنسبة للعملات الاُخرى الثابتة ماليّاتها أو الأجناس الثابتة في ماليّتها نوعاً وعادة كالذهب والفضة أو بالقياس إلى متوسّط سعر السلع في السوق في كل فترة من الزمن.
وهذه المحاولة وإن كانت قريبة من النفس إلاّ أنّ هناك إيرادات وإشكالات عليها لا بدّ من ملاحظتها وتمحيصها وهي كما يلي:
الأوّل: أنّ هذه الخصوصية كما هي ملحوظة في الأوراق النقدية كذلك ملحوظة في الدرهم والدينار من النقود الحقيقية، لأنّ حيثية نقديتها كنقدية الأوراق من حيث ملاحظة العرف لقوّتها الشرائية، ومجرّد كون ذلك على أساس المنفعة الحقيقية في جنسها لا مجرّد الاعتبار لا يوجب فرقاً من هذه الناحية، ولازم ذلك جواز أخذ الزيادة في الدرهم والدينار لدى نزول قوّتها الشرائية، ولا أظنّ التزام أحد بذلك.
ويمكن الإجابة عليه بالفرق بينهما من ناحية أنّ اعتبار العرف للقوّة الشرائية في النقد من صفات المثل التي تدخل في الضمان إنّما يكون في النقد الاعتباري لا الحقيقي، لأنّ نكتته عرفاً ليست مربوطة بحيثيّة النقدية وكون الشيء وسيلة للتبادل ليقال باشتراكه بين النقدين بل مربوطة بحيثيّة اعتبارية ماليّته حيث إنّ النقد الاعتباري إنّما يضرب ليكون تعبيراً عن المالية والقوّة الشرائية المحضة التي يعتبرها القانون، فتكون تلك القوّة ملحوظة فيه بنحو المعنى الاسمي بخلاف النقد الحقيقي حيث يمكن أن يقال فيه بأنّ قوّته الشرائية ملحوظة فيه بنحو المعنى الحرفي وبما هي من آثار خصوصيّته الجنسية الحقيقية فلا تلحظ عرفاً من صفات المثل زائداً على الجنس الحقيقي، وإن شئت قلت: إنّ وجود المنفعة الذاتية والجنس الحقيقي في النقد الحقيقي وكونه هو الملاك الأساس في ماليّته ونقديّته يجعل العرف يتعامل معه كما يتعامل مع الأجناس الحقيقية من حيث الضمان.
الثاني: أنّ القيمة السوقية والقوّة الشرائية للنقد وإن كانت حيثية تقييدية عرفاً أي قوام النقد وحقيقته بذلك حيث لا منفعة ذاتية له، إلاّ أنّ مجرّد هذا لا يكفي لضمان التضخّم ونقصان قيمته السوقية من قِبل الضامن له، لأنّ هذه الصفة أعني القيمة السوقية للنقد من الصفات الإضافية النسبية التي لها طرف آخر وهو السوق ومدى رغبة الناس في النقد وتنافسهم عليه، والصفات النسبية إن كان تغيّرها وزوالها بتغيّر صفة أو منشأ لها قائم بنفس المال كما إذا قلّت رغبة الناس فيه لزوال طعمه أو لونه أو تأثيره فمثل هذا يكون مضموناً ومن صفات المثل، لأنّ تلك الحيثيّة والمنشأ القائم بالمال يكون متعلّقاً لحقّ المالك أيضاً، وأمّا إذا كان تغيّرها لتغيّر طرف الإضافة الذي هو أجنبي عن المال وخارج عنه فلا معنى لأن يكون مضموناً لأنّ ذلك الطرف لم يكن مملوكاً لمالك المال أو متعلّقاً لحقّه كما إذا تصرّف المتصرّف في الجو فأصبح بارداً فلم يرغب الناس في شراء الثلج مثلاً أو عالج الناس بلا دواء بحيث لم يرغب أحد في شراء دواء معيّن فإنّه لا يكون ضامناً لمالية مالهم، وكذلك الحال في القيمة السوقية للنقد فإنّ نقصانها يعني أنّ السوق والناس قلّت رغبتهم فيه ولو لضعف الجهة المصدّرة له إلاّ أنّ المفروض أنّ تلك الجهة لا تزال متعهّدة ومعتبرة للنقد كالسابق وإنّما قلّت رغبة الناس في اعتبارها كما تقلّ في السلع الحقيقية، فهذا تغيّر في جهة أجنبية عن حقّ المالك للمال فلا وجه لأن يكون من صفات المثل ويكون مضموناً، والشاهد عليه: أنّه لو سبّب بالدعاية أو بأي سبب آخر إلى أن تقلّ رغبة الناس في تلك العملة فقلّت قيمتها، بل حتى لو سبّب ضعف الجهة المصدّرة لها لم يكن ضامناً لنقصان قيمة النقود التي بأيدي الناس جزماً مع أنّ هذه الصفة والخصوصية لو كانت من صفات المثل ومضمونة بضمان المثل لزم أن يكون التسبّب إلى زوالها عن العين المملوكة لمالكها موجباً لضمان قيمتها أيضاً، كما إذا تسبّب إلى فساد أموال الناس أو تغيّر صفة من صفاتها الحقيقية المرغوب فيها.
فالحاصل: هناك تلازم بين الحكم بضمان وصف من أوصاف العين المضمونة من باب كونه من صفات المثل في فرض ضمان العين وبين الحكم بضمانه مع بقاء العين اذا تصرف تصرفاً مؤدياً الى زوال الوصف فلا بد من الحكم بضمان نقصان القيمة في الفرض المذكور - وهو مما لا يلتزم به - أو الحكم بعدم ضمانه في فرض التلف أيضاً، لأنَ نكتة الضمان فيهما واحدة، وهي كون تلك الصفة في المال متعلّقاً لحقّ المال فإذا كان له هذا الحقّ فالضمان في الفرضين وإلاّ فلا ضمان فيهما أيضاً.
والجواب: بالفرق عرفاً في الأوصاف النسبية الإضافية بين التصرّف في طرف الإضافة والتصرف في العين فإنّ الأوّل لا يكون موجباً للضمان، لأنّه ليس من التصرّف في حقّ الغير وملكه، بخلاف الثاني فإنّه تصرّف فيه حتى بلحاظ وصفه النسبي وما يوجبه من المالية فيه، فمثلاً إذا كان مال في سوق معّين أكثر ماليّة وقيمة منه في مكان آخر فتارة يتصرّف المتصرّف في المال بأن يأخذه إلى مكان آخر ويخرجه عن ذلك السوق فيكسد فإنّه يحكم بضمانه، وأخرى يتصرّف في السوق بأن يرغّب من فيه بالانتقال إلى مكان آخر فيكسد المال بعد ذلك فإنّه لا يكون ضامناً، لأنّه لم يتصرّف في مال الغير وحقّه. ومقامنا من هذا القبيل فإنّه إذا أتلف النقد الذي له مالية وقيمة سوقية معّينة أو أخذه من مالكه على وجه الضمان فإنّه يعّد إتلافاً أو أخذاً لقوّته الشرائية من مالكه فيضمنه بماله من القيمة والمالية، بخلاف ما إذ أثَّر على السوق فغيَّر من رغبة الناس وتنافسهم على النقد أو أثّر على الجهة المصدّرة له فحاربها اقتصادياً مثلاً فأثّر ذلك في قوّة النقد عالمياً فإنّ هذا لا يعّد تصرّفاً في مال مالكي ذلك النقد.
نعم، لو غصب النقد غاصب ثمّ أرجعه بعينه إلى مالكه بعد أن نقصت قيمته وقوّته الشرائية نتيجة التضخّم الناشئ من هبوط قيمة النقد كان لازم هذا التحليل أن يكون ضامناً للنقصان، كما إذا غصب جنساً فأرجعه فاسداً أو ناقصاً في بعض أوصافه الدخيلة في المالية، ولا يبعد صحّة الالتزام بذلك فقهياً.
لا يقال: فلماذا لا يحكم بضمان نقصان القيمة السوقية في السلع والأجناس الحقيقية المثيلة إذا نقصت قيمتها بعد التلف أو الغصب، كما إذا أتلف منّاً من حنطة فضمنها ثمّ نقصت قيمتها فإنّه لا يجب عليه أكثر من دفع منِّ من تلك الحنطة؟!
فإنّه يقال: إنّ الحكم بعدم ضمان ذلك ليس من الجهة المذكورة في الإشكال، بل لجهة اُخرى وهي كون القيمة حيثيّة تعليليّة لمالية الأجناس الحقيقية لا تقييدية بمعنى أنّ منّاً من تلك الحنطة يعدّ عرفاً نفس ذلك المال التالف لا أقلّ منه إلاّ إذا فكّرنا بعقلية تجارية حسابية لا تكون ميزاناً للأحكام العرفية والعقلائية، فلو اُريد ضمان نقصان قيمة السلعة زائداً على منٍّ من تلك الحنطة من باب دخل ذلك في المثلية فليست القيمة السوقية دخيلة في ذلك في الأجناس الحقيقة كما أشرنا، وإن اُريد ضمانه بعنوان ضمان القيمة السوقية مستقّلاً وابتداءً فالضمان لا يتعلّق إلاّ بالمال لا بالمالية وإنّما المالية حيثيّة تعليليّة في المال المضمون فإنّ هذا هو المستظهر من أدلّة ضمان الأموال الشرعية والعقلائية، وهذا بخلاف النقد الاعتباري المحض فإنّ قيمته وقوّته الشرائية تمام حقيقته وقوامه فتكون حيثيّة تقييدية فيه أي إنّ مالية النقد الاعتباري تكون بقيمته التبادلية والشرائية لا بجنسه الحقيقي، إذ لا قيمة له، ولا باعتباره، لأنّ الاعتبار بما هو اعتبار ليس مالاً وإنّما الماليّة بما وراء ذلك الاعتبار من القوّة الاقتصادية في الجهة المصدّرة والتي تجعل الورقة النقدية فيها قوّة شرائية تبادليّة حقيقية، وهذا يعني أنّ مالية هذه الأوراق إنّما تكون بنفس قوّتها التبادلية والشرائية لا بشيء آخر فلا محالة يكون مثل النقد المأخوذ أو التالف أولاً ما يعادله من نفس النقد في قوّته الشرائية التبادليّة، وبهذا يدّعى الفرق بين النقود الاعتبارية والأموال الحقيقية.
الثالث: أنّ ضمان نقصان قيمة النقد - التضخّم - يستلزم تجويز الربا والفائدة بمقدار سعر التضخّم، فإذا أقرضه مثلاً عشرة آلاف تومان لسنة فأصبحت قيمتها الشرائية عند حلول الأجل نصف ما كانت عليه في السابق استحق الدائن على المدين عشرة آلاف اُخرى إضافية، وهذا مصداق للربا المحرّم، بل قد يكون سعر التضخّم أكثر من سعر الفائدة الربويّة اليوم، فكيف يمكن الالتزام بذلك؟
ويمكن الإجابة على هذا الإشكال أيضاً:
أولاً: بأنه لا بأس بالالتزام بذلك، لأنه ليس رباً، إذ ليس كل زيادة عينيّة أو اسمية ربا في باب القرض وإنّما الربا هو الزيادة على رأس المال أي زيادة مال على أصل المال المسلّف، وهذا لا يصرق في المقام فلا يشمله إطلاق الآية أو روايات حرمة الربا، إذ الزيادة إن كانت من جهة المالية والقيمة التبادلية فالمفروض مساواتها مع الأصل نتيجة التضخّم وهبوط قيمة النقد، وإن كانت من جهة الزيادة الاسمية وأنّ عشرين تومان أزيد من عشرة فالاسم أو الاعتبار بما هو اسم أو اعتبار ليس مالاً كما أشرنا وإنّما ماليّته بلحاظ قوّته التبادلية والشرائية وهي معادلة للأصل، وبهذا ظهر الفرق بين النقد الاعتباري والأجناس الاخرى فإنّ منّين من الحنطة مال أزيد من منّ واحد ولو نقصت قيمته السوقية، فيصدق فيه الزيادة في المال على رأس المال فيكون رباً محرّماً.
فالحاصل: المستفاد من ذيل آية الربا وممّا ورد في تفسير الربا وأنّ كل شرط جرّ نفعاً فهو ربا أنّ الميزان والمقصود من الربا - الذي يعني لغة الزيادة - ليس مطلق الزيادة حتى إذا لم تكن لها مالية ونفع كما لو زاد شيئاً لا مالية له كالميتة مثلاً، بل الزيادة في المالية وبلحاظ رأس المال وهذا يصدق في مورد الجنس الحقيقي مساوياً ولكن اشترط شرط زائد له مالية ونفع وأمّا إذا لم تكن الزيادة إلاّ عنواناً واسماً من دون جنس حقيقي زائد كما في النقد الاعتباري فلا تصدق الزيادة في رأس المال ولا النفع، فلا تشمله أدلّة الربا ولا دليل كلّ شرط جرّ نفعاً فهو ربا، لأنّه لا يصدق عليه أنّه شرط يجرّ نفعاً له، إذ لا نفع فيه له مع فرض التساوي في القيمة التبادلية، وإنّما هو حفظ لنفس رأس ماله، كيف! وإلاّ قد ينسدّ باب القرض الحسن على الناس مع التضخّم المستمر اليوم في باب النقود الاعتبارية في عالمنا الثالث، لأنّه يؤدّي إلى خسران أصحاب الأموال المقترضة لأصل رؤوس أموالهم عمّا أسلفوها
وثانياً: لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بعدم جواز أخذ النقصان حتى بالشرط فغايته عدم ضمان سعر التضخّم في عقد القرض لا في سائر عقود الضمان فضلاً عن ضمان الغرامة بالتلف والإتلاف. نعم، في العقود لو جعل المقدار والمعادل الاسمي للنقد ثمناً وعوضاً أي لوحظ النقد الاعتباري بما هو نقد اعتباري لا بما هو طريق إلى قدرته الشرائية وقيمته التبادلية لم يستحقّ المضمون له أكثر من معادلة الاسمي، فكيفية ملاحظة النقد تختلف من مقام إلى مقام، فقد يلحظ بما هو هو ويجعل عوضاً في العقد فلا ضمان لنقصان قيمته، وقد يلحظ بما هو طريق إلى القيمة التبادلية والسوقية ويجعل ثمناً فيكون مضموناً بقيمته الشرائية لا محالة.
الرابع: أنّ مقدار التضخّم وهبوط قيمة النقد لو كان مضموناً فهذا يؤدي إلى الارتباك والتردّد في مقدار الديون والأثمان في عقود الضمان، بل وكذا في الضمانات القهرية، لأنّ التضخّم في النقود الاعتبارية اليوم أمر واقع لا محالة وهو تدريجي مستمر، فلا بدّ للدّيان من محاسبة مالهم على المدينين في كلّ يوم ويطالبونهم بمقدار أكثر حسب تغيّر سعر العملة التي تعاملوا بها، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به فقهياً، ولا تلتزم به القوانين المدنية اليوم أيضاً. خصوصاً إذا لاحظنا أنّ أسباب التضخّم وأنواعه ودرجاته مختلفة ومتعّددة فهل يحكم بالضمان فيها جميعاً أو في بعض دون بعض؟
ويمكن الجواب على هذا الإشكال بالتفصيل بين ضمان الغرامة بالتلف والإتلاف، وبين الضمان العقدي أي ضمان المسمّى، ففي الأوّل يلتزم بضمان نفس القوّة الشرائية والقيمة التبادلية التي كانت للنقد في زمان تلفه، ولا محذور فيه ويكون نظير ضمان القيميات على القول بكون الميزان فيه بقيمة يوم الأداء فتحسب القيمة والقوة الشرائية المعادلة يوم الأداء، وفي الثاني لا مانع من الالتزام بأنّ النظر العرفي في الأثمان ملاحظة النقد بما هو هو أي بماله من القيمة الاسمية، فإذا اشترى شيئاً بألف تومان نسيئة يكون ظاهر الحال أنّ الثمن هو ألف تومان لا ما يعادله في القوّة الشرائية من التوامين إلاّ إذا اشترط ذلك صريحاً أو ضمناً بنحو لا يلزم منه الجهالة في مقدار الثمن كما إذا اشترط ضمان نقصان قيمتها، ولا يبعد وجود شرط ضمني نوعي في موارد التغّير والنقصان الفاحش.
وأمّا بالنسبة إلى أسباب التضخّم وأنواعه فقد أشرنا في المحاولة السابعة إلى أنّه يكون التضخّم ونقصان قيمة النقد لارتفاع قيمة السلع الاُخرى بسبب قلّة عرضها وإنتاجها فمثل هذا لا يبعد كونه كالقيمة السوقية للسلع الحقيقة ليس من صفات المثل فلا يكون مضموناً إلاّ بالشرط في ضمن عقد لازم. واُخرى يكون سببه ضعف اعتبار الجهة المصدّرة للنقد وضعف إمكاناتها الاقتصادية أو إصدارها للنقود بكمّيات زائدة من دون وجود قدرة حقيقية وراءها فهذا يعتبر من صفات المثل للنقد فيكون مضموناً على القاعدة.
وهكذا يتلخّص من مجموع ما تقدّم أنّ ضمان نقصان قيمة النقود الاعتبارية يتوقّف على الجزم بأنّ العرف قد ينظر إلى النقد الاعتباري بما هو مال تتقّوم ماليّته بماله من القوّة الشرائية والقيمة التبادلية لا بماله من القيمة الاسمية أو الاعتبار القانوني فيكون مماثلا ما يعادله من نفس النقد الاعتباري في قيمته التبادلية، فإذا تمّ ذلك ثبت الضمان على القاعدة وإلاّ كان مقتضى الأصل عدم ضمان الًكثر من معادله الاسمي.
وربما يستدلّ على الضمان بطرق واستدلالات اُخرى غير هذا الطريق الذي سلكناه نشير إلى بعضها بعنوان محاولات اُخرى.
المحاولة الثامنة «التمسّك بقاعدة العدل والإنصاف لإثبات حقّ للمضمون له وإنّ حرمانه من القوّة والقيمة الشرائية التي كانت لنقوده سابقاً ظلم عليه.
ويلاحط عليه:
أولاً: بالنقص بالجنس إذا فرض نزول قيمته كذلك كما إذا كان قد أعطاه أو أتلف عليه ألف مثقال من فضة سابقاً حينما كانت تساوي مئة مثقال من الذهب وهي اليوم لا تساوي عشرة مثاقيل ذهب فهل يلتزم فيه أيضاً بالضمان؟
وثانياً: بالحّل وحاصله:
إن اُريد بقاعدة العدل والإنصاف التمسّك بأدلّة حرمة الظلم وسلب حقّ الغير عنه فمن الواضح أنّ هذا فرع ثبوت حقّ للمضمون له في ضمان مالية ماله من قبل الضامن في المرتبة السابقُ فيكون إثباته به مصادرة، على أنّ حرمة الظلم أو قبحه لا يثبت الضمان الذي هو حكم وضعي.
وإن اُريد به ما ورد في بعض الروايات الخاصّة من الحكم بالتنصيف في موارد التردّد واشتباه مال بين اثنين وليس لأحدهما يد عليه أو حلفا جميعاً عليه ونحو ذلك - كما في معتبرتي غياث وإسحاق بن عمّار(٢) وخبري عبد الله ابن المغيرة(٣) والسكوني(٤) - والتي قد يدّعى استفادة كبرى كليّة ارتكازية منها وأن الحكم بالتنصيف بينهما في فرض تساويهما من حيث أدلّة الاثبات إنمّا هو بملاك العدل والإنصاف بينهما فمن الواضح أنّ مورد تلك الروايات وذلك الإرتكاز - لو ثبت - إنمّا هو الشبهة الموضوعية أي تردّد مال خارجاً ودورانه بين شخصين لا الشبهة الحكمية والشكّ في أنّ الضامن هل عليه أكثر من المثل أم لا فإنّ الشكّ هنا في أصل الشبهة الحكمية والشكّ في أن الضامن هل عليه أكثر من المثل أم لا فإن الشكّ هنا في أصل الحقّ لا في ترددّه خارجاً بين اثنين فلا معنى لاستفادة هذا من ذاك المفاد، اللّهمّ إلاّ بدعوى أنّ العقلاء يرون هذا الحقّ للمضمون له، وهذا رجوع إلى ضمان المالية عقلائياً ابتداءً، ولا ربط له بقاعدة العدل والإنصاف المصطلحة.
المحاولة التاسعة: إثبات ضمان نقصان مالية النقود الاعبتارية بملاك الضرر وأنّ الضامن لو لم يجب عليه أكثر من المعادل الاسمي لما أخده من المضمون له لزم تضرّره، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
وهذا مرجعه إلى أنّا لو لم نتمكّن من إثبات ضمان نقصان المالية من باب كونها من صفات المثل في خصوص النقد أمكن إثباته بقاعدة لا ضرر، حيث يقال بأنّ العرف في باب الأجناس والسلع الحقيقية لا يرى صدق الضرر إذا ما أرجع له نفس الجنس الذي أخذه منه فمن يُرجُع منّاً من الحنطة لمن أخذه منه لا يصدق في حقّه أنّه أضرِّه وأنقص ماله إذا تغيّرت قيمته زمان الأداء عن زمان الأخذ، لأنّ ماليّته متقوّمة بمنفعته الاستعمالية الحقيقيّة الثابتة فيه بالتمام كما كانت في المأخوذ منه، إلاّ إذا فكّرنا بعقلية وذهنية تجارية خاصّة ليست ميزاناً في صدق عنوان الضرر في الأدلة.
وأمّا في باب النقد فحيث إنّ قوامه وحقيقته بقيمته التبادلية السوقية حيث لا منفعة اُخرى فيه فيصدق الإضرار عرفاً بمجّرد نقص ماليّته في زمان الأداء عن زمان الأخذ.
نعم، قد يقال:
بأنّ هذا الوجه لا يجري في موارد العقود التي أقدم فيها الشخص بنفسه على جعل مقدار معين من ذلك النقد الاعتباري إلى أجلٍ معّين في ذمة الضامن بدلاً عن ماله، فأنّه إذا نزلت قيمته مع فرض عدم التخلّف من قبِل الضامن في الأداء لم يكن ضامناً، لأنّه ضرر قد أقدم عليه المالك بنفسه، فيثبت ضمان نقصان المالية في غير هذه الحالة كما في حاله التلف والإتلاف - ضمان الغرامة - أو الغصب أو التأخير عن الأداء، فيضمن النقصان الحاصل في زمان التأخير لا أكثر، لكونه إضراراً منه على المالك.
المحاولة العاشرة: دعوى صدق الإتلاف للمال في مورد نقصان قيمة النقد حين الأداء عن زمان الأخذ فيما إذا كان أخذه بدون رضى المالك وإذنه كما في موارد الغصب أو الإتلاف بل والتلف بدون إذنه بل وفي موارد التأخير عن الأداء للدين مع استحقاقه فتنزل قيمته، فإنّه في كل ذلك يمكن أن يقال بصدق إتلاف مال الغير في خصوص النقود، لكون القيمة والمالية فيها حيثية تقييدية لا تعليلية بخلاف سائر السلع، فالحاصل، يدّعى في هذه المحاولة أنّ عنوان إتلاف المال الذي هو موضوع ضمان الغرامة صادق في النقود إذا تحقّق موجبه، لكون المالية والقيمة فيها ملحوظة عرفاً كحيثيّة تقييدية لا تعليلية فيشملها إطلاق أدلّة الضمان بالتلف أو الإتلاف.
وهذه المحاولة تتوقّف صحّتها على قبول هذه الدعوى وعرفية التفصيل بين السلع الاُخرى والنقود من هذه الناحية، وعهدتها على مدّعيها.
المحاولة الحادية عشرة: أن يدّعى ثبوت حقّ الفسخ أو التعويض في موارد هبوط قيمة النقد هبوطاً فاحشاً في العقود والالتزامات التي لم يستلم فيها الطرف الثمن لكونه نسيئةً أو لأيّ سبب آخر: إمّا بملاك وجود شرط ضمني ارتكازي بحقّ الفسخ في مثل هذه الحالات الاستثنائية فيكون كالشروط الارتكازية الاُخرى كعدم الغبن والعيب فيرجع إلى خيار الشرط، أو بقاعدة لا ضرر بناءً على إمكان نفي اللزوم الضرري الحاصل من العقد عن الطرف المتضرّر بنكتة غير راجعة إلى تقصيره، ومنه المقام فإنّ الضرر المذكور ليس راجعاً إليه، ولو كان يعلم به لما كان يقدم على البيع مؤجلاً بذلك المقدار من النقد جزماً وإنّما كان ذلك نتيجة عدم علمه بما سيؤول إليه النقد، فهو إنّما أقدم بانياً على بقاء المالية لذلك النقد وعدم انخفاضها الفاحش، وهذا ليس بأقلّ من الغبن الذي أثبتوا فيه الخيار بقاعدة لا ضرر. وهذه المحاولة لو تمّت صغراها فهي تجدي في موارد العقود والالتزامات لا الديون والضمانات، كما هو واضح.
المحاولة الثانية عشرة: إثبات ضمان نقصان القيمة للنقد في الديون، بل والعقود أيضاً إذا كان دفعه بعنوان إشغال ذمّة المدين بحيثيّة ماليّته وقيمته بالقياس إلى السلع أو العملات الاُخرى لا بحثيّة مثليته سواءً اعتبرنا ذلك من باب إقراض المثلي بقيمته نظير قرض القيمي - بناءً على جوازه وصحّته في المثلي أيضاً حيث لا دليل على المنع عنه إلاّ شبهة حصول الربا القرضي الذي أجبنا عليه سابقاً فيمكن أن يملّكه النقد على أن تشتغل ذمّته بقيمته وماليّته وقوّته الشرائية من نفس الجنس من النقد في ذمّته - أو أرجعنا ذلك إلى معاملة اُخرى غير القرض كالبيع مثلاً. فلا محالة يجب على المدين أداء معادله في القيمة من ذلك النقد عند الوفاء.
إلاّ أنّ هذه المحاولة بحاجة إلى إعمال مثل هذه العناية التي لا تكون ملحوظة في إقراض النقود عادة. كما أنّه بناءً عليه سوف لن يستحق الدائن ارتفاع قيمة نقده أيضاً كما في قرض القيمي فإنّ الميزان فيه بقيمة يوم القرض. اللّهمّ إلاّ إذا قلنا بجواز تضمين الجنس والقيمة معاً وإنّ الإقراض للمثلي يجوز فيه ذلك فتكون النتيجة ضمان النقصان والزيادة معاً.
لا يقال: على هذا يثبت الضمان أيضاً فيما إذا سبّب نقصان قيمة النقد بالدعاية ضدّه مثلاً في السوق أو عرض كميات كبيرة منه بحيث أوجب نقصان قيمته، كما أنّه يلزم أن تكون الدولة المصدّرة للنقد ضامنة لنقصان قيمة نقدها بيد المالكين إذا سبّبت ما يوجب نقصان اعتبار نقدها، وهذا ما لا يمكن الالتزام به فقهياً.
فإنه يقال: بالفرق بين هذه الموارد وبين مقامنا، إذ يمكن أن يمنع صدق الإضرار فيها، لأنّ تصرّف الغير كان من حقّه وفيما يرجع إليه لا إلى مالك النقد فلا يصدق الإضرار، بخلاف ما إذا كان قد غصب أو أتلف عليه ماله أو أخّر أداءه إليه فإنّه بلا حقّ فيصدق عليه الإضرار عرفاً.
وهذا الوجه - لو سلّمنا ما فيه من المصادرة والدعوى العرفية - يتوقّف على إثبات أنّ ملاك الضمان وموضوعه فقهياً إنّما هو الإضرار وأنّ الضمان ضمان مقدار الضرر الواقع على الغير لا تلف المال وضمان بدله مثلاً أو قيمة، وقد تقدّم في بحث آخر الإشكال في إمكان إثبات ذلك بقاعدة لا ضرر أو بالروايات الخاصّة.
أما القاعدة وإثبات الضمان بها، فالإشكال فيه إمّا من ناحية أنّها تنفي الحكم الضرري ولا تثبت حكماً يلزم من عدمه الضرر، أو لأنّ الضمان تدارك للضرر الواقع خارجاً والقاعدة لا تثبت تدارك الضرر وإنّما تنفي الضرر بنفي منشأه وسببه التشريعي.
وأمّا الروايات الخاصّة، فلأنّ الوارد فيها وفي كلمات الفقهاء ضمان ما يتلفه من مال الغير، وأمّا الإضرار بالغير فقد ورد النهي، عنه وهو ظاهر في الحكم التكليفي لا الضمان. نعم، ورد في بعض الروايات «من... حفر شيئاً في طريق المسلمين فأصاب شيئاً فعطب فهو له ضامن»(٥) وهو مجمل من هذه الناحية قابل للحمل على أنّه يضمن المال الذي يصيبه بضمان المثل إذا كان مثلياً أو القيمة إذا كان قيمياً فيكون مساوقاً مع إتلاف المال، وهكذا يكون إثبات الضمان للمالية في باب النقود بملاك الضرر والإضرار مشكلاً.
هذا كلّه في البحث على مقتضى القاعدة، وبه ينتهي البحث عن الفصل الأوّل.

الفصل الثاني
 
وأمّا البحث عن الروايات الخاصّة، فهناك عدّة روايات متعارضة في المقام فينبغي التعرّض لها:
إحداها: معتبرة يونس قال: «كتبت إلى الرضا عليه السلام أنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام وليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب إلي: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس»(٦).
الثانية: معتبرته الاُخرى - بنقل الشيخ - قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه كان لي على رجل عشرة دراهم وأنّ السلطان أسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم أعلى من تلك الدراهم الاُولى ولها اليوم وضيعة فأي شيء لي عليه الاُولى التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب لك الدراهم الاُولى»(٧).
الثالثة: معتبرة صفوان،