لن لمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      أكرم الحسب حسن الخلق. ( نهج البلاغة ٤: ١١)      ظلم الضعيف أفحش الظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر. ( نهج البلاغة ٤: ٧٩)      لا تظنن بكلمة خرجت من أحدٍ سوءاً وأنت تجد لها في الخير محتملاً. ( نهج البلاغة ٤: ٨٤ )      
الدروس > بحث خارج > فقه > الاجتهاد والتقليد الصفحة

الاجتهاد والتقليد
بسم الله الرحمن الرحيم
(المسألة ١: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً).
يقع البحث في المسألة عن نقاط خمسة:
١ـ أنّ هذا الواجب في غير الأحكام الضرورية، وأمّا الضرورية كأصل وجوب الصلاة فلا حاجة إلى أحد هذه الثلاثة.
٢ـ ما هو الدليل على وجوب أحدها؟
والدليل هو بع الإغماض عن قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلَِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ...)(١) التي يستدل بها على وجوب الاجتهاد كفائيا،ً وقوله تعالى: (فَاسْألُو أهْلَ الذِّكْرِ ...)(٢) التي تدلّ على وجوب التقليد وأمثالها، هناك دليلان عقليان:ـ
الأوّل: من الأدلة العقلية على وجوب إمّا الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإنّ الإنسان لو لم يسلك أحد هذه الطرق يحتمل أن يقع في مخالفة التكاليف. وقولنا: (الضرر المحتمل) لأنّه من المحتمل أنْ يصادف عمل التارك الواقع كمريضٍ يستعمل دواء من دون مراجعة الطبيب وصدفة يصادف الواقع.
الثاني ـ من الأدلة العقلية ـ: وجوب شكر المنعم، والذي يدل عليه العقل هو حسن شكر المنعم، وأمّا وصوله إلى درجة الوجوب فليس دائماً، فقد ينعم منعم متمكن جداً بإنعام صغير جداً، فإنّ شكره ليس بدرجة الوجوب، إلاّ أنّ موردنا وهو المنعم الحقيقي الذي غمرنا بأنواع نعمه، فهذا من النوع الواجب، وإلاّ فليس كلّ ما حكم العقل بحسنه يحكم العقل بوجوبه كما ذكر.
فبعد أنْ عرفنا وجود منعم لنا يجب شكره بالشكل الذي هو يريد لا كما نريد، والسيّد الحكيم ـ رحمه الله ـ في (المستمسك) جعل الدليل الأوّل فطرياً والثاني عقلياً، والفطري وإنْ كان قسماً من العقلي لكن نلاحظ على جعله في مقابله، بل نقول: كلاهما عقليان فطريان لغة واصطلاحاً.
أمّا الفطري لغة فما يكون بمقتضى أصل الخلقة، وأمّا اصطلاحاً ـ كما جاء في منظومة السبزواري ـ رحمه الله ـ فهو ما لا يغيب عن درك الإنسان، ويوضحونه بالقضايا التي قياساتها معها.
وكلّ من هذين الدليلين قياساته معه، فأي شخصٍ لو أنعمنا عليه يشعر بلزوم شكر المنعم، كما يشعر بلزوم دفع الضرر المحتمل.
٣ـ أنّ هذه الثلاثة وجوبها عقلي أم شرعي؟
شرعي وعقلي معاً إلاّ أنّ السيّد الاُستاذ الخوئي ـ رحمه الله ـ في (التنقيح) نفى الوجوب الشرعي، وقال ـ رحمه الله ـ : (إنّها واجبة عقلاً لا شرعاً)(٣).
لكن ـ على الظاهر ـ الوجوب الشرعي أيضاً موجود زائداً على العقلي، وليست الأدلة الشرعية الواردة في هذه الموارد كلّها إرشادية إلى حكم العقل كالآيات، مثلاً قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ)، ومن الأخبار كقوله: هلاّ تعلّمت .... (٤)، وما جاء بسند صحيح عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ((طلب العلم فريضة على كلّ مسلم))(٥)، وزيادة ((مسلمة)) وردت في أخبار غير صحيحة.
فقد يكون الشيء واجباً مقدمياً كالوجوب، لكن لا مانع من قيام دليل على إيجاد دليله كقوله ـ عليه السلام ـ ((إذا زالت الشمس وجبت الصلاة والطهور))(٦).
ونترك هذه النقطة من البحث؛ لأنّه يكفينا أصل الوجوب.
٤ـ هل هذه الطرق الثلاثة في عرض واحد أو بعضها في طول الآخر؟
في المسألة اتجاهان متعاكسان في العبادات:
الأوّل منها: أنّ الاحتياط مقدم على بديليه؛ لأنّ الاحتياط يوجب العلم بالواقع، بخلاف الاجتهاد والتقليد فإنّهما ظنيان غالباً، والامتثال القطعي ولو كان إجمالياً ومستلزماً لتكرار العبادة مقدم عقلاً على الامتثال الظني.
والثاني: عكس الأوّل وهو الإجماع الذي نقل عن السيّد الرضي(٧) وأمضاه السيّد المرتضى ـ رحمة الله عليهما ـ القائم على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد.
أمّا الثاني، فلا نوافق عليه؛ لأنّ هذا الإجماع المنقول مبني على أساس التمييز وقصد الوجه في العبادات وبعد إثبات عدم اعتبارهما فلا يهمنا هذا الإجماع.
وأمّا الاتجاه الأوّل فبحسب القاعدة الأوّلية فالحق معه؛ لأنّ العلم مقدم على الظن، ولكن بفضل الأدلة القائمة على كفاية الاجتهاد والتقليد يكون المكلف مخيراً على غرار كلّ ظنٍ جعله الشارع حجة كقاعدة التجاوز والفراغ، فإنّ مقتضاها عدم الاكتفاء بهذه الصلاة لعدم العلم بمطابقتها للواقع، إلاّ أنّه بعد تنازع الشارع وقبوله لهذه الصلاة وبفضل قاعدة التجاوز تكون الصلاة مجزية
فالنتيجة أننّا لا نساعد على أي من هذين الاتجاهين، بل نقول: المكلف مخيّر بينها؛ لأنّ كلا الدليلين ـ دفع الضرر المحتمل ووجوب شكر المنعم ـ متوفران في كلّ من الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
وذكر السيّد الخوئي ـ رحمه الله ـ أنّ الاجتهاد هو الأصل الوحيد، وهو التصدي لتحصيل القطع بالحجة على العمل؛ لأنّ به يقطع بعدم العقاب على مخالفة الواقع(٨).
فبذكره ـ رحمه الله ـ أنّ الاجتهاد والتقليد والاحتياط تكون العلاقة طولية والأصل فيه الاجتهاد ثم التقليد ثم الاحتياط.
٥ ـ هو أنّ الاجتهاد الذي حكمه الوجوب التخييري قد يكون محكوماً بوجوب كفائي أيضاً، أي في نفس الوقت الذي يكون المكلّف مخيراً بين هذه الثلاثة فإنّ التقليد لا يكون وجوبه كفائياً، فلو قلد شخص آخر لم يسقط الوجوب عن هذا، بخلاف الاجتهاد فلو اجتهد شخص آخر سقط الوجوب عمن يمكنه تقليده(٩).

(١) سورة التوبة: ١٢٢.
(٢) سورة النحل: ٤٣، وسورة الأنبياء: ٧.
(٣) التنقيح ١: ١٢.
(٤) هذا مضمون ما رواه الشيخ في أمالية، راجع تفسير البرهان١ : ٥٦٠، من الطبعة الحديثة.
(٥) الوسائل ٢٧: ٢٦ ـ ٢٧، أبواب صفات القاضي، ب٤، ح ١٦، ١٨، ٢١، ٢٣.
(٦)
(٧) إجماع مذكور في الرسائل في مبحث الاحتياط.
(٨) التنقيح في شرح العروة الوثقى ١ : ١٩.
(٩) وبقي هنا بحث عن المسألة الأولى تعرض له الأستاذ في ضمن المسألة الثانية عندما أضاف السيّد الخوئي ـ رحمه الله ـ على كلام صاحب العروة عبارة: (وعادياته) أي المباحات.