أكبر العيب ما تعيب ما فيك مثله. ( نهج البلاغة ٤: ٨٢ )      من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      ترك الذنب أهون من طلب التوبة. ( نهج البلاغة ٤: ٤٢)      إحذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود. ( نهج البلاغة ٤: ٥٤)     خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)      
الحوزة

 > حوزة كربلاء

نضجت الحركة العلمية عند اطلالة القرن الثاني عشر في هذه المدينة المقدسة، وقد تجلى هذا النضج والتعميق في مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني(1)، الأصولية وكذلك برز في نتاج العلامة الشيخ يوسف البحراني(2)، الفقهي، والذي ظهر في كتابه الحدائق الذي يقع في عدة مجلدات وطبع عدة طبعات.

غير أن مدرسة الوحيد البهبهاني قد "افتتحت عصراً جديداً في تاريخ العلم، والتي أكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث"(3).

وعاشت المدرسة قرابة السبعين عاماً وهي تكاد تفتح آفاقا جديدة في الكيان العلمي الكربلائي، كان له صدى حافل بالإكبار والتقدير.

ومن الجدير أن نستمع إلى مصدر يحدثنا عن أثر هذه المدرسة العلمية ومدى ما نالته من اتساع القابليات الفكرية الرائعة، يقول المصدر:

"وقد قدر للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول، نشأت في كربلاء أيضا على يد رائدها المجدد الكبير محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة 1206هـ، وقد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية، وتأييد علم الأصول، حتى تضاءل الاتجاه الأخباري، وقد قامت هذه المدرسة إلى صف ذلك بتنمية الفكر العلمي، والارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى، حتى أن بالإمكان القول بأن ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحققون الكبار قد كان حداً فاصلاً بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه والأصول.

وقد يكون هذا الدور الإيجابي الذي قامت به هذه المدرسة فافتتحت بذلك عصراً جديداً في تاريخ العلم متأثراً بعدة عوامل:

1 ـ عامل رد الفعل الذي أوجدته الحركة الأخبارية، وبخاصة حين جمعها مكان واحد ككربلاء بالحوزة الأصولية، الأمر الذي يؤدي بطبيعته إلى شدة الاحتكاك وتضاعف رد الفعل.

2 ـ أن الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد أشبعت ولم يبق بعد وضع الوسائل، والوافي، والبحار(4)، إلا أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيداً من تلك الموسوعات في عمليات الاستنباط.

3 ـ أن الاتجاه الفلسفي في التفكير الذي كان السيد حسين الخونساري المتوفى 1098هـ قد وضع إحدى بذوره الأساسية زود الفكر العلمي بطاقة جديدة للنمو، وفتح مجالاً جديداً للإبداع، وكانت مدرسة البهبهاني هي الوارثة لهذا الاتجاه.

4 ـ عامل المكان: فان مدرسة الوحيد البهبهاني، نشأت على مقربة من المركز الرئيس للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا من المركز سبباً لاستمرارها ومواصلة وجودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلامذة، الأمر الذي جعل بإمكانها أن تضاعف خبرتها باستمرار، وتضيف خبرة طبقة من رجالاتها إلى خبرة الطبقة التي سبقتها، حتى استطاعت أن تقفز بالعلم قفزة كبيرة وتعطيه ملامح عصر جديد. وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيداً عن المركز وتتلاشى بموت رائدها"(5).

أما بصدد الكشف عن حصيلة هذه الفترة العلمية في كربلاء فيكفي أن تشير إلى:

1 ـ كتاب الحدائق ـ للمرحوم الشيخ يوسف البحراني وقد وقع الكتاب في عدة مجلدات، وتحدثت عنه المصادر المختصة بان كتاب جليل لم يصنف مثله جمع فيه جميع الأقوال والأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار، إلا أنه طاب ثراه لميله إلى الأخبارية كان قليل التعلق بالاستدلال بالأدلة الأصولية التي هي أمهات الأحكام الفقهية، وعمد الأدلة الشرعية(6).

2 ـ كتاب الرياض ـ للسيد علي بن محمد الطباطبائي(7)، وقد وصف بأنه "في غاية الجودة جداً بحيث لم يسبق له مثيل، ذكر فيه جميع ما وصل إليه من الأدلة والأقوال على نهج عسر على من سواه بل استحال(8).

3 ـ كتاب الفصول ـ للشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الحائري(9)، وقد وصفه الخونساري بقوله: وكتابه هذا من احسن ما كتب في أصول الفقه واجمعها للتحقيق والتدقيق واشملها لكل فكر عميق، وقد تداولته جميع أيدي الطلبة في هذا الزمان وتقبلته القبول الحسن في جميع البلدان(10).

ولسنا بصدد أن نحصي حصيلة هذه الفترة لندل القارئ على مدى القابلية العلمية التي تمتع بها قادة الفكر والعلم في كربلاء ضمن هذه الفترة، إنما نرسم له ملامح هذه الفترة من خلال النتاج المبرز فيها. ويكفي أن نرى أن للوحيد البهبهاني، وهو أستاذ هذه الفترة ورائدها ما يقرب من ستين كتاباً في الفقه والأصول، والعقائد، والرجال(11).

__________________________

(1) المولى محمد باقر بن محمد اكمل الأصبهاني البهبهاني، ولد سنة 1118هـ، في أصفهان، وقطن برهة في بهبهان، ثم انتقل إلى كربلاء، ونشر العلم هناك. صنف ما يقرب من ستين كتاباً، وكان رئيس الحركة العلمية في كربلاء في وقته توفي سنة 1208هـ، ودفن في الرواق الحسيني. (روضات الجنات: 124 ـ 125).

(2) يوسف بن احمد بن إبراهيم بن احمد بن صالح بن احمد بن عصفور البحراني وصفته المصادر: بالعالم، الفاضل، المتبحر، الماهر، المتتبع، المحدث، الورع، العابد من أجلة المشايخ المعاصرين ولد في قرية الدراز إحدى قرى البحرين سنة 1107هـ، ثم انتقل إلى كرمان ثم في شيراز وبعدها انتقل إلى العتبات المقدسة، حيث حط رحله في كربلاء مدرساً وعالماً حتى توفي فيها عام 1187هـ ودفن في الحائر الحسيني قريباً من الشهداء. (روضات الجنات: 741 ـ 742).

(3) المعالم الجديدة: 84 ـ 85.

(4) هذه الكتب الثلاثة طبعت في إيران.

(5) المعالم الجديدة: 85 ـ 86.

(6) رجال المامقاني 334 ـ 3.

(7) علي بن محمد بن أبي المعالي الصغير ابن أبي المعالي الكبير الطباطبائي الحائري ابن أخت العلامة الوحيد البهبهاني، تلمذ عليه وتربى في حجره، ولد في الكاظمية سنة 1161هـ. صنف كتباً عديدة في الفقه، ومع هذا فقد اشتهر في الأصول. وتوفي في حدود 1231هـ ودفن بالرواق الحسيني بكربلاء. (روضات الجنات: 400).

(8) رجال المامقاني: 307 ـ 2.

(9) الشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الطهراني الرازي الفاضل المدقق المتوحد في عصره. توفي بأرض الحائر بعد سنين من توطنه فيها وتدريسه الفقه والأصول فيها وإقامة الجماعة فوق الرأس من الحضرة المتعالية سنين متوالية حدود سنة 1261هـ. له عدة مؤلفات. في الفقه والأصول. (مختصر من روضات الجنات: 132).

(10) روضات الجنات: 132.

(11) الكنى والألقاب: 99 ـ 2.