عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار. ( نهج البلاغة ٤: ١٩)      لا ورع كالوقوف عند الشبهة. ( نهج البلاغة ٤: ٢٧)      من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. ( نهج البلاغة ٤: ٨ )      من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)        لن لمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٤)      
الحوزة > المؤسسة الدينية

 > إشكاليات معاصرة في الاجتهاد والتجديد والمرجعية الدينية*

سرمد الطائي *
منذ قرن ونصف تقريباً، ونحن نعيد انتاج اللقطة الاسترجاعية التي نحاول من خلالها قراءة حركة امتـنا في زمن التدهور الحضاري الذي أصابها، والعوامل المؤدية إلى تلك الحركة التراجعية القهقرائية المؤلمة، حضارة كبيرة تحمل على كاهلها تركة ثقيلة من المسؤولية، راحت تتصاغر الأمة امامها، طيلة قرون خرجت فيها ـ ربما ـ عن اطار الزمن! بفعل عوامل غاية في التعقيد، جعلت أسلافنا يختبئون ـ قهراً ـ في جحور خاصة صنع كل منهم لنفسه ما يناسبه منها. طلباً لسلامة الدين والدنيا، بعد مشاهدتهم الفشل المتكرر الذي منيت به مشاريع الاصلاح آنذاك، والتصفيات المأساوية التي طالت القيادات الاسلامية الرسالية، وبعد ان طال الانس بالفضاء الضيق الذي يستوعب (جحر) كل منهم، لو قدر لي ان اعبر، والذي لم يمنعهم من استذكار عصورهم الذهبية والتعلل باطلال المجد المتبقية لتلافي خيبة الحاضر المرّ، خرج الجميع إلى الفضاء الرحب، قسراً ايضاً، ليفاجأوا بمشهد غريب بدأ يزحف اليهم من الشمال، ولم يكن استيعاب ذلك المنظر الجديد سهلاً، فتباينت ردود الافعال، ونشأ عن ذلك في تصوري كل تياراتنا الفكرية المعاصرة، والكارثة التي أربكت الموقف أكثر هي ان الخارجين تواً من المخابئ راحوا يقرؤون واقعهم الغريب ذلك  بأدوات الفضاء الضيق الذي انسوا به قروناً، فراح الفقيه يرى العالم بكل غموضه وتعقيده، على شكل جعول ومجعولات شرعية ويقدم معالجاته (الفقهية التقليدية) في فك طلاسمها، وغير بعيد عن الذاكرة ما يتناقله تأريخنا الحديث عن رجل الدين الذي عاب على الناس استفادتهم من القطار البريطاني الذي انشئ في بغداد اوائل القرن العشرين، وقال لهم «اتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر»، (لاحظ النسبة إلى الله)، ولم يكن الفيلسوف باحسن حالا حتى نقل عن اعاظم المتأخرين من الفلاسفة انه حينما سمع بآلة التصوير الحديثة، لم يصدق محدثه وقال ان هذا محال. وكيف ينتقل العرض من الجوهر بهذه الطريقة!، انه يرى المشهد الغريب متكوناً من عناصر بنائه المعرفي الفلسفي الذي لا يكاد أن يكون قد انس بغيره. وهكذا حال الاصناف الاخرى التي عادت إلى اطار الزمن مرة اخرى .
ان من المكابرة والاجحاف ان ننكر وجود اُناس توفروا على افق رحب مكنهم من استيعاب الواقع الجديد بمستويات مختلفة من الادراك، إلاّ ان حال العموم كان هو صاحب النفوذ واليد العليا التي تضرب بقوة على كل محاولة لرسم الظرف على حقيقته أو الدعوة إلى قراءته، في سياقه وآليات تناسبه. وبعد شوط طويل من المعاناة والنكسات وخيبات الامل، اصبح همّ التجديد في آليات القراءة تلك وأدوات العمل، هاجساً ملحاً يحكم سلوك قطاعات بدت واسعة .
وفي خضم الصخب الذي ولّده ذلك الهاجس، والذي تشكل من آلاف (المدر) حفنات  مطاردة وخائفة، من (التبر)، راحت معايير التقييم تختلط وتتكون بلا ناظم واضح وأضحت صفة التجديد سمة نطلقها بيسر على من نشاء، فصرنا نمتلك حشداً كبيراً منهم، (المجددين)، ولكننا ظللنا نصاب بالذهول والحيرة كلما تحركنا خطوات وراء العناوين البراقة واللافتات التي تتضوع بالألق (الذي اصطنعناه نحن!)، ولم نجد في الماوراء بعد شوط لاهث من البحث والتنقيب، اثر التجديد الذي يبرر لنا الاذعان بامتلاكنا ذلك الحشد من المجددين! أوليس التجديد هو تطور في فهمنا للمتغيرات، أوليس هو مشروعاً اكثر تكاملاً وواقعية في تعاملنا مع ثوابتنا، وتحديد السلطات المعرفية والمرجعيات الفكرية التي لها ان تعين انساق حركتنا وفكرنا لردع الأطر الأخرى الغريبة والغطرسة عن ممارسة دور المرجع الفكري والسلطان المعرفي (على الطريقة الشرقية المحببة!)، أليس.. وليس..؟!
كان علينا ـ ولا يزال ـ ان نسعى لبلورة معايير واضحة للتجديد كي لا نتيه في مزالقه المفرطة من جهة، ولا نتحجر في قوالب تجديدية (مصطنعة) لا حظّ لها من الجدة إلاّ في صياغاتها المتكلفة ذات المحتوى الجامد ذي النزعة الحرفية (والعدمية أحياناً) والتي لا يسعها غالباً ان توفر لذاتها صورة متماسكة فضلاً عن أن تتمكن من تقديم طرح متماسك ينتشل الواقع من تأزماته المعقدة.. ولكن هل فعلنا.. ربما لا.
بين يدينا كتاب «الاجتهاد والتجديد في الفقه الاسلامي» للشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهو مجموعة من المقالات والمحاضرات والحوارات التي كانت مبعثرة هنا وهناك وتم جمعها في كتاب واحد، تتمحور حول عناوين وموضوعات ترتبط فيما بينها بشكل وثيق.
والشيخ شمس الدين ليس وجهاً جديداً على مسرح الفكر الاسلامي المعاصر، بل انه ممثل رئيسي ـ مع آخرين ـ لتيار تجديدي بارز ومخضرم في الوقت نفسه عايش حقباً متعددة من حركة الفكر الإسلامي الحديث، وهو من المفكرين الذين حاولوا وعي الدور المطلوب والوفاء بمقتضاياته  عبر ما قدمه على الطريق، منذ وقت مبكر، فله كتاب «نظام الحكم والإدارة في الإسلام ـ 1955)، «دراسات في الفكر والسياسة والمجتمع ـ 1990»، «الاسلام وتنظيم الاسرة ـ 1973»، «حقوق الزوجية وحق العمل ـ 1995»، وغيرها.
الجدير بالاهتمام في محاولات شمس الدين، هو طبيعة تعامله، مع إشكاليات الفكر والتحديات المعاصرة، التي تحاول ان تحدد كل ذلك بمقاسه الطبيعي، دون ان يهول من شأنها حدّ الارتعاد خوفاً كما يصنع البعض، وبعيداً عن لغة الاعتداد الذي لا حدود له بالنفس، الذي يعمي الابصار عن ملاحظة النواقص وحجم الامكانيات (وهي أحياناً متواضعة).
وعنصر القوة الآخر البارز في عمل شمس الدين هو سعيه الدائب لاستيعاب إشكالية التجديد بالشكل الصحيح، وهو ما يؤهل الباحث لرسم ملامح مشروعه الرئيسية دون الانهماك اللامبرر في صياغة خطاب تعبوي فارغ، يبدو صاحبه وكأنه قادر على تحريك الدنيا كلها بشيء شبيه (بعصا المارشالية) وبنبرة ذات قسمات عسكرتارية ناتئة.
يتجلى شيء من ذلك في بعض الاسئلة التي يطرحها في مقدمة كتابه ساعياً لتحديد ما يحاول الاجابة عنه «التجديد في التاريخ، في الفقه، في نظام القيم، هل هو كحركة خارج الدليل ام داخله، هل هو عملية توفيقية بين المسلمات ومتطلبات الواقع المعاش تؤدي إلى بتر تلك المسلمات عن جذورها لايهام تكيفها مع الواقع؟ ام هو اعادة تأصيل وتجذير لتلك المسلمات بأفق أوسع ونظرة اكثر عمقاً أو اكثر شمولية؟.. هل التجديد هو استمرار متطور للتأريخ، وابداع يستمد من الاصالة ام انقطاع عن التاريخ وخروج عليه وتخل عن الجذور؟... هل التجديد حركة نظرية بحتة، لا تتحمل مسؤولية التغيير العملي، لتترك الشخصية متأرجحة بين التسمك اللاواعي بالجذور وتلقي الطارئ بروح الانفعال ومنهج التبرير، مما يؤدي إلى الوقوع في فخ الازدواجية المدمرة التي تدخل الامة في التيه بين المنطلقات والاهداف وآلية التطوير والموقع الحضاري.. ام هو حركة ممرحلة تتحمل مسؤولية تحويل النظرية إلى انجاز يصوغ الواقع على اسس تحفظ للشخصية توازنها ووحدتها..»(1).
والمراحل التاريخية التي مرّ بها، وحاولت ان تقدم حلولاً جديدة، وكذلك عالجت بعض العناوين مفاهيم من قبيل الاجتهاد، ومناطق الفراغ التشريعي، والمرجعية والتقليد، والخطاب الحركي الاسلامي المعاصر وتجريديته، وبعض الاثارات في مجال حقوق الانسان والصحة النفسية والامراض العقلية. كما تضمن بحثين تأريخيين حاول أن يقرأ من خلالهما مرحلة مرجعية السيد محسن الحكيم ويقدم تقييماته بشأنها.
ومع ان الكتاب جاء بلغة المحاضرة في غالبه ـ وهي نقطة سلبية تسجل عليه ـ إلاّ انه قد ثوت فيه افكار تستحق ان يقف عندها المعنيون بالشأن العلمي والفكري والحركي، واعتقد انها تحاول تقديم نموذج ربما يمكنه تخطي عقبات مهمة تقف أمام ممارسة التجديد، وان لم تقدم رؤية نهائية ومشروعاً متكاملاً لما طرقته من إشكاليات كما أتصور، وهو ما يحتاج إلى بذل مزيد من الجهد.
كان المقرر هو إجراء عرض وتلخيص لما جاء في الكتاب عموماً، إلاّ ان بعض الأفكار المتعلقة بالمنهج اغرتـني بقصر عملي عليها لكي أُؤدي حقها من العرض وأحاول ان أقوم بوصفها أو تقريبها من سياقها العلمي والفكري مما اتصور انه مهم في تقييمها وابراز ما لها من الاهمية أو ما يثار في وجهها من الاعتراضات في حدود الامكان طبعاً، مستبعداً الموضوعات ذات الطابع التاريخي التي تحتاج إلى استئناف جهد ومعالجة خاصة ومساحة اكبر من المخصص فعلاً لهذا الموضوع، على ما هي عليه من الأهمية والإثارة.(2).
مقاربات في الاجتهاد والتجديد
يكفي إلقاء نظرة سريعة على خارطة المدارس الفقهية الاسلامية لادراك حجم الاختلاف في كيفية الاجتهاد في الشريعة، وفي كيفية التعامل مع اشكاليات عملية الاستنباط، ومصادر التشريع وضوابط توظيفها والادوات العلمية الوافدة من الآخر ومدى امكانية الافادة منها في الفقه، ناهيك عن الخلافات المذهبية والسياسية التي ألقت بظلالها على طبيعة الممارسة الفقهية.
المهم في ذلك هو ان تلك الاشكاليات لم تحسم حتى الآن ومازال السجال حولها محتدماً سواء بين المذاهب المتعددة أو في داخل المذهب الواحد سيما مع دخول مؤثرات جديدة في واقع التجربة ساهمت في تأجيج أو استئناف نزاعات قديمة، كمشاكل التطور الذي شهدته الحياة. والنظريات الجديدة في العلوم الانسانية التي لابد وان يتخذ بشأنها موقف اسلامي. باعتبارها قد تهدد اسساً نظرية كثيرة للبناء المعرفي في الاسلام.
وتحت العنوان أعلاه يستعرض الشيخ شمس الدين جملة من تلك الاشكاليات، يحاول قراءتها بنفس جديد وبأُفق يريد ان يتسع لفهم اكثر عمقاً في سبيل تقديم رؤيته حولها.
مفهوم الاجتهاد
يتناول المؤلف مفهوم الاجتهاد، وهو احد الاشكاليات (القديمة ـ الحديثة)، ويقرر «ان ضرورات التجديد في الاجتهاد تفترض التأمل في المفهوم الشائع للاجتهاد، الذي يرادف اليوم المعنى التقني والصناعي مع ان مهماته باتت أوسع بكثير، وتقتضي فهماً جديداً يتوافق ومقتضياته الواقعية»(3).
ويعتقد المؤلف ان لهذا التأمل جانبين، الأول هو المساحات التي تدخل في دائرة اهتمامات الفقيه، حيث ان عدداً من المسائل المهمة لابد وان يشملها الاجتهاد والبحث الفقهي ويحدد لها تشريعاتها، فيتكلم عن ضرورة انشاء (فقه بيئي) يعالج المشاكل البيئية والاخطار التي تهدد البيئة، فيكون ثمة فقه بيئي، كما انه من الضروري تدشين فقه تنظيمي، وعلائقي في مجال العلاقة مع الطبيعة، وعلاقة المجتمع الداخلية والعلاقات الدولية والخارجية وغيرها.
أما الجانب الثاني من التأمل في مفهوم الاجتهاد فهو يتعلق بالمنهج الاجتهادي، حيث يشخص عدة نماذج من الخلل والنقص المنهجي في الممارسة الفقهية، منها مثلاً مساحة آيات الاحكام في القرآن الكريم حيث تعارف الفقهاء على انها لا تعدو الخمسمئة آية، وهذه النسبة تعني ان 10 % فقط من الكتاب الكريم يتعلق بالاحكام فقط، فإذا قدرنا آيات العقائد بـ 10 % ايضاً، فان 80 % هي عبارة عن قصص ومواعظ فقط!، ويقول المصنف ان آيات الاحكام في القرآن تزيد على الالف على اقل تقدير وانه في صدد استقصاء ذلك، بينما يفسر هذا الخلل بضيق الرؤية التي انطلق الفقهاء منها لتحديد ذلك النمط من الآيات، جعلتهم يرون آيات الاحكام المباشرة فقط وهي ما يتصل بفقه الأفراد، غافلين عما يتعلق بفقه المجتمع وفقه الأمة في المجالات السياسية والتنظيمية وغيرها، ويعزو المؤلف هذه الغفلة إلى الانفصال المبكر بين الفقيه والسياسي نتيجة للمضاعفات التي آلت إليها الأوضاع السياسية المتردية في الدولة الإسلامية آنذاك(4).
وفي بيانه لعلاقة الفقه بعلم الأصول، يفترض أن الأصول ولدت لتخدم الحالة الفقهية التقليدية، فلا يمكن في ضوء هذا استخدام نفس الاصول في بناء رؤية فقهية حديثة وإنما لابد ان يتم تطوير تلك الاصول ايضاً، لذا فهو يعتقد ان التجديد في المناهج الدراسية الاصولية الذي نراه في محاولات المجدد الشيخ محمد رضا المظفر والامام الشهيد محمد باقر الصدر، والمحاولات التي جرت في الازهر ونحوها، قد يسرت عملية استيعاب الاصول التقليدية التي تخدم تلك الرؤية الفقهية، ولكنها لم تخط نحو تطوير المنهج الاصولي، بالشكل الذي يؤهله للارتقاء بمستوى الأداء الفقهي.
فتح باب الاجتهاد مكرمة وهمية
في حديثه عن طبيعة الممارسة الفقهية والتطورات التي يشهدها الحقل الأصولي والفقهي. يقول ان من العوامل التي تذكر على انها ساهمت في ذلك التطور، بقاء الاجتهاد مفتوحاً عند الشيعة بخلاف السنة الذين سد عندهم الاجتهاد، ولكن الشيخ شمس الدين يقول ان هذه مكرمة وهمية للشيعة، لانه يعتقد ان باب الاجتهاد إذا كان مفتوحاً في مذهب الشيعة فهو مفتوح في المذاهب السنية وإذا كان مغلقاً عندهم فهو كذلك عند الشيعة لان الحديث تارة يكون عن اجتهاد مطلق في شريعة الاسلام فالشيعة ليس عندهم اجتهاد في هذا المجال وباب الاجتهاد عندهم، لا انه مغلق، ولكن الشيعة هم الذين اغلقوه ـ على حد تعبيره ـ فمن النادر ان تجد فقيهاً شيعياً يعرف فقه المذاهب وله رأي فقهي فيها وفقاً لمنهجها أو وفقاً لمنهجه، اما ان نقول انه ثبت بالبرهان ان اصول الاستنباط عند الشيعة هي الحقة وان كل المذاهب الاخرى هي باطلة فهذه مسألة سهلة ويستطيع الشافعي ايضاً ان يكرر نفس الدعوى، والحقيقة ان الموجود عند الشيعة الامامية ـ والكلام للمؤلف ـ نفس ما هو موجود عند الشوافع والحنابلة وغيرهم، وهو ان لديهم مجتهداً في المذهب فقط، ان قضية سد باب الاجتهاد تعني الاقتصار على المذاهب الاربعة، بهذا المعنى يعتني الامامية بفقههم وفق اصولهم وبدرجة محددة هم يفحصون بعض الاصول الاخرى كالاستحسان وغيرها ويثبتون بطلانها لكن لو فرضنا ان الفقيه الشيعي قيل له اعتبر جدلاً ان القياس صحيح ومارس القياس، فهو لا يعرف ان يقيس، وكذا الحنفي والحنبلي بشأن أصول غيرهم، ان ما يقال حول سد باب الاجتهاد وحصره عند السنة يعني انه اقتصر على هذه المذاهب ولم يعد من المسموح تطوير رؤية فقهية تختلف عنها بمعنى ان اجتهادهم في المذاهب بالتـفريع عليها فقط(5).
الذي اتصوره ان هذا الكلام وان انطوى على اثارات مفيدة، غير انه يبدو انه يفتقد الدقة في بعض جوانبه، إذ من المعروف ان حصر الاجتهاد في المذاهب الاربعة مر بمراحل كان آخرها بعد استيلاء المملوك التركي بيبرس البندقداري على مصر عام (658هـ) حيث اصدر امره بتحريم اتباع غيرها، وكان هذا الحصر بالمستوى الذي ادى إلى ان لا يبقى «في مجموع الامصار مذهب يعرف من المذاهب سوى هذه الاربعة، بدعوى من تمذهب بغيرها وانكر عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة احد ما لم يكن مقلداً لاحد هذه المذاهب، وطول هذه المدة، افتى فقهاؤهم في الامصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذه إلى اليوم». كما يقرره تقي الدين المقريزي في القرن التاسع الهجري(6)، وإلى الحد الذي يجعل مثل الشيخ صديق حسن خان البخاري القنوجي ـ من اعلام القرنين الثالث والرابع عشر ـ يحمل بشدة على من حصر الاجتهاد ويدعو إلى استئنافه من جديد قائلاً «ان من حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة ـ على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز وجل.. فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة المقالة الزائفة، وهل النسخ إلاّ هذا سبحانك هذا بهتان عظيم»(7).
أقول ان هذه الصورة لسد باب الاجتهاد تتباين كلياً مع قيود الاجتهاد المفروضة داخل المذهب الإمامي، إذ ان اتباع المذاهب مقيدون بآراء أئمة المذاهب تلك ولا يمكنهم طبقاً لذلك تكوين رؤية فقهية متطورة تختلف عما هو مطروح في ذلك المربع المذهبي، بينما الفقيه الامامي لا يتقيد إلاّ بمصادر التشريع التي يعتقد بمصدريتها ومنها احاديث الائمة (عليهم السلام) وهم ليسوا مجتهدين لهم مذاهب وانما يكون اتباعهم على اساس خلافتهم التبليغية للرسول (صلى الله عليه وآله)، وليس لدينا تقييد بقول أي فقيه من حيث فقاهته، ومن هنا عدّت حقبة المقلدّة ظاهرة غير صحية في المذهب الإمامي بعد رحيل الشيخ الطوسي، ومن الغني عن الذكر انه لو قدر للظرف الذي طرأ على حركة المذهب السني ان ينتقل إلى مدرسة فقهائنا لما حصلنا على عشر النتائج الفعلية التي حققناها الآن، بل الملاحظ انه لم يصمد جو فقهي معين حتى الآن لفترات غير معقولة في تأريخ العلوم المختلفة، امام تتابع الدراسات النقدية وجهود المجددين من اعلامنا، كما لا يكاد المرء يجد فائدة وضرورة ملجئة لاتقان الفقيه الامامي لأصل معين مع تأسيسه سلفاً لموقف نظري صارم يمنع منه، ولعل الشيخ شمس الدين يريد الاشارة الصريحة اليه في الاوراق التالية، أو انه يحاول التنويه إلى ان فقهنا واجواءنا الفكرية الحالية لا يتوافر فيها القدر الكافي من الحرية العلمية، إذ ان تفاعل بعض الاجواء الاجتماعية السياسية التقليدية والحركية، ادى إلى فرض قيود اكبر على حركة الفقه وإلى ظهور حالة يمكن اعتبارها غريبة على الفكر الاسلامي الاصيل وان كان لها جذورها في نطاق الممارسة العملية التاريخية، وهي ظاهرة التكفير وكيل التهم والرمي بالضلال والانحراف مع استبعاد خيار اللجوء إلى اساليب الحوار العلمي، واقناع الوسط العلمي والامة التابعة بضرورة التعايش مع عالم تتنوع فيه الافكار والتوجهات، لكي لا نكرس الحالة العالمثالثية المقيتة التي تتسلح بالقيد الدوغماتي وتنسب من خرج عنها إلى الهرطقة; طالما ان الحال لم يبلغ الخروج عن ضرورات الاسلام الحنيف.
إقصاء الفلسفة عن أصول الفقه
من جملة ملاحظات المؤلف المنهجية، قوله بأن علم الاصول باعتباره من مكونات الاجتهاد الاساسية يجب ان يخضع إلى تطوير يتناسب والارادة الجديدة المترقبة للاجتهاد، ويعتقد ان هناك مسألة يجب ان تدرس فيما يتعلق بالادوات البحثية التي اخذ علم الاصول في العصور الاخيرة باستخدامها على نطاق واسع، كالمقدمات الفلسفية والكلامية التجريدية. ويسجل في ضوء ذلك نقطة سلبية ـ في رأيه ـ أو ان ذلك يساهم في ابعاد عملية الاجتهاد عن مصادر التشريع الاخرى كالكتاب والسنة، دون ان يساهم ذلك في توسيع مجال الاستنباط الفقهي أو تطويره، يقول «ان منهج البحث الفلسفي يختلف اختلافاً موضوعياً وجذرياً وطبيعياً عن منهج البحث في الكتاب والسنة.. ومع ذلك فاننا استخدمنا فيه منهجاً فلسفياً لا علاقة له بكتاب ولا سنة، حدث خلل في علم الاصول، ووصل حتى إلى مباحث الالفاظ، الآن نجد التأثير الفلسفي حتى في مباحث الدلالة»(8).
ان الذي ينبغي ان يلاحظ هنا هو ان التأثير الفلسفي والعقلي عامة، ظاهرة مسلمة الحدوث، ليس في نطاق علم اصول الفقه فحسب بل حتى في علوم تفسير القرآن، واللغة بل واللسانيات الحديثة وعلوم النفس والاجتماع والفيزياء والرياضيات وغيرها كما يقرره مؤرخو العلوم والباحثون في فلسفة العلم قديماً وحديثاً، ولا نعتقد ان هذا التأثير جاء عفوياً ودون مبرر وانما هو خاضع لمسألة تداخل موضوعات العلوم المختلفة، وان حصل افراط احياناً في توظيف المنهج هذا بشكل يخرج البحث عن طبيعته، كما حصل عند بعض النحاة واللغويين والاصوليين كذلك، إلاّ ان ذلك لا يعني ان نقصي المعطى الفلسفي تماماً عن مباحث هذه العلوم، فكما ان علم الاصول يفيد من الفروع اللغوية لسبب موضوعي وهو دخول مفردات وقضايا لغوية في صميم عملية الاستنباط، فكذلك قد يواجه الاصولي مفردات ذات طابع فلسفي لابد ان تخضع لضوابط المنهج الفلسفي، بل ان الباحث إذا استبعد المعالجة الفلسفية، وعلى سبيل المثال حينما يتقرر عند بعض الاصوليين ان حقيقة الحكم الشرعي هو الارادة الالهية، وان ملاك الحكم هو ادراكه سبحانه للمصالح والمفاسد، فلابد حينئذ لتحديد هذين المفهومين ـ الأساسيين في البحث الأصولي ـ من الافادة من المنهج الفلسفي الذي قدم رؤى معمقة ودقيقة حولهما، وباعتبارهما نحوين من الوجود ويبحثان من حيث كيفية وجودهما واحكام وجودهما. وفي بحث الدلالة كذلك حيث ان الدلالة اللفظية هي قبل كل شيء ادراك ذهني لابد ان يدرس في ضوء المقدمات المعرفية والمعالجات ذات الطابع الابستمولوجي في علم مناهج المعرفة البشرية الذي هو فرع فلسفي ايضاً، مع اخذ خضوع الدلالة للسياقات المعرفية والاجتماعية، سيما وان الغرض هو ان الشريعة لم تتصد عادة لتوضيح هذه المفاهيم وتحديد خصائصها بالمستوى الذي قد يحتاج إليه البحث الأصولي.
ومثل هذا يقال فيما يرتبط بقضايا مثل مقدمة الواجب، وحقيقة الواجبات التخييرية ومسائل الترتب والتزاحم الملاكي واجتماع الامر والنهي واقتضاء الامر بالشيء النهي عن ضده ومشاكل الحكم الظاهري وغيره من المسائل الكثيرة التي تتداخلها قضايا وفروض ومفردات نحتاج في معالجتها إلى الروح العقلية الفلسفية والبحث ذي الطابع الانطولوجي الذي يلحظها من زاوية وجودها وخصائصها وعلاقتها مع عللها أو الموضوعات التي تتبادل معها التأثير والتأثر، وإلاّ فستبقى اشكالية التعامل مع هذه القضايا مع فقدان البديل عليها ووجود ما يمكن توظيفه مقروناً بالمبررات العلمية.
هذا تساؤل أساسي يطرح حول دعوة الشيخ شمس الدين اقصاء البحث الفلسفي عن منهج الاصولي، لكن مع الاذعان بوجود اشكالية مهمة ـ يقرّ بها الاصوليون انفسهم ـ تتمثل بأن هناك موارد وقع فيها إفراط في استخدام مسائل الفلسفة(9) والكلام (وغيرها)، وهو ناشئ من عدم التمييز الكافي بين موضوعات المسائل وحيثيات تناولها منهجياً، فحتى المحقق الاصفهاني الكمباني الذي يعتبر من اكثر متأخري الاصوليين توظيفاً لمعطيات الفلسفة بل والعرفان ايضاً(10)، في البحث الاصولي، يلوم «الاصوليين لتوريط انفسهم فيما ذكره المحقق الدواني من عينية مفهوم المشتق ومصدر اشتقاقه تاركين الفروق بين النظرة الفلسفية والنظرة اللغوية لمفهوميهما»(11).
مما يعزز ضرورة بذل جهود لفرز موضوعات المسائل وحيثيات بحثها، دون اقصاء منهج قد يورث قصوراً في معالجاتنا، وبلا تناول المسألة بشكل احادي ناقص، ولا نعدم محاولات سعت إلى تحديد الانساق المنهجية التي ينبغي ان تسير في اطارها عمليات التوظيف للمعطيات العقلية وتحول تحديد مواطن الخلط واللامنهجية التي ابتلي بها البحث الاصولي)(12).
الجدير بالذكر ان الشيخ شمس الدين لا يقتصر في ملاحظته هذه على تأثير الفكر الفلسفي، وانما يعتقد ان التركة الكلامية قد اثرت في علم الاصول وبالتالي سرى ذلك التأثير إلى مجال الاستنباط الفقهي، ويورد لذلك مثالاً في قضية نظام الحكم الاسلامي «حيث ان المباني الكلامية في مسألة الحكم السياسي في عهد النبوة (عند جميع المسلمين)، وفي عصر حضور الامام المعصوم (عند الامامية) قد عممها الفقهاء على جميع الازمان، اي إلى ما بعد عصر النبوة وعصر الغيبة، ودخلت في المنهج الفقهي وطبقت في الفقه السياسي. فبنيت مسألة السلطة في عصر الغيبة على عقيدة بالامام المعصوم وما يتمتع به من سلطة مطلقة وولاية عامة واعطيت نتائجها الطبيعية، وكأن الغيبة لم تحدث والامام حاضر، وقد اسند سلطته العامة المطلقة إلى الفقيه، ان الباحث إذا تمعن يجد الكثير من الشواهد على هذا الخلل»(13).
النصوص الروائية تشريع أم تدبير ولائي
مع اصرار الشيخ شمس الدين على ان لا يكون منطلق التطوير والتجديد من خارج مصادر التشريع الرئيسية وهي الكتاب والسنة، فانه يعتقد بأن تلك المصادر التي اتفق عليها المسلمون اجمع لابد وان تعالج بمنهج اصولي يجرد عن انحاء الخلل الموجودة فيه لتطوير رؤية جديدة لمداليل المصادر تلك، ولتمثلها بما يناسب الظروف وطبيعة المشاكل الحديثة، واضافة إلى انماط الخلل التي ذكرها سابقاً يبرز وجه آخر للنقص متمثلاً بـ «الارتكاز الفقهي الموجود عن الاصوليين.. في نظرتهما الى النص التشريعي باعتباره نصاً مطلقاً من جميع الجهات من غير فرق بين الكتاب والسنة.. بينما نصوص السنة في بعض الحالات تكون نصوصاً مطلقة، وهي في حالات اخرى ـ ربما تكون معظم الحالات ـ هي نسبية، ان النصوص التشريعية في الكتاب الكريم ليست نسبية بل مطلقة، إلاّ ان ابعادها وهو ما نسميه بالاطلاق الاحوالي، اي المرتبط بتغيرات وضع المجتمع، يطرأ عليها تغيير»، وعليه فـ «لابد من اعادة النظر فيما يعتبره معظم الفقهاء الاصوليين من السنة حكماً شرعياً الهياً بينما كثير منها، اعني نصوص السنة، لا تتضمن احكاماً شرعية الهية، بل تتضمن ما اسميه تدبيرات، وهي احكام تنظيمية ادارية،.. ولها امثلة كثيرة جداً في الشريعة، ان المنهج الاصولي هو الذي ادى إلى تكوين هذه النظرة، فهو يقضي بأن كل ما يعتبر سنة هو وارد لبيان الحكم الشرعي الالهي، باعتبار ظهور حال النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام (عليه السلام) في كونه مشرعاً للاحكام، وان وظيفة النبي هي تبيان الاحكام الشرعية غافلين عن ان من جملة مناصب النبي كونه حاكم دولة، وقائد مجتمع، ورب اسرة،.. فاعتبار ان قول الرسول وفعله وتقريره سنة صحيح، ولكن تصنيف هذا القول والفعل والتقرير بحسب جوانب الحياة التي كان الرسول الاكرم يتفاعل معها، فهذا ما يبدو انهم غفلوا عنه»(14).
ولا يقصد المؤلف انهم غفلوا عنه بالمرة بل لاحظوه في بعض الحالات وعبروا عن بعض السنن انها قضية في واقعة جزئية لا يمكن تعميمها، لكن الذي يشير اليه هو وجود هذه الموارد من نوع التدبيرات والاحكام الولائية بنحو اوسع بكثير من الحالات النادرة التي لاحظوا فيها هذه النقطة(15).
ويحاول المؤلف ان يضع اصلاً اساسياً يكون الاستناد اليه في التمييز بين ما جاء من الروايات للتشريع، وما كان ولائياً تدبيرياً في نطاق خاص، معتمداً على بعض القرائن السياقية وايحاءاتها العامة، إذ «انه ورد توجيه من المعصوم ظاهر في نسبته إلى المعصوم عينه، على نحو، أنا احب كذا، انا اكره كذا، انا انهى عن هذا الامر،.. الخ فالأصل ان نعتبره تدبيراً، إلاّ ان تقوم قرينة على انه تشريعي، واما الروايات التي لا يرجعها إلى نفسه، وانما ينشئ حكمها انشاءً، فنميل إلى اعتبار احكامه تشريعاً، إلاّ ان تقوم ايضاً قرينة على انه خلاف ذلك» .
تطور الاصول وجمود الفقه
يذكر الشيخ ملاحظة جديرة بالاهتمام حول تطور اصول الفقه عند الشيعة، فهو حسب تشخيصه يعتقد ان التطور الهائل لعلم الاصول لم يترك اثراً يذكر على نتائج البحث الفقهي، وبقي تطوراً شكلياً وسطحياً بل يشكك في ان له نسبة تأثير حتى بقدر 1 %! وهو يستند في ذلك الى التطابق الكبير بين فتاوى المتقدمين والمتأخرين من حيث المؤدى والمضمون في الوقت الذي تباينت فيه مناهجهم الاصولية وتطورها على مر تاريخ العلم هذا، بل حتى المساحات ومجالات البحث لم يطرأ عليها اي توسع إلاّ نادراً وهو يقدم تفسيرين لذلك، فاما ان المنهج الاصولي تحول إلى غاية بذاته وخرج عن كونه وسيلة ومنهجاً، وبالتالي فلم يكن الغرض من ذلك التطور إلاّ تطوير علم الاصول دون ملاحظة ما ينتج عنه في واقع العملية الاستنباطية،! واما ان هذا المنهج غير ملائم اطلاقاً لذي المنهج والممارسة الفقهية، ولذلك فهو لم يؤثر اي تغيير، حيث نجد ان تبدل مناهج العلوم حينما يطرأ عليها مثل هذا التطور الملحوظ تتغير نتائجها إلى حد كبير(16).
ان هذه الاشكالية ينبغي ان تعالج بشكل اكثر تفصيلاً وفي ضوء (دراسات ميدانية) ان صح التعبير، لان هناك جملة من القضايا والمباحث الاصولية المعقدة، عندما تنتهي من شوط متعب من البحث المعمق تجد ان الاصوليين يقعون في مأزق لتحديد ثمرتها ونتيجتها العلمية، فيوردون فروضاً عقلية لا كبير مساس لها بالواقع العملي والابتلائي ليصوروا من خلالها ثمرة معينة(17).
الشريعة والتعبد
ينتقل المؤلف إلى ذكر خلل آخر في علم الاصول، وهو تعميم قاعدة التعبد الشرعي واعتباره معياراً عاماً في جميع الحقول الفقهية، مما يجعل النصوص الشرعية غير قابلة للفحص والمقارنة والتظهير، لانها تعبدية، حيث ان هذا دين والدين يقتضي الطاعة، فنتعبد بما وصلنا من الشارع المقدس. لذلك فان الشيخ يعتقد ان التعبد فيما يتعلق باحكام العبادات امر مسلم ولا ريب فيه، واما في مجالات المجتمع فيما يسميه الفقه العام وبعض الفقه الخاص في باب الاسرة أو المكاسب الفردية، فهو لا يعتقد في كثير من التفاصيل ان للتعبد مبرراً على الاطلاق، فلا بد ان تـنزل الامور وفقاً للادلة العليا وللقواعد العامة في الشريعة، وتقارن بمقاصد الشرع الكلية وحكمة التشريع المتصيدة من استـنطاق النصوص وعلى ما نفهمه من المناطات المستفادة من النص أو من مقارنة النصوص حسب ظروفها وملابساته، ويذكر بعض الامثلة الفقهية، مستشهداً بعدد من المعالجات الفقهية للائمة(عليهم السلام).
وفي سياق دعوته الخروج عن الطوق التعبدي الصارم المفروض حول عملية الاستنباط في الفقه الامامي، يطرح المؤلف اشكالية اخرى، فهو يعتقد ان خلافنا مع القائلين بججية القياس والاستحسان يجب ان يكون في دوائر توظيفها وحدود حجيتها لا في اصل عناوينها، ففي الحقيقة لا يوجد هناك تباين كامل ـ حسب اعتقاده ـ بين المذاهب في هذه الادوات الاستنباطية فانه في بعض الموارد التي تعتبر قياساً عند اهل القياس لا يسميها فقهاء الامامية قياساً ويعملون بها، وكذلك فيما يسمى بباب التزاحم في الفقه الامامي فان قسماً كبيراً منها يمكن تصنيفه في باب «سد الذريعة» أو الاستحسان(18). ويتطرق الشيخ شمس الدين ايضاً وفي السياق ذاته الى ان العقل الاصولي الشيعي لم يلج علم المقاصد الشرعية التي توغل فيها العقل الاصولي في المذاهب الاسلامية الاخرى، وهذا صحيح كما يتصور في الابحاث الفقهية التقليدية، ولكن الابحاث الحديثة في الفقه الامامي في اطار محاولات تطبيق الشريعة الاسلامية في ايران وبعض البلدان الاسلامية عربية وغيرها فتحت هذا الباب في الفكر الاصولي، الفقه الامامي(19). ويعتقد المؤلف ان ظروف العزلة التاريخية لفقهاء الشيعة هي العامل الاكبر في الضمور الذي شهده الحقل المقاصدي عندهم، بل ان هذا الانعزال والانصراف عن فقه الدولة والمجتمع إلى فقه الفرد ولّد ظاهرة الاحتياطات في مقام الفتوى والذي يعني اللاموقف تجاه المسألة الفقهية، ويقتضي اللجوء الى اصعب الخيارات في براءة الذمة الاخروية، لكنه انما ينسجم مع فقه الافراد، إما الجاء المجتمع في فقه المجتمع وفقه المعاملات إلى هذا الخيار وفي نسبة عالية جداً من الفروع الفقهية فهو امر صعب، وهو يؤثر بدوره بل يلغي تماماً أي رؤية مقاصدية(20).
المرجعية والتقليد
في فصل خصصه لهذا الموضوع يطرح المؤلف عدة تساؤلات حول الوضع التنظيمي للجهاز المرجعي عند الشيعة، ويقول عن هذا انه حديث بدأ في الخمسينات من هذا القرن، وان السيد الشهيد محمد باقر الصدر قد طرح في كتاباته ومحاضراته رؤية على قدر من الجدة فيما يتعلق بالمهمات المرجعية، (اي فيما يعرف عن السيد الشهيد من مشروع المرجعية الرشيدة أو الموضوعية)، ويعتقد الشيخ ان السؤال يطرح في جانبين، طبيعة مهمة المرجع، وكيفية ادائه لتلك المهمة، كما ان هناك جانباً ثالثاً وهو الجانب التطبيقي الذي مارسه الشهيد الصدر نفسه في حياته ومرجعيته التي كانت بكل اسف مرجعية قصيرة الاجل.. حيث كنا نأمل خيراً كبيراً ونعلق الآمال على مرجعية رشيدة تمتد سنيناً طويلة تتمثل فيه، على حد تعبير شمس الدين، ويشير المؤلف إلى انه استفاد كثيراً من رؤى الشهيد الصدر فيما يطرحه هنا من افكار(21).
يعتقد المؤلف ان العوام لا يقلدون الفقيه، بل هم متبعون للشريعة وليس لدينا اتباع للاشخاص في الفكر الاسلامي، فالفقيه لا يتمتع بأي قداسة على الاطلاق وليس مؤهلاً لان يكون متبوعاً على الاطلاق، ويؤكد ان الفقهاء انما حاولوا تحديد مفهوم التقليد، دفعاً للالتباس الناشئ من الايحاء اللغوي والدلالة اللغوية بانه اتباع وتبعية للاشخاص، ليؤكدوا انه تبعية للشريعة التي تحاول فتاوى الفقهاء تحديدها، ثم يذكر ان وجود مرجعية امر ضروري لابد منه، لان في كل المجتمعات ولغرض تنظيمي نجد مرجعيات سياسية وادارية واجتماعية بمعنى مراكز القرار فكذا في الحقل الديني، ثم يميز بين نوعين من المرجعية، حيث لدينا مرجعية في الشريعة يعني لاستنباط الحكم، ولدينا مرجعية في الدين تبلور المفاهيم الدينية والشرعية مما يحتاج إلى مستوى خاص من الاحاطة والعمق والشمولية تتجاوز كفاءات الفقيه التقليدي، والمرجعية في الدين هي المؤهلة فقط للقيادة(22)، يقول «حتى الامس القريب فان الذي كان يسد النقص المرجعي في الدين ليس الفقهاء، ولعل بعض الفقهاء قاموا بذلك، ولكن الذي سد هذا النقص في العصور الاخيرة هم من يدعون مفكرين أو منظرين اسلاميين، واحدى الخصوصيات البارزة عن السيد الشهيد الصدر انه اعتنى بهذا البعد في المرجعية فكان مرجعاً في المفاهيم ايضاً»(23).
يعتقد المؤلف ان المهام الرئيسية للمرجعية هي الافتاء، وتوضيح المفاهيم الدينية، الدعوة. وإذا أدت هذه المهمات الثلاث فليس من المهم ان تقوم بالمعنى التقني للقيادة لأنها تكون حينئذ قد هيأت المناخ الملائم لاسلام المجتمع ولرشد المجتمع، القيادة تبقى بعد ذلك عملاً فنياً محضاً لا قيمة له من الناحية الجوهرية على الاطلاق.
وبعد اعتباره ان الصيغة والشكل التقليدي للمرجعية صيغة مشروعة وسائغة، يتحدث عن مدى ملاءمتها للواقع ومدى الحاجة إلى تطويرها. ويقرر انها صيغة ناقصة وان كانت مجزية امام الله، ويشير إلى وجود اطروحتين لتقديم البديل.. الاولى تبقي على شخص المرجع وتطور مؤسسة المرجعية التي تتولى الادوار الاخرى غير الافتاء بحيث تصبح مرجعيته في الدين لا في الشريعة فقط. اما الطرح البديل الآخر وهو الذي يتبناه المؤلف فهو تعدد مراجع التقليد استناداً إلى جواز التبعيض في التقليد حيث يكون هناك مجمع فقهاء، كل واحد منهم مجتهد مطلق، وفي الوقت نفسه يعطي اهتماماً كبيراً لحقل بعينه يكون متخصصاً فيه، بالنظر إلى وجود حقول ابتلاء حرجة كفقه الاسرة، والمرأة والاقتصاد، والعلاقات الدولية، وامور اخرى لم تعد مشاكل شخصية حيث ان تنظيم المجتمع الحديث قد جعل حياة الناس موصولة بعضها بالبعض الآخر بشكل كامل وهذا ما لا يمكن لشخص واحد ان ينهض به عملياً، إذ لا يمكن المغامرة بكينونة امة وكينونة مجتمع عند اعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقد محبيه فيه، كما لا يمكن لامة ان تبني امورها على الاحتياط، يقول المؤلف انه لا يمتلك حتى الآن تصوراً  تنظيمياً مفصلاً عن هذا لكن المسألة في حقل التداول(24).
المرجع الواحد ظاهرة كلامية
في تفسيره لظاهرة المرجع الواحد في التقليد يقول المؤلف «انا اعتقد ان الفقه الامامي متأثر إلى حد ما بمفهوم الامامة الواحدة، لان الامام في العصر الواحد لا يكون إلاّ معصوماً، ولا يكون اماماً وحسب، وفي الفقه السني متأثر بالفكرة السياسية عن وحدة الدولة الاسلامية ووحدة الخليفة، انا اعتقد وعندي بعض البينات الفقهية والفكرية على ان الخلفية الشيعية الامامية في هذه الفتوى (او هي ليست فتوى وانما سلوك) هي خلفية كلامية، وكذلك عند السنة، وليست خلفية فقهية ذات اساس فقهي»(25). ان هذه الاثارات بمجملها تبدو مهمة جداً في زمن تصاعدت فيه حدة الاشكاليات المثارة في وجه العمل المرجعي سواء كانت الاثارات تلك ناشئة عن عوامل سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، أو معرفية علمية، كما ان هذه الاشكاليات مع بالغ الاسف لم تأخذ موقعها المناسب من البحث الجاد المتطلع بشكل صريح إلى تلافي الثغرات الموجودة .
ان الدراسات التي تناولت هذه القضايا لم تعمد غالباً إلى النهج الموضوعي الرامي إلى حل الاشكاليات تلك بالدرجة المطلوبة من الوضوح، وقلما وجدت فيها اعترافاً بوجود النقص، بل ان الذي يطغى عليها هو الصبغة الوعظية وتبرير الوضع السائد باشكال من التبرير قد يكون مبرأً للذمة شرعاً، ولكنه لا يرتفع إلى مستوى المسؤولية أمام التحديات الحقيقية الموجودة فعلاً(26).
ويلاحظ المتتبع وجود خطوات جادة نحو هذا التوجه الضروري الذي يراد له تقديم العمل المرجعي والارتفاع بمستوى أدائه واسلوب تفاعله مع الأمة، لكنها تظل جهوداً فردية ومبعثرة لم تتخذ لعوامل مختلفة شكل الخطاب المتناسق المتبلور بعد(27).
وكملاحظة أخيرة، ينبغي ان نسجل على هذه البحوث التي قدمها الشيخ محمد مهدي شمس الدين انها بحاجة ماسة إلى ان تشفع بالدراسات التفصيلية العلمية بشكل اكثر مما لاحظناه فيها في اُسلوب المحاضرة، لكي تأخذ حقها من التنضيج والبلورة وتسدي خدمة إلى واقع التجربة الفقهية والفكرية.
______________________________
* مراجعة في كتاب: الاجتهاد والتجديد في الفقه الاسلامي للشيخ محمد مهدي شمس  الدين، بيروت، 1999.
** كاتب إسلامي مقيم في الجمهورية الإسلامية .
(1) شمس الدين، الشيخ محمد مهدي، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، بيروت، المؤسسة الدولية، ط 1، 1999، ص 7 ـ 8.
(2) اقول تحتاج إلى استئناف جهد ومعالجة خاصة.. سيما اننا لحظنا في بعض ابحاث المؤلف تغيراً في نمط الخطاب وطبيعة المنهج عبر معالجة قضايا معينة، لعله اغفل فيها ما اكد ضرورته من عناصر بحثية في مجمل طرحه الآخر.
(3) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 81.
(4) المصدر نفسه، ص 82.
(5) المصدر نفسه، ص 85 وما بعد.
(6) المقريزي، المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار، ج 2، ص 344، نقلاً عن الطهراني، آغا بزرك، توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد، ص 101.
(7) القنوجي البخاري، حسن خان، حصول المأمول من علم الاصول، الصادر في الاستانة عام 1296 هـ ، نقلاً عن الطهراني، مصدر سابق. ص 113.
(8) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 85.
(9) يلاحظ بهذا الشأن، الرفاعي، عبدالجبار، تطور الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية، الاصدار (19). من سلسلة قضايا اسلامية معاصرة، قم 1999، ص 105 ـ 113.
(10) لاحظ كتابه الاصولي، القيم «نهاية الدراية في شرح الكفاية»  ،والمحقق الاصفهاني كما يعتبر صاحب مدرسة خاصة في اصول الفقه، فانه يمثل احدى القمم الفلسفية في النجف في القرن الرابع عشر الهجري.
(11) جمال الدين، د. مصطفى، البحث النحوي عند الاصوليين، ص 138.
(12) كالدراسات المهمة التي قدمها السيد عمار ابو رغيف في كتابه الذي صدر منه حتى الآن جزآن «الاسس العقلية، دراسة في المنطلقات العقلية لعلم اصول الفقه»، صدر الجزء الاول عام 1998، عن دار الثقلين، بيروت، والثاني في 1999 عن نفس الدار، وممن كتب في هذه الاشكالية من الباحثين الشيعة، لكن في نطاق اوسع يحاول استيعاب مجمل المنظومة المعرفية الاسلامية، الاستاذ يحيى محمد، مدخل إلى فهم الاسلام ـ الفكر الاسلامي، نظمه، ادواته، اصوله، عن دار الرافد، لندن، 1997.
(13) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 89.
(14) المصدر نفسه، ص 86 ـ 87، بتصرف، ولاحظ من المتأخرين الذين اولوا هذا التقسيم للاحاديث اهمية كبيرة، الصدر، السيد محمد باقر، اقتصادنا، تحت عنوان «مبدأ تدخل الدولة»، وشبستري، محمد مجتهد، مدخل إلى علم الكلام الجديد، الاصدار السادس من سلسلة قضايا اسلامية معاصرة، قم، 1998، ص 72 وما بعد، وكذلك مهريزي، مهدي، فلسفة الفقه، الاصدار الخامس من ذات السلسلة، 1998، ص 98.
(15) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 205.
(16) المصدر نفسه، ص 90.
(17) انظر مثلاً، بحوث في علم الاصول، الابحاث العليا للشهيد محمد باقر الصدر في اصول الفقه، اعداد السيد محمود الهاشمي، المجمع العلمي للشهيد الصدر، قم، 1405، ج 3، ص 265 فما بعد، ثمرة مبحث وجوب المقدمة، وكم هي دالة عبارة الشهيد في الجزء الثالث من دروس في علم الاصول، لاحظ القسم الاول، ص 376، يقول «على الرغم من كونها (مسألة وجوب المقدمة) من المسائل الاصولية العريقة.. فقد وقع شيء من التحير لدى باحثيها في ثمرتها الفقهية»!!
(18) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 92.
(19) من المهم الاشارة هناإلى الجهود المبكرة للشهيد الصدر والتي يبرز فيها المنحى المقاصدي الواضح، لاحظ في اقتصادنا «اكتشاف المذهب الاقتصادي»، «نظرية توزيع ما قبل الانتاج»، «مفهوم الاسلام عن التداول» وغيرها.
(20) شمس الدين، الاجتهاد في الفقه الاسلامي، مصدر سابق، ص 92.
(21) المصدر نفسه، ص 142.
(22) المصدر نفسه، ص 142 فما بعد.
(23) المصدر نفسه، ص 154.
(24) المصدر نفسه، ص 156 فما بعد .
(25) المصدر نفسه، ص 155، بتصرف.
(26) لاحظ مثلاً، كراس «المرجعية الدينية في حوار مع المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم، قم، 1419.
(27) من الذين كانت لهم ملاحظات جريئة في هذا الموضوع الامام الشهيد السعيد محمد محمد صادق الصدر (رض)، وذلك في عدة لقاءات صحفية وصلتنا مسجلة على اشرطة حديثة ادلى بها في فترة تصديه للعمل المرجعي في النجف، 1992 ـ 1999، ومن الدراسات الحديثة القيمة التي تناولت البعد المعرفي والعلمي وما يرتبط بذلك من اشكاليات حول الاجتهاد والتقليد، الاستاذ يحيى محمد في كتابه «الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر» صدر عام 1996، عن دار الرافد، لندن.