من كتم سره كانت الخيرة بيده. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      بالإفضال تعظم الأقدار. ( نهج البلاغة ٤: ٥٠)      الغيبة جهد العاجز. ( نهج البلاغة ٤: ١٠٦)      خالطوا الناس مخالطة إن متم بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم. ( نهج البلاغة ٤: ٣)        حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      
الحوزة > المؤسسة الدينية

 > مواصفات المرجعية الدينية الفاعلة

السيد محمد باقر الحكيم

 

دور المواصفات في المرجعية

الانجازات الكبيرة التي قدمتها المرجعية للأمة إنما حصلت بادئ بدء بفضل وعناية الله تعالى وجهاد وتضحيات المخلصين من أبناء الأمة والجماعة الصالحة، ولكن لا شك أن للمواصفات والكمالات التي اتصفت بها المرجعية، ومثلت هذه الصفات امتداداً في حقيقتها ومضمونها لمواصفات الرسل والائمة المعصومين عليهم السلام، الأثر البالغ في ذلك، والله تعالى بموجب حكمته والسنن التي أودعها في حركة هذا الكون والمجتمع الانساني، أوجب أن تكون مثل هذه الانجازات معلولة لوجود المواصفات المعينة التي أتصف بها المخلصون من عباده ومنهم المراجع العظام، وبذلك يكونون قادرين على مواصلة المسيرة وبلوغ الهدف والتأثير في هداية الناس ـ ولذلك كان قانون الاصطفاء والأجتباء (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)(1)، وقال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * واسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجراً إن هو إلاّ ذكرى للعالمين)(2).
ومن هذا المنطلق نعرف بأن مواصفات وشروط المرجعية تمثل المحور الأساس في هذا الموقع والدور الذي يقوم به، لأن المرجع قد تم تعيينه من الله تعالى بالمواصفات، لا بالشخص، على خلاف التعيين في الأنبياء والائمة عليهم السلام، فإن التعيين فيهم بالشخص بعد احراز الصفات منه تعالى فيهم، كما أن الصفات في الوقت نفسه تمثل إحدى الضمانات المهمّة لتحقيق الأهداف وسلامة المسيرة.

الصفات المطلوبة

فما هي هذه الشروط والمواصفات ؟
نقرأ في الرسائل العملية لمراجع الدين الشروط والصفات العامة التي يذكرها الفقهاء بخصوص مواصفات المرجع، وهي مواصفات صحيحة وواقعية، ولكن من خلال اطلاعي على هذه الاوضاع الموجودة في الحوزات العلمية، ومن خلال معرفتي السابقة والفعلية بهذا الأمر أقول: إن هذه الشروط ـ مع الأسف ـ لا تشرح في الدروس العلمية ولا توضح في الأبحاث والثقافة العامة الحوزوية بطريقة تتناسب مع أهمية وخصائص موقع المرجعية.
فعلى سبيل المثال، تذكر مواصفات من قبيل أن يكون المرجع بالغاً وذكراً وعاقلاً وعالماً وعادلاً. لكن لا يتم شرح هذه المواصفات والشروط بالطريقة التي تتناسب وأهميتها أو أهمية وموقع المرجعية، فعندما نأتي إلى شرط (العقل) مثلاً وهو صفة يشترطها الفقهاء حتى في ولي الطفل الصغير، وكذلك في الانسان الذي يحق له التصرف في ماله، إذ يشترط في صحة تصرفه بالمال (العقل) إذ لا تصح تصرفات المجنون والسفيه، وكذلك في الشخص الذي يريد أن يتزوج وفي معاملات البيع والشراء وغيرها من الأمور الكثيرة. ولكن هنا يبدر هذا السؤال المهم: هل أن العقل الذي نشترطه في المرجع هو العقل نفسه الذي نشترطه في مثل هذه الموارد الاخرى ؟ أم أنه لابد من مستوى عال من العقل نشترطه في المرجع بحيث يتناسب ومهمات هذه المرجعية؟
وهكذا في صفة (العدالة) الذي يذكرها الفقهاء كشرط في كثير من الأمور كما في امام الجماعة وفي الشهود ـ شاهدي الطلاق مثلاً ـ أو شاهدي البيّنة لدى القاضي، فهل أن العدالة المشترطة في المرجع هي عينها المشترطة في امام الجماعة أو في الشاهد؟
لقد كان هذا الأمر ـ وهو الفرق بينهما في المستوى ـ واضحاً في الأوساط العامة (السالفة) باعتبارها أوساطاً متفقهة وقريبة من العلماء والمراجع تتعايش معهم وتدركه من خلال الممارسة والتطبيق، فيتناولون هذا الموضوع عن هؤلاء الحواريين والمتفقهين يداً عن يد، وفماً عن فم، وصدراً عن صدر.. أما الآن وبعد هذه التحولات الكبيرة التي أشرت إليها في عالم اليوم، فنحتاج إلى أن نقف طويلاً عند هذه الشروط لأجل أن تصبح المواصفات واضحة في رؤانا متناسبة وهذا الموقع من ناحية، ومع قدرة هذه المرجعية على تحقيق الانجازات الكبيرة والأهداف المقدسة والاستمرار بالمسيرة من ناحية أخرى.
هناك بعض العناوين البارزة في هذه الشروط والمواصفات وهي تحتاج إلى هذه الوقفة والشرح، بخلاف بعض المواصفات الاخرى التي قد لا تحتاج إلى كثير من الدقة والشرح كما هو الحال مع صفة الذكورة والبلوغ الواضحيتن، وهنا أشير إلى ثلاثة عناوين مهمّة:
أولاً: العدالة
من المواصفات التي تستحق النظر طويلاً صفة العدالة، وهي كما يعرّفها بعض الفقهاء: بالملكة وبالصفة النفسية الروحية الثابتة في نفس الانسان من خلال الممارسة المستمرة والتربية الطويلة، بحيث تمنع صاحبها من الوقوع في المحرمات أو ترك الواجبات، وهي حسب تعريف بعض الفقهاء الآخرين: الالتزام بجادة الصواب والاستقامة فيه والتمسك بالواجبات وترك المحرمات. ولكن في المرجع لابد أن نشترط درجة عالية من العدالة تتناسب مع هذا الموقع الهام، وهي عدالة تمثل امتداداً وانعكاساً لشرط العصمة الذي نلتزم به في الائمة الأطهار عليهم السلام، حيث إننا كما نشترط عقلاً وشرعاً في الإمام العصمة; فلابد في المرجع الذي يمثل هذا الإمام أن يكون بمستوى من العدالة يتناسب مع هذا التمثيل للمعصوم وموقع النيابة عنه.
وسأتناول في توضيح هذا الموضوع مجموعة من الاختبارات وتجسيداً للسلوك، تتميز من خلالها عدالة المرجع بمستواها المطلوب عن العدالة العامة في الموارد الأخرى.. فان العدالة بمعنى حسن الظاهر المطلوبة في امام الجماعة والشاهد أو بمعنى الالتزام والاستقامة بأن يصلّي المرجع ويصوم ويحج عند الاستطاعة ويخمس ويزكي ماله المتعلق به الخمس والزكاة، وغير ذلك من الواجبات أو ترك المحرمات... إن هذا الالتزام هو من الأمور الواضحة مصداقاً عند المراجع فلا يمكن أن يكون ذلك أساساً في اختبارات السلوك والاستقامة، إذ لا نتوقع أن نرى أحد المراجع لا يصلّي أو لا يصوم وهو صحيح البدن، ولا نتوقع أن يشك بذلك أحد من الناس، بل لا نجد هذا النوع من الانحراف حتى عند المدعين (زورا) للمرجعية أو غير المؤهلين لها في العدالة المطلوبة في المرجعية، بل لابد من اختبارها في عدة قضايا أخلاقية وسلوكية أخرى ترتبط بطبيعة المرجعية ومهماتها، وهنا أشير إلى بعضها:


أ ـ العدالة وحبّ الرئاسة

أحد الاختبارات التي يجب أن يفحص عنها المؤمنون والخبراء والمتفقهون لمعرفة تحقق شرط العدالة في المرجع والتي يمكن أن نستلهمها من أحاديث أهل البيت ـ عليهم السلام ـ هو الفحص عن مقدار حب هذا المرجع للدنيا وزهده فيها من خلال حبه للرئاسة والشهرة وزهده فيهما، وماهو مقدار حبه للفعاليات التي يبذلها في الدعوة والدعاية إلى نفسه أو الاعراض عن ذلك؟.
لقد ورد عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ تأكيدهم الشديد على حرمة حب الرئاسة ولعنهم لها أو الاهتمام بالمناصب وبالشهرة(3).. فأميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ الذي هو أحق الناس بالولاية والمنصب والحكم من بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، كان يؤكّد هذا المفهوم كما جاء في نهج البلاغة تأكيده ـ عليه السلام ـ لإعراضه وبعده عن طلب الرئاسة والمنصب ورفضه للتصدي لذلك إن لم تكن فيه المصلحة العامة ومصلحة المسلمين بالذات  (.. فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز..)(4)، يريد ـ عليه السلام ـ أن ينبهنا إلى هذا الأمر الهام في اختيار السلوك والعدالة.
ولذلك نرى في الأوساط الدينية أن احدى الانتقادات المهمة التي سجلت على بعض الأشخاص الذين ادعوا المرجعية بعد وفاة الإمام الحكيم ـ رحمه الله ـ هو ملاحظة الاندفاع الكبير في بذل الأموال لطبع الصور ونشرها في المجلات وفي الدعاية لهذه المرجعية أو تلك.. وهي مسألة غير سليمة، إذ لا ينبغي أن يكون الترويج للمرجعية بهذه الطرق التي تشبه إلى حد بعيد طرق الدعايات التي تستخدمها الشركات التجارية لترويج بضائعها والابتعاد عن طبيعة الشروط الواقعية الاسلامية المطلوبة في المرجعية.
المرجعية لها قدسية كبيرة ولها موقع معيّن، وأنا لا أريد ـ هنا ـ أن أنكر على أحد طبع صور هذا العالم أو ذاك، فذلك أمر طبيعي في أن يحتفظ المرء المؤمن بصورة المرجع أو العالم الذي يرتبط به في بيته تعبيراً عن حبه وتقديره له، كما أن من الطبيعي أيضاً أن يعبّر المؤمن عن حبه وولائه السياسي للمرجعية عندما يرفع صورة المرجع في المناسبات واحياء الشعائر والتظاهرات، ولكن أن يكون الترويج للمرجعية بهذا الأسلوب والتعريف بها من خلال الاعلام العام بعيداً عن الموازين الواقعية وبعيداً عن ضوابط هذه الموازين التي لابد من تثقيف الناس عليها فهذا هو الشيء المرفوض لأنه يعبّر عن حب الزعامة والمنصب والرئاسة والشهرة بأي طريق جاءت.
هذا الحب هو من الابتلاءات الكبيرة التي يبتلى ويمتحن بها العلماء المتصدون ، لأن غيرهم من الأصناف قد يمتحن ولكن بشيء آخر، التاجر مثلاً عندما يبتلى ويمنتحن بدينه لا يبتلى بالصلاة والصوم، وإنما بمعاملاته في السوق وفي كيفية اهتمامه بمطابقة عقوده التجارية التي يجريها مع الأحكام الشرعية، والشاب عندما يمتحن في دينه يبتلى في السيطرة على شهواته الجنسية والعاطفية وسلوكه العام.. وهكذا الحال بالنسبة للفلاح والعامل والمرأة والطالب، بل وجميع الناس، فإن قانون الامتحان عام، ولكن يختبر الانسان فيه بما يتناسب مع طبيعة مواصفاته الذاتية أو طبيعة أعماله الاجتماعية.
أما المرجع فان من أهم ما يبتلى به من أمور خطيرة هو الامتحان بحب الرئاسة والزعامة والموقع..
وقانون الابتلاء والامتحان، قانون عام وشامل لا يفرق فيه زمان ومكان عن زمان ومكان آخر بالنسبة لبني الانسان، وحتى الانبياء ـ عليهم السلام ـتعرضوا للامتحان والابتلاء... والمرجع يتعرض أيضاً إلى أنواع خاصة من هذه الامتحانات والابتلاءات... وإحداها هي قضية حب الرئاسة وحب الشهرة، فلابد أن يراقب الانسان المتصدي والمرجع العام من خلال موقعه وبشكل دقيق هذا الأمر ويرى مدى حبه لهذه الرئاسة ولهذه الشهرة ولهذا الموقع الخطير..
وقد عشنا فترة طويلة عاشرنا فيها علماء وأفاضل كراماً ومراجع عظاماً كانوا يراقبون في أنفسهم هذا الجانب مراقبة شديدة، ويتورعون عن كل ما يمتّ إلى هذا الحب بصلة.


ب ـ العدالة ومهادنة الظلم

لقد ابتلي مراجع الاسلام في مختلف العصور بظاهرة حكّام الجور والظلم، وكانت هذه الظاهرة هي إحدى الاختبارات الأخرى لعدالة المرجع، فما هو الموقف من حكّام الظلم والجور ومن ظاهرة الظلم والطغيان والاستبداد ؟
تفرض هذه الظاهرة موقفاً معيّناً على المرجع باعتباره المتصدي لأمور الأمة وادارة شؤون المؤمنين فلابد له من أن يقف الموقف المناسب من قضيتي الظلم والعدل، ومن خلال تاريخ أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وسيرة مراجعنا الصالحين العظام نلاحظ أنهم كانوا يقفون دائماً في مواجهة الظالمين موقف الانكار لهذا الظلم بدرجة تتناسب والظروف المحيطة بهم والاوضاع السياسية والاجتماعية القائمة في المجتمع إلاّ أن أصل (الرفض) كان أصلاً ثابتاً في مواقف أهل البيت ـ عليهم السلام ـ والمراجع  أيضاً.
كما أن مسألة التعاون مع الظالمين أو مهادنة الظالمين تعد من القضايا المهمة المرفوضة التي تقف حائلاً ضد ما يفرضه الواجب الالهي من السعي لتحقيق العدل والدفاع عنه وإقامته بين الناس.. ولذلك نجد أن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ على اختلاف ظروفهم وأوضاعهم السياسية كانوا يشتركون جميعاً في موقف واحد تجاه مقارعة الظلم واقامة العدل بين الناس وكان أحد المصاديق الواضحة هو موقفهم من مقاومة الظالمين وعدم التعاون معهم.
فمثلاً نلاحظ أن أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ  كان له ظرف معيّن ويعيش في أوضاع سياسية خاصة، والإمام الحسن ـ عليه السلام ـ  كان له ظرف آخر وهكذا الحال بالنسبة للإمام الحسين ـ عليه السلام ـ  الذي عاش ظرفاً متميّزاً، كذلك بالنسبة لبقية الائمة الأطهار ـ عليهم السلام ـ حتى غيبة الإمام الحجة المنتظر عليه السلام، ولكن مع اختلاف ظروف أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـكلها نجدهم جميعاً اشتركوا بموقف واحد ثابت ضد الظلم والظالمين والطغيان والاستبداد، وان كان يختلف في مستواه ودرجته، وكان هذا الموقف واضحاً في أوساط الأمة مهما اختلفت درجة هذا الموقف تبعاً للظروف التي عاشها كل إمام منهم، من درجة الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ  وهي درجة المواجهة المطلقة والتضحية المطلقة، إلى درجة الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ الذي بلغ به الحال أن يكون ولي العهد للمأمون العباسي، ولكن مع قبوله ـ عليه السلام ـ بولاية العهد، نجد أن له نفس الموقف الرافض للظلم، وتمثل ذلك برفضه لهذه الولاية حتى ألجأه المأمون لها بالتهديد بصورة واضحة عرفها الناس ثم بوضعه ـ عليه السلام ـ شروطاً لقبول تلك الولاية توضّح موقف الرفض، مثل شرط عدم التدخل في أي أمر من الأمور التنفيذية للخلافة، مما يوضّح للناس الموقف تجاه الظلم والطغيان.
وهذه المواقف هي التي تفسر وتبيّن لنا ردّة الفعل التي وقفها الظالمون المستبدون تجاه موقف الائمة الأطهار ـ عليهم السلام ـ، فكانت تتمثل هذه الردّة في العدوان والمطاردة والمحاصرة والقتل والاغتيال التي تعرّض لها أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ منذ زمن الإمام علي ـ عليه السلام ـ  إلى زمن غيبة الإمام الحجة المنتظر عليه السلام .
ولابد أن يكون الموقف من الظالمين دائماً موقف الرفض مسجّلاً بدرجة ما مهما كانت الضغوط التي يمارسها الظالمون ثقيلة وقاسية ضد المرجع الديني، ولنا في أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أسوة وقدوة، فقد مورست ضدهم ضغوط كبيرة جداً باعتبار موقعهم الاجتماعي ودورهم في الأمة حتى بلغت هذه الضغوط حد التهديد والحصار ودرجة الخطورة والانذار بالقتل وتنفيذ ذلك فيهم عليهم السلام.


ج: العدالة، والحرص على مصالح الأمة الاسلامية

إن تقديم المرجع لمصاح الأمة على المصالح الخاصة له، وكذلك رعاية المرجع لمصالح الأمة في حركته ونشاطه من الأمور الهامة جداً في اختبارات العدالة وشرط من شروط المرجعية الصالحة، وذلك لأن المرجع هو ولي أمر هذه الأمة، وكما هو الحال في ولي اليتيم الذي لابد له من رعاية مصالح اليتيم ليكون ولياً شرعياً صالحاً، وكما هو الحال في ولي الوقف الذي لابد له من رعاية مصالح الوقف ليكون ولياً صالحاً، فان قصّر أحد منهما في رعاية شؤون هذه المصالح يعتبر خارجاً عن العدالة وتسقط ولايته لأمور اليتيم والوقف، كذلك الأمر في ولي الأمة، بل الأمر فيه أولى إذ لابد له من رعاية مصالحها ليكون ولياً صالحاً وعادلاً في ولايته.
ثم أن موضع الاختبار الحقيقي في هذا المجال ليس مجرد الاهتمام بمصالح الأمة بصورة عامة فحسب، بل عندما يحدث التزاحم والتضاد بين مصالحه ومصالح الأمة فهل يقدّم المرجع مصالح الأمة، وقضاياها على مصالحه الخاصة وشؤونه الخاصة ؟.
أو يقدّم مصالحه الخاصه على مصالح الأمة، بحيث يرى المرجع نفسه أنه أصبح هو الأمة كلها بمصالحها وشخصيتها وشؤونها !!
وإذا تحدثنا عن مصالح الأمة، فلابد أن نقف قليلاً لمعرفتها وتشخيصها، فهناك مفردات كثيرة للمصالح العامة نشير إلى أهمها:
الأولى: مفردة العقيدة الاسلامية السليمة ومقاومة الضلال والانحراف والابتداع، والمحافظة على القواعد والضوابط الأصيله في العلم والمعرفة والاستنباط للفكر الاسلامي والحكم الشرعي وخط (الاجتهاد) الصحيح في الدين لمواكبة تطور المجتمع الانساني.
الثانية: الدفاع عن بيضة الاسلام والمحافظة على الوجود والكيان الاسلامي الذي يحافظ على هذه البيضة، وعلو الكلمة الالهية في الأرض لتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى.
إن اختبار اهتمام المرجعية بمثل هذه المفردات والقضايا في موازنة الاهتمامات العامة مثل بارز في معرفة توفر هذا الشرط في المرجعية الصالحة.
الثالثة: مفردة ابلاغ الرسالة الاسلامية والدعوة الالهية لهداية الناس واخراجهم من الظلمات إلى النور والتخطيط لايصالها وتعميمها وبذل الجهود من أجلها وتحمّل المصاعب والآلام والمحن في سبيل ذلك.
الرابعة: مفردة الشعائر الاسلامية العامة، والمحافظة على البنية الاجتماعية الاسلامية في الأمة مثل إقامة الصلاة، والانفاق في سبيل الله، واحياء مواسم العبادة كشهر رمضان، والزيارة كحج بيت الله الحرام والعتبات والأماكن المقدسة، والشعائر والمجالس الحسينية، وغيرها من المصاديق التي لها دور الحصن والسور الذي يحمي المجتمع الاسلامي ويقوّي فيه روح المناعة والمقاومة.
الخامسة: مفردة التزكية والتطهير في السلوك العام لأبناء الأمة، وتربيتهم تربية صالحة ولا سيما الأوساط المهمة التي تتعرض بشكل أكثر إلى الأضرار الروحية والمعنوية، كالقوى العاملة والشباب والفتيان والنساء.
السادسة: مفردة الحوزة العلمية التي تعتبر من أهم المؤسسات الاسلامية والمصالح العامة التي عرفتها الأمة طوال تاريخها، فما هو مدى اهتمام المرجع بها وتطويرها في جانبها الكمّي والعلمي، وفي مضمونها الروحي والمعنوي ومن أدائها وقيامها بمسؤولياتها الدينية الاسلامية، وفي الدفاع عنها والمحافظة على وجودها وقدسيتها واستقلاليتها ؟.
السابعة: مفردة وحدة كلمة الأمة والانسجام بين صفوفها، وعلاقة الولاء والحب والتعاون والتناصر بينها، واحترام مشاعرها وخياراتها المشروعة واعطائها حقها من الرقابة والنصيحة والمشورة والرعاية.
الثامنة: مفردة القضايا المصيرية التي تواجهها الأمة في حركتها ذات العلاقة بالعزة والكرامة أو الاستقلال والحرية والعيش الكريم مثل قضية فلسطين، وقضايا الاستبداد والطغيان، وقضية الهيمنة الأجنبية، أو قضية التبعية السياسية والثقافية، والغزو الفكري والثقافي، أو قضية الفساد الأخلاقي والاجتماعي أو قضية الفقر والجهل والمرض.


د ـ العدالة واختيار مساعديه ومستشاريه (الحاشية)

لا شك أن المرجع باعتباره يمثل هذا الموقع الممتاز في الأمة، ويتحمل المسؤوليات الكبيرة في العمل لا يمكن أن يدير أعماله ونشاطه بدون جهاز اداري واستشاري، ووجود حاشية من مستشارين ومساعدين، ولابد أن يتناسب ذلك مع حجم وطبيعة العمل الواسع الكبير الذي يؤديه المرجع، لذا فان وجود الحاشية بهذا المعنى في أوساط المراجع أمر ضروري، وليس أمراً زائداً وفضولاً، كما قد يتصوره بعض السذج أو الجهلاء، بل وجودها قضية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لانجاز المهمات الملقاة على عاتق المرجع.
ومن هنا يصبح اختيار وتشكيل هذا الجهاز الاداري والاستشاري من موارد الاختبارات لعدالة المرجع المطلوبة، حيث يمتحن المرجع في هذه الحاشية، في مواصفاتها وخصوصياتها وسلوكها، وفي أن تكون هذه الحاشية صالحة، ولديها الشعور العالي بالمسؤولية تجاه موقع المرجعية ومهماتها، وتتعامل باخلاص وموضوعية مع قضايا المرجعية وتحت رقابة المرجع.. أو أن تكون مهمتها وظيفية تتعامل تعامل الموظفين ادارياً وتنظر للقضايا من خلال هذه المهنة والحرفة هذا من جانب.
ومن جانب آخر، يجب أن تتصف الحاشية بالعقل والتقوى، إذ لابد للمستشار أن يكون من أهل العقل والدين والتقوى والورع، لا مجرد أن يكون ملتزماً بالاسلام فقط، بل لابد للحاشية أيضاً أن تكون من أهل المعرفة والخبرة في قضايا المجتمع، وحسن التدبير والادراك فيها، لتقوم بدورها المناسب لموقع المرجعية إلى غير ذلك من المواصفات الضرورية التي لابد أن تشترط في هذه الحاشية(5).
وبصورة اجمالية، فان احدى الابتلاءات والاختبارات التي يتعرض لها المرجع ـ كامتحان قاس ـ هو موضوع اختيار (الجماعة) التي تحيط بالمرجع والتي يعتمد عليها في حركته ويدير من خلالها أعماله ونشاطاته في الأمة ومدى انسجامها مع سلوك وأهداف المرجعية الصالحة، واختيار المرجع للمستشارين والمساعدين الجيدين ورقابته على أعمالهم وحركتهم من أهم معالم الاختيار.


هـ ـ العدالة والحرص على بيت المال

قضية المال والأموال والتصرف فيها تبقى هي القضية المهمة والبارزة للاختبار في كل مراحل التاريخ الانساني، وقد أكد القرآن الكريم عليها باعتبارها من أكثر القضايا الاجتماعية والانسانية حساسية. فلقد جعل القرآن الكريم المال (فتنة)، ثم تعرّض لدور الأموال في حركة المجتمع سلباً في افساده وايجاباً في اصلاحه وتطوره، ثم في موضوع الانفاق للمال واخراج الحقوق الشرعية منه ودفع الصدقات ودورها في الحياة الانسانية، سواء في تحقيق التكامل الانساني، أو في تحقيق العدالة الاجتماعية أو في تحقيق النمور والتطور أو في تحقيق القوة والمنعة أو في تحقيق الانسجام، كما يفهم ذلك من الهدف من أخذ الزكاة وموارد الصرف فيها، (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها...).
وقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)(6).
ولذلك تكون طريقة التعامل مع الأموال من القضايا المهمة جداً في امتحان العدالة بالنسبة للمرجعية الصالحة.
وفيما عاصرناه من المراجع وجدنا في كيفية التعامل مع هذه الأموال وانفاقها في مصالح الأمة بطريقة عادلة بعيدة عن القضايا الذاتية والمصالح الشخصية، احدى المواصفات المهمة في التمييز، ووجدنا ـ مثلاً ـ بعض المراجع يوزّع المال على جميع الطلبة سواء كانوا ينتمون إليه انتماءاً جغرافياً ـ أي من بلده وقومه ـ أو لم يكن لهم هذا الانتماء ـ بل كانوا من بلدان أخرى كايران وأفغانستان وباكستان وغيرها.. وبعض المراجع الآخرين كانوا يعطون جماعة معيّنة فقط من الطلبة وان زاد شيء من المال انتقلوا في عطائهم إلى الجماعة الثانية ثم الثالثة وهكذا.
ورأينا بعضهم الآخر يخصص المال للطلبة وحدهم ويترك المجالات الدينية الأخرى والتي لا تقل أهمية في قضايا مصالح الأمة عن مجال الطلبة.
كما أن بعض المراجع رأيناهم يدققون في الصرف ولا سيما على ذويهم واصحابهم، وبعضهم كان يتسامح في ذلك.
وقد يكون لكل واحد منهم مبرراته الخاصة في هذا النوع من الانفاق أو ذاك ولكن المهم أن هذا الموضوع هو أحد الاختبارات المهمة للعدالة المطلوبة في المرجعية.


ثانياً: شرط العقل

الشرط الآخر الذي يذكره الفقهاء عادة هو شرط العقل ونحن نعرف بأن العقل في فقهنا الاسلامي هو من شروط التكليف، والانسان لا يتوجه له تكليف بأمر أو نهي في الشريعة الاسلامية ما لم يكن متصفاً بالعقل، فلا تجب الصلاة ولا الصوم ولا الحج ولا الزكاة ولا أي تكليف آخر من التكاليف الشرعية إلاّ بتوفر هذا الشرط (العقل) فهو شرط عام في كل التكاليف، لكن السؤال هنا: ماهو هذا العقل الذي يشترط في هذه التكاليف ؟ وبعد ذلك: هل أن العقل الذي نشترطه في المرجع هو نفس هذا المستوى من العقل الذي يشترط في هذه التكاليف؟
العقل: عبارة عن القوة التي أودعها الله في الانسان، ليدرك بها الأشياء ويميّز بينها، وعندما يصل الانسان في رشده الادراكي وفهمه للقضايا والأشياء إلى حد يكون قادراً على التمييز بينها ويعرف الأسود من الأبيض، كما يمثلون أو يعرف الجمرة من التمرة كما يصطلح عليه في اللغة العامية، يسمى مميزا، وتترتب عليه أحكام خاصة، أما عندما يكون الانسان لديه هذه القدرة، ويعرف الصالح من الفاسد، أو الشر من الخير، عندئذ يكون هذا الانسان انساناً رشيداً عاقلاً ويتوجه إليه التكليف العام من قبل الله سبحانه وتعالى، وهو ما نراه في عامة الناس، فإن عامة الناس يتصفون بالعقل عادة عند البلوغ باستثناء من يبتليهم الله سبحانه وتعالى ببعض الابتلاءات المرضية أو النفسية، بحيث يفقدون هذه القدرة والذين يعبر عنهم بالمجانين، هذا الجنون تارة يكون جنوناً ثابتاً في هذا الانسان، كحالة عامة وأخرى يكون جنوناً ادوارياً يصاب به الانسان في بعض الأوقات والحالات، بحيث يفقد هذه القدرة على التمييز العام المطلوب للأشياء في بعض الحالات ويرجع إلى هذه القدرة في بعض الحالات الأخرى.
هذا العقل الذي نعبر عنه بالشرط العام للتكليف يبدو أنه من الأمور الواضحه ووضوحه أيضاً ناشئ من أنه صفة عامة قائمة وموجودة في عامة الناس، ومن ثم يصبح قضية يدركها الناس كبقية الصفات التي تكون موجودة في الناس بصورة عامة كبعض الغرائز والأعراض.
يبقى السؤال الآخر المهم هو: هل يشترط في المرجع هذا المستوى العام من العقل الذي يكون شرطاً في التكليف، ونكتفي في المرجع بعد عدالته، بأن يكون قادراً على تمييز الصالح من الفاسد من الأشياء بصورة عامة، كما يميزها عموم الناس في ادراكاتهم ومعرفتهم؟ أو نشترط في المرجع مستوى أعلى من ذلك؟
يبدو من خلال النصوص الموجودة عن أهل البيت عليهم السلام ـ وهي كثيرة جداً، وتحتاج إلى بحث ومتابعة(7)، ولكن اكتفي هنا ـ بذكر هذا الموضوع على مستوى الاثارة، ويمكن للسادة الأفاضل والأخوة الأعزاء الذين لديهم المستوى العلمي المناسب وهذا النوع من الاهتمام في البحث أن يتابعوا الموضوع في النصوص التي وردت عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأهل البيت ـ عليهم السلام ـفيما يتعلق بموضوع العقل(8).
في هذا الموضوع نلاحظ أنه لابد في هذا العقل من أن تتوفر فيه مجموعة من المواصفات تحدده وتشخصه، يتحقق بذلك هذا الشرط في الانسان الذي يتحمل مثل هذه المسؤولية العظيمة ويحتل مثل هذا الموقع وهذه الصفات هي:
الأولى: الخبرة وحسن التدبير والادارة في القضايا التي يمارسها الانسان في عمله، يعني أن يكون خبيراً وأن يكون مديراً ومدبّراً، فقد ورد في تعريف العقل عندما سئل الإمام الرضا عليه السلام: ما العقل ؟ فقال: ((التجرّع للغصّة، ومداهنة الأعداء، ومداراة الأصدقاء))(9)، أي أن يكون هذا الانسان لديه من حسن التدبير وادارة الأمور مع الناس بحيث يكون قادراً على أن يداري هؤلاء الأصدقاء فيكسبهم ويجعلهم يسيرون في الخط الصحيح المطلوب، وأن يداهن هؤلاء الأعداء بطريقة يتجنب شرهم وضررهم ويحاول أيضاً أن يصل إلى هدفه من خلال هذه المداراة والمداهنة، كما جاء في بعض النصوص الأخرى:
((انه لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب ولا عقل كالتدبير...))(10)، يعني أن هذا الانسان إذا أراد أن يحقق العقل، فان أفضل صور هذا العقل وأفضل مصاديق هذا العقل وتجسيدات هذا العقل هو أن يكون هذا الانسان انساناً مدبّراً في عمله وفي سلوكه ومنهجه، وهكذا نجد مجموعة من النصوص تعبّر بطريقة ما عن هذا المضمون، وهو أن العقل في كون هذا الانسان إنساناً لديه خبرة في الممارسة والعمل الاجتماعي ولديه أيضاً حسن إدارة لهذا العمل الاجتماعي.
وهذا الأمر يتناسب كما قلت مع الموقع الذي تحتله المرجعية باعتبارها قيادة للأمة، وباعتبار أن لها القيمومة على عمل الأمة وحركتها، باعتبار أنها مرجعية للأمة في حوادثها، كما ورد ذلك في التوقيع المروي عن الإمام المنتظر ـ عليه السلام ـ :((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم...)).
الثانية: أن يكون لدى الانسان الفهم الصحيح للواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه الأمة وتعيش فيه الجماعة بحيث يعرف هذا الواقع والعوامل المؤثرة فيه، ويكون لديه التحليل السياسي والاجتماعي الصحيح للأوضاع السياسية والاجتماعية، وهذا الأمر ـ أيضاً ـ من الأمور المهمة في موضوع العقل، وقد نفهم هذا الأمر من خلال بُعد العلم نفسه ويكون مرتبطاً بمفهوم العلم إذا أردنا أن نوسّع دائرة مفهوم العلم فيكون عالماً بالواقع السياسي والاجتماعي المُعاش.
لكن نلاحظ في نصوص العقل ـ عندما يكون الحديث عن العقل ـ أن هذه النصوص تشير إلى هذا الموضوع في بُعد العقل، وكأنه يُراد لهذا الانسان أن يكون متصفاً بدرجة من الادراك والتمييز للأشياء بمستوى يكون عارفاً بما يجري حوله من أمور، ويميّز في هذه الأمور بين الصالح والطالح، وبين الخير والشر، وبما ينفع الناس وما يضرهم، إلى غير ذلك من الشؤون ذات العلاقة بحركة هذه الأمة وأوضاعها الخاصة وفهم خطط الأعداء ومواقف هؤلاء الأعداء، تلك المواقف الثابتة التي يعبّر عنها بالاستراتيجية والمواقف المتحركة التي يعبّر عنها (بالتكتيكية)، يعني أن معرفة مثل هذه الأمور في الواقع الاجتماعي من الخصائص العقلية التي يحتاجها هذا الانسان، وهو ما يمكن أن يعبّر عنه بحسن المعرفة بالأمور العامة، أما أن يكون هذا المرجع انساناً بسيطاً أو ساذجاً ومن ثم لا تكون لديه تلك القدرة على معرفة ما يجري حوله فيتعامل مع القضايا بظواهرها الأولية والبدوية ويتفاعل مع هذه الظواهر الأولية والبدوية في مواقفه انطلاقاً من فطرته وأحاسيسه النبيلة، فهذا لا يمكن أن يكون من العقل المطلوب في هذه المرجعية.
ومن أجل توضيح هذه الفكرة نذكر مثال من علم الاصول وهو: إننا في علم الاصول نبحث عن الظهور وحجيّته ويذكر العلماء بأن الظهور الذي يكون حجة هو الظهور الثابت والمستقر، يعني الظهور الذي ينتهي إليه الانسان في فهم الكلام بعد دراسة النص بكل ملابساته وبقرائنه اللفظية المتصلة به أو المنفصلة عنه وبالقرائن والظروف الحالية التي تحيط بذلك النص وظروف صدوره.
وعندما يستقر الظهور بالنسبة إلى هذا النص يصبح هذا الظهور حجة، أما لو كان الظهور ظهوراً بدويا، ظهوراً لأول وهلة بدون الفحص عن القرائن وانه سوف يتغير الظهور بالتأمل والمقارنة، فهذا الظهور البدوي لا يكون حجة ولا يصح الاستناد إليه.
وهذا الأمر ينطبق على الفهم السياسي والاجتماعي للأحداث والقضايا ولذلك الفهم الأولي البدوي لها لا يكون حجة، ولا يصح ترتيب المواقف عليه ولا يمكن أن يكون مرجعاً لهذا الانسان، بل لابد لهذا الانسان الذي يريد أن يقود الأمة ويريد أن يوصلها إلى أهدافها ومصالحها ومنافعها ويجنبها الأخطار التي تحيط بها له لابدّ في هذه الحالة من وجود الفهم وادراك عقلي لها مستقر.
وهذا الموضوع هو أيضاً من الموضوعات المهمة التي لابد أن نشترطها في العقل، كذلك لابد أن نشترط في المرجع العام الذكاء والخبرة والفهم والادراك العميق للأشياء وحسن التدبير من أجل أن نوفر هذا الشرط، شرط العقل، العقل الذي يقصد منه الحكمة في مقابل السذاجة والبساطة، وفي مقابل حالة الاسترسال للأشياء دون تأمل وتفكير وفهم لها.
ولذلك، نحن نلاحظ مثلاً في الدستور والقانون الأساسي للجمهورية الإسلامية، عندما وضعت شروطاً للقائد العام الذي طرح في البداية بعنوان المرجع الديني العام للأمة أخذ هذا الشرط من الشروط الرئيسية والأساسية في هذا القائد وهذا المرجع، باعتبار أن هذا الشرط من الشروط الشرعية التي تستفاد من النصوص والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام.
ففي بعض هذه النصوص التي وردت عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ((أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه))(11).
والأقوائية يراد منها هذا المعنى من (العقل) والادراك والتمييز للأشياء.
الثالثة: أن يكون هذا المرجع ممن يمتلك منهجاً واضحاً في التعامل مع القضايا والأحداث ومسيرة هذه الأحداث، هذا المنهج الواضح فيه مفردات عديدة وكثيرة ، ومن مفرداته ما نعبر عنه (بالعقيدة السياسية) أي مفردة فهم الولاية وموقع هذه الولاية في حركة الأمة، وان هذه المرجعية هي امتداد للامامة وامتداد للولاية الالهية إلى غير ذلك من القضايا الأخرى ذات العلاقة بعقيدة منهاج الحركة والعمل السياسي والاجتماعي الذي يسير عليه هذا المرجع.
هناك مجموعة من العناوين نشير إليها فيما يتعلق بموضوع المنهج الذي هو من القضايا المهمة جداً(12):
من جملة العناوين التي يمكن أن نذكرها في مفردات هذا المنهج قضية (الحوزة العلمية) وموقع الحوزة العلمية ودور هذه الحوزة العلمية في حركة الأمة والنظرية الاسلامية في الحركة، وكذلك موضوع (الدولة الاسلامية) وموقع الدولة الاسلامية والكيان السياسي الاسلامي في فهم هذا المنهج.
أما أن يكون المرجع في يوم من الأيام مع وجود الكيان السياسي للاسلام وفي يوم آخر لا يكون مع وجود الكيان السياسي الاسلامي، أو يكون المرجع في يوم مع فهم الولاية ودورها، وفي يوم آخر يفهم الولاية بمعنى خاص محدود وفي يوم آخر لا يفهمها، كما نشاهد أحياناً بعض الناس من يفهم الولاية العامة للمسلمين
كما يفهم الولاية على يتيم أو على وقف أو يفهمها ولاية على مدرسة أو على مؤسسة مع أن هناك فرقاً بين هذه الولاية وبين تلك الولايات.
ومن جملة المفردات في هذا المنهج، قضية (المصالح الاسلامية العليا) وترتيب الأولويات بين المصلح في الاهتمام، أو عندما تتزاحم هذه المصالح في مرحلة التنفيذ، إذ لا شك أن المصالح العامة أمام حركة الانسان تبدو كثيرة جداً ومتعددة، ولكن هذه المصالح بعضها أهم من بعض وبعضها أولى من بعض، فلابد لهذا الانسان المرجع أن يشخص الأهم والأولى منها ليوليها الاهتمام الأكبر، وكذلك عندما تتزاحم المصالح ولا يتمكن الانسان من أن يجمع بين تحقيق كل هذه المصالح في آن واحد، فلابد له من أن يقدم بعضها على بعض وحنيئذ إذا لم تكن لدى المرجع خبرة اجتماعية وعقل اجتماعي كامل فقد ينتهي به الأمر إلى أن يقدم المهم على الأهم(13).
وعندما تكون أمامنا مجموعة من المصالح والمفاسد فهنا نحتاج إلى المنهج، وان تكون لدى المرجع رؤية كاملة للأولويات في هذه المصالح حتى يمكن أن يكون المنهج منهجاً صحيحاً يرتبط بموضوع العقل، ولعل هذا الشيء هو الذي نعبر عنه بالحكمة، كما يقول القرآن الكريم: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم)(14).
كما أن الحكمة قد تكون أمراً مرتبطاً بموضوع معرفة السنن والقوانين التي تتحكم في مسيرة المجتمع الانساني والتي تكون معرفتها من مفردات المنهج الذي لابد للمرجعية الصالحة من الالتزام به. ومن جملة مفردات هذا المنهج التمييز بين دور الأمة ومسؤوليتها من دور القيادة ومسؤوليتها.
فنحن نلاحظ وقوع الكثير من الأحداث وإلى مواقف الناس تجاهها مختلفة، فبعض الناس نجده يقول: انه لو صنع الناس كذا، لكانت النتائج كذا، وتجد في ـ نفس الوقت أحياناً ـ آخرين يقولون تجاه الحدث نفسه: لو صنعت القيادة كذا لكانت النتائج كذا، يعني أن بعضهم يلقي بالمسؤولية في النتائج على عاتق القيادة وبعضهم يلقي بالمسؤولية على عاتق الأمة وبعضهم أيضاً يخلط في المسؤولية، ولابد في هذا (المنهج) من تمييز مسؤولية القيادة ودورها ومسؤولية الأمة ودورها .
من مفردات هذا المنهج تمييز وتشخيص الواجبات والوظائف والظروف المحيطة بحركة الأمة والمجتمع والشروط المطلوبة والعوامل المؤثرة، فان لذلك تأثيراً بالغاً على طبيعة المواقف والقرارات ولهذا السبب نجد الاختلاف في الأدوار والمواقف لائمة أهل البيت عليهم السلام، مع أن هدفهم واحد ومعرفتهم بالأشياء على مستوى واحد وإرادتهم وقرارهم ينطلق من قاعدة واحدة، ومع ذلك نرى إن اماما من أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أحياناً ـ يقف موقفاً يختلف عن الموقف الذي وقفه الإمام الآخر، بل نجد في بعض الأحيان الإمام الواحد ـ عليه السلام ـ يتخذ موقفين مختلفين، وهذه المواقف إنما اختلفت باعتبار وجود هذا التمييز في دور الأمة وموقع الأمة وحركة الأمة، والظروف المحيطة بهذا الدور.
هذا المرجع الديني الذي يتعامل مع قضايا المسلمين ومع مصالح المسلمين، ويتعامل مع الأمة الاسلامية في حركتها، ومع الجماعة الصالحة مهما كانت قدرته على بسط يده وفاعليته محدودة، ولكن مساحة حركته تبقى واسعة وكبيرة، وحينئذ فلابد أن يكون قادراً على التمييز بين هذه المصالح والمواقف والأدوار التي يجب أن يقوم بها، حتى يتمكن أن يصل بهذه الأمة في حركتها إلى أهدافها وإلى مصالحها.
إذن فلابد في هذا العقل الذي نشترطه في المرجع، أن يكون المرجع وافر الخبرة وحسن الادارة والتدبير أولاً، وأن يكون هناك فهم صحيح للواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه هذا المرجع وتعيشه الأمة التي يكون مسؤولا عنها ثانياً، وثالثاً أن يكون لديه منهج واضح في هذه الحركة الواسعة.
وأحد الأمور التي يجب أن ننتبه إليها هي قضية العقل في مقابل السذاجة، فإذا كان المرجع انساناً ساذجاً ليست لديه القدرة على تقدير الموقف الصائب والتحليل السياسي الدقيق ; فلا يصلح للمرجعية العامة بمعنى ادارة الأمور المهمة للأمة الاسلامية وللجماعة الصالحة(15).

ثالثاً: شرط العلم

المرجع الصالح لابد أن يكون عالماً، وفي موضوع العلم هذا تبرز عدة أبعاد:
البعد الأول: ماهو هذا العلم المطلوب في المرجع الصالح ؟
البعد الثاني: ماهو مستوى هذا العلم المطلوب ؟
البعد الثالث: كيف يمكن أن نحصل على توفر هذا الشرط وكيف يمكننا معرفته في المرجع الصالح؟
أمّا ما يتعلق بالبعد الأول (العلم المطلوب) فالعلماء يذكرون ـ عادة ـ في رسائلهم العملية، بأن المطلوب في المرجع، أن يكون مجتهداً في الفقه، وفي حال تعدد المجتهدين، والاختلاف بينهم في الفتوى، يتحتم الرجوع ـ عندئذ ـ إلى الأعلم منهم في موارد الاختلاف، أو الاحتياط بين آراء هؤلاء العلماء.
أما في حال عدم اختلافهم في الفتوى فيكفي الرجوع إلى العالم المجتهد.. هكذا يذكر الفقهاء في رسائلهم العملية.
ولكن لابد لنا ـ في هذا الموضوع ـ أن نرجع إلى البحث السابق في خصوص موقع المرجعية ومسؤوليتها في الفتيا، فان القدرة على الفتيا تحتاج إلى درجة علمية يعبر عنها بالاجتهاد أو ملكة الاستنباط للحكم الشرعي. ولا شك أن من يرجع إليه في معرفة الأحكام والفتاوى المستنبطة من القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة.. لابد أن تتوفر لديه القدرة على معرفة الحكم الشرعي واستنباطه بالأدلة التفصيلية، هذا مع غض النظر عن البحث في حركة الاجتهاد ومفهومه التي مرت بأدوار مختلفة ومتعددة في التاريخ الاسلامي.
أمّا إذا كانت المرجعية عامة وليست مرجعية في الفتيا فقط، وإنما كانت مرجعية في الفتيا وفي الأمور الاجتماعية وفي تشخيص مصالح المسلمين وشؤونهم الحياتية، كما هو الحال في المراجع الدينيين الذين عرفناهم ـ بصورة عامة ـ طوال تأريخنا الاسلامي منذ الغيبة الكبرى للإمام الحجة المنتظر(عج)، ولا سيما في عصرنا الحاضر..، فإن هؤلاء المراجع الكرام، وإن كانوا قد مارسوا دورين رئيسيين:
أحدهما: هو الفتيا والآخر هو القضاء... ولكن كان إلى جانب ذلك دور ثالث يمارسه المرجع أيضاً هو دور الولاية في ادارة بعض شؤون المسلمين من قبيل الولاية للأوقاف التي لا ولي لها.. وكذلك ولاية الأيتام والقاصرين الذين لا ولي لهم ، وولاية الشؤون العامة.. كولاية التبيلغ إلى الله والاسلام والهدي والارشاد إلى الله تعالى، وولاية الجهاد والمقاومة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك مارسه العلماء والمراجع في أدوار مختلفة ولم يقتصر دورهم على الفتيا وبيان الحكم الشرعي فقط.
هذا الدور الآخر للمرجعية الذي ذكرته يحتاج إلى علم آخر ولا يكفي فيه مجرد الاجتهاد في الفقه بمعنى القدرة على ممارسة عملية استنباط الحكم الشرعي من خلال الأدلة التفصيلية، وإنما نحتاج أن تكون لدى (المرجع) الخبرة بالواقع الموضوعي الخارجي القائم بين المسلمين. فمثلاً موقف الجهاد في سبيل الله تعالى يحتاج إلى المعرفة بقدرة المسلمين وبامكاناتهم المادية والمعنوية من ناحية، والمعرفة بقدرة الكافرين والمنافقين والمهاجمين وغيرهم من الأعداء الذين يقومون بأعمال عدوانية ضد الاسلام من ناحية أخرى.
فالجهاد فقهياً يشترط فيه شروط من جملتها القدرة على القيام بهذا العمل، ولكن القرار بالجهاد الذي هو شأن الولاية يحتاج إلى معرفة بهذه الامكانات وامكانات الآخرين حتى يعطي المرجع القرار بالجهاد مثلاً.
فإذا كانت ولاية الوقف أو ولاية القاصر تحتاج إلى معرفة شؤون الوقف نفسه ومعرفة وضع القاصر ومصالح هذا القاصر، بل ومعرفة المفاسد والمصالح الموجودة والتي تترتب على تلك الأوضاع، ثم معرفة القدرة على المقارنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم الأهم على المهم، إلى غير ذلك من الشؤون المهمة ذات العلاقة بالوقف أو القاصر... فكذلك لابد أن نفترض أن ولي ادارة الحوزة العلمية مثلاً يحتاج إلى المعرفة بشؤونها وبمصالحها وبأهدافها وبطرق تطويرها وسبل كمالها وايصالها إلى المراحل العالية للنهوض بمسؤوليتها وواجباتها، وهكذا الحال في جميع الأمور العامة الأخرى، وكذلك ولي الجهاد، لابد أن نفترض فيه المعرفة بقوة المسلمين وقوة الأعداء والظروف المحيطة بهذا العمل الجهادي.
وإذا كان يشترط في المرجع العلم بهذه الأمور كلها وبجميع تفاصيلها فهنا قد يثار: كيف يراد لهذا المرجع أن يكون عالماً بتفاصيل الأمور العسكرية مثلاً ؟! فان ادارة عمليات الجهاد والمقاومة تحتاج إلى العلم بالشؤون العسكرية.. وكذلك الحال في علمه بالشؤون المالية فان ادارة بعض القضايا تحتاج إلى علم بالشؤون المالية، وهكذا الحال في الأمور الاخرى التي تدفع الحاجة إليها إلى وجود العلم بها.
هنا لابد أن نلتفت إلى أن المقصود من العلم بهذه الأمور ليس في أن يكون الشخص المتصدي للمرجعية عالماً بكل هذه التفاصيل ودقائق أمورها من أولها إلى آخرها... لأن المرجع لا يدير هذه الأمور بنفسه، وإنما من خلال الأجهزة والمساعدين والمستشارين، وإنما يكون المقصود من العلم هو أن يكون المرجع هو الذي يقود العملية ومن ثم فلا بد له من القدرة على الاستفادة من المختصين وخبرتهم في تلك المجالات، وأن يكون قادراً على اعطاء رأيه وموقفه القيادي وقراره الحاسم بكل قضية من تلك القضايا بعد أن ينظر فيها.
لأنه مع عدم وجود مثل هذه القدرة لديه في الاستفادة من المختصين وتمييز هذه الأمور، ولو من خلال خبرات الآخرين واستشارتهم ; فان القرار سوف لا يكون قراره، بل يكون قرار غيره، فلابد إذن من وجود مثل هذه الخبرة والمعرفة وحسن الادارة، ليتمكن من اعطاء قراره الحاسم في القضية الاقتصادية، والقضية المالية والقضية العسكرية، فمثلاً في القضية المالية، حيث يريد القاضي أن يحكم بأن هذا المال هو مال فلان من الناس، لابد له من أن يجري اختبارات وفحوصاً للوثائق والمستندات التي يرجع فيها إلى أهل الخبرة والاختصاص، وكذا في القتل وتشخيص القاتل فربما يحتاج إلى مختبرات لفحص الدم وبصمات الأصابع حتى يكتشف الحقيقة وهكذا الحال في بقية الموارد..
وعليه فلابد من أن يكون العلم بدرجة تتناسب مع هذه الولاية وتتناسب مع هذا القضاء ومع الدور الذي يضطلع به المرجع في العمل الاجتماعي والسياسي.

المستوى المطلوب من العلم

أمّا البعد الثاني فيما يتعلق بموضوع مستوى هذا العلم، فقد ذكرنا أن المستوى
لابد أن يكون هو الاجتهاد في فرض عدم الاختلاف بين المجتهدين في الفتوى، وأمّا في موارد الاختلاف بينهم فيتطلب أن يكون مستوى العالم المجتهد هو الأعلم أعلم المجتهدين.
ولكن يبقى السؤال عن المستوى المطلوب من الاجتهاد.
الاجتهاد له مستويات ثلاثة كلها مطلوبة في هذا المرجع(16):
المستوى الأول: ما يعبر عنه بالاجتهاد المتجزي وتعريفه قد يحتاج إلى بحث طويل في امكانه أو عدم امكانه، ولكن ـ بناءً على ما هو المعروف من امكان وجود هذا الاجتهاد ـ الفكرة العامة الموجودة عنه لدى فقهائنا هو أن تكون للعالم القدرة في أن يبحث بعض الأبواب الفقهية، باب أو بابين أو ثلاثة أو أكثر، وبذلك يمكن أن يعطي هذا المجتهد رأيه في العبادات دون المعاملات مثلاً، أو بالعكس في المعاملات دون العبادات.. فمثل هذا الشخص يطلق عليه (مجتهد متجزيء) وليس مجتهداً مطلقاً إذ انه لا يمكنه أن يرد في كل الأبواب الفقهية فضلاً عن استنباطه لكل الأحكام فعلا.
وهذا المستوى من العلم والاجتهاد لا يسمح للمقلدين بالرجوع إليه، ولا أن يصبح المتصف به مرجعاً دينياً، بل لابد أن يكون مستواه العلمي أعلى من ذلك.
نعم يمكن لهذا المجتهد أن يعتمد على رأيه في المسائل الخاصة التي استنبطها أو أن يطرح أفكاراً اسلامية وفقهية ناجزة من خلال عمله العلمي.
المستوى الثاني: أن يكون مجتهداً مطلقاً لا بالفعل، وإنما بالقوة، بمعنى أن لديه الملكة والقدرة على أن يرد في كل مسألة من المسائل الفقهية ويصل إلى استنباط حكمها الشرعي، ويمتلك معلومات في علم الأصول والحديث والرجال كافية لتحقيق ذلك، لكن نفترض فيه انه لم يدخل فعلاً في بعض أبواب الفقه، فلم يستنبط شيئاً ـ مثلاً ـ من باب القضاء، غير أن لديه القدرة في أن يدخل في بحث هذا الباب، وهكذا باب الديّات والحدود، وغيرها، ويستطيع استنباط الأحكام الشرعية فيها.. فمثل هذا الاجتهاد يسمى بالاجتهاد المطلق لوجود القدرة على ممارسة هذه العملية بصورة مطلقة وفي كل الأبواب الفقهية واستنباط الأحكام الشرعية لكل منها وهذه هي الدرجة الثانية.

المستوى الثالث: الاجتهاد المطلق الفعلي، فالاجتهاد المطلق كما عرفنا هو أن يكون الانسان قادراً على أن يردّ في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي مختلف الكتب الفقهية ـ كتاب الطهارة، الصلاة، الزكاة، الحج، الخمس إلى كتاب المعاملات، الأطعمة والأشربة، كتاب الديّات وغيرها ـ مما تناولته الكتب الفقهية .. ولكنه لم يرد فعلاً في بعضها، أما  الاجتهاد المطلق الفعلي فهو أن يكون لدى هذا الانسان مضافاً إلى ما  ذكرنا من هذه القدرة، الممارسة الفعلية لبحث كل هذه المسائل وأن  يتوصل إلى الاستنباط فيها وبيان حكمها وهو ما يعبر عنه ـ عادة ـ بالرسالة العملية، أي أن تكون لديه رسالة عملية شاملة لكل هذه الأبواب  الفقهية. وهذا المستوى هو المستوى المطلوب في مرجع التقليد في الفتيا.
إذن فمرجع التقليد: هو شخص اجتهد بالفعل وتوصل إلى هذه المسائل وأعطى رأياً فيها وهذه هي الدرجة العليا للاجتهاد.
إذن العلم المطلوب في المرجع الديني: علم واسع يتناول الفقه والأصول ويشمل في الوقت نفسه ـ كما عرفنا سابقاً ـ المعرفة ذات العلاقة بالمسؤوليات الكبيرة التي تتحملها المرجعية.
وقلنا بأن مستوى هذا العلم لابد أن يكون على مستوى الاجتهاد المطلق الفعلي للوصول إلى الأحكام الشرعية والمواقف العملية التي حددها الشارع المقدس، وأيضاً يكون على مستوى العلم الفعلي الذي يوصله إلى التصورات الاجتماعية والسياسية فيما يتعلق بالمسؤوليات الأخرى.

إحراز العلم المطلوب في المرجع

وبعد أن افترضنا أن هذا العلم لابد أن يكون بهذا المستوى، هنا يبرز السؤال التالي: كيف نصل إلى تحقق وجود هذا الشرط في المرجع الصالح الذي لابد من الرجوع إليه في الحوادث، كما أمرنا بذلك سيدنا ومولانا الإمام الحجة المنتظر (عج) في ما روي عنه من التوقيع المعروف؟.
في هذا الموضوع يذكر الفقهاء في رسائلهم العملية ـ عادة ـ أن الطريق لمعرفة هذا العلم أمّا أن يكون الشياع الذي يبلغ حد التواتر والوثوق بوجود هذا العلم، أو أن تقوم البينة الشرعية على وجود هذا العلم في هذا المرجع الصالح.. والبينة عادة يحددها الفقهاء بشهادة عدلين خبيرين بوجود هذا العلم في هذا المرجع الصالح.
ويكتفي بعض العلماء بالوثوق الذي هو درجة أقل من درجة العلم، بحيث تتحقق حالة من الركون والوثوق والاطمئنان النفسي بوجود هذا المستوى من العلم لدى هذا العالم المرجع.. وبناءً على هذا الرأي يكون الاطمئنان والوثوق حجة شرعية فيكتفي هؤلاء بهذا المستوى من المعرفة أيضاً.
هذا هو الأمر الذي يذكره الفقهاء في رسائلهم العملية ـ عادة ـ ولكن نواجه مشكلة فيما يتعلق بهذين الطريقين اللذين يحددهما العلماء في رسائلهم العملية في ظروف أوضاعنا العملية وأوضاع الحوزات العلمية، هذه المشكلة ليست دائمة وإنما تحدث في كثير من الأحيان، وهي مشكلة تعدد المراجع الذين يطرحون أنفسهم لهذا الموقع الهام مع وجود شهادات متعددة بحد البينة في الأوساط العلمية لهؤلاء المراجع.. بحيث يمكن أن نقول: إن التواتر الذي يؤدي إلى حصول العلم الشخصي واليقين والاطمئنان لا يتحقق بخصوص هذا المرجع أو ذاك المرجع لوجود شهادات متعددة من قبيل وجود أثنين أو ثلاثة أو أربعة يشهدون لمرجع في مكان، وفي مكان آخر يشهد ثلاثة أو أربعة أو أكثر لمرجع آخر وهكذا..
صحيح أن كل واحدة من هذه الشهادات ـ لو أردنا أن نقوّمها في نفسها بدقة تكون أحياناً ـ شهادة كاملة، ويمكن أن تكون بينة شرعية ـ أيضاً ـ يعتمد عليها في مقام الرجوع إليها والاستناد إليها في معرفة هذا العلم.. ولكن مع وجود البينة الأخرى التي تشهد في الجانب الآخر أي لمرجع آخر، هنا تحصل عندنا ظاهرة يعبّر عنها علم الاصول بظاهرة التعارض بين البينات، ومع وجود التعارض بين البينات لا يمكن عندئذ الاستناد إلى هذه البينة ولا إلى تلك البينة، إذ لو كانت هذه البينة وحدها، دون غيرها كان يكفي وجودها في إحراز العلم المطلوب، ولكن مع وجود ظاهرة تعدد المراجع والشهادات المتعددة لهم التي هي من الظواهر المعروفة في كثير من ظروفنا الاجتماعية والحوزوية، فما هو الموقف تجاه هذا الموضوع؟
وهذا الأمر يحتاج إلى المزيد من التوضيح، لأجل أن تصبح هذه القضية المهمة واضحة وهي معرفة وجود هذه الصفة وهذا الشرط الهام في المرجع، بحيث يمكن أن يصل الانسان المؤمن المتدين إلى الحقيقة في هذا الموضوع.
العلماء والسلف الصالح(17) والمحققون كانوا ينظرون إلى عدة أمور وقضايا مهمة تعبر عن مؤشر لهذه الحقيقة بحيث تؤدي إلى تلك النتائج التي أشار لها الفقهاء في رسائلهم العملية بصيغ محددة.
الأمر الأول: وهو يرتبط بأصل وجود هذا المستوى من العلم وهو الاجتهاد المطلق الفعلي بالنسبة لهذا المرجع، حيث نلاحظ أن هذا المرجع لابد أن يكون مرجعاً معترفاً به في هذه المؤسسة العلمية المتخصصة وهي الحوزة العلمية، وان هذه المؤسسة بعلمائها ومدرسيها وفضلائها وطلابها يكون فيها اجماع أو رأي عام بقبول اجتهاده المطلق الفعلي، وهذا الرأي العام يحقق الأمر الذي ذكرناه في موضوع الشياع والتواتر، إذ يتحقق العلم أو الاطمئنان بأن هذا الانسان هو بمستوى من العلم يصل إلى هذه الدرجة العلمية والفضيلة الفقهية وهي درجة الاجتهاد المطلق الفعلي الذي يتمكن من خلاله أن يكون انساناً صالحاً للمرجعية.
إذن، فلابد من الاهتمام بهذه القرينة العلمية في استكشاف هذه الحقيقة، كما هو الحال في كل الشؤون المماثلة التي نشاهدها في عصرنا الحاضر والعصور السابقة.. أي أن أية درجة علمية عالية لا يمكن القبول بها ما لم نرجع إلى المؤسسة التي تربي مثل هؤلاء العلماء.. فالأطباء مثلاً لا يمكن القبول بادعائهم لمستوى عال من الطب ما لم يكن هناك اعتراف من قبل المؤسسات الطبية والجامعات العلمية التي تخرّج الأطباء في هذا الوقت.. وبدون هذا الاعتراف لا يمكن قبول مثل هذا الطبيب بهذا المستوى العالي.. وهكذا الحال في المهندس وكل المجالات الأخرى ذات البعد العلمي المناسب وحتى في القضايا الحرفية والمهنية نلاحظ ضرورة ذلك.
فعلى سبيل الفرض صفة الدقة في مهنة صياغة الذهب والمجوهرات ذات الطبيعة الفنية الدقيقة، فإننا نجد أن أول مدخل لمعرفة اتصاف الانسان بهذه الصفة الفنية، هو الرجوع إلى المؤسسة التي يتخرج منها مثل هؤلاء الأشخاص.
وفي المرجع أحياناً يكون الموقف اجماعياً للمؤسسة والحوزة العلمية تجاهه ، وأخرى يكون على شكل رأي عام في هذه المؤسسة بحيث يحصل الاطمئنان بوجود هذه الدرجة من العلم عند هذا المرجع  ..
وهذا في الواقع يمثل احدى الضمانات المهمة التي وضعها أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في تخطيطهم لمؤسسة الحوزة العلمية، وهذه الضمانة تشبه ضمانة المعجزة التي وضعت من قبل الله سبحانه وتعالى، لمعرفة صحة دعوى النبي وسد الطريق أمام أدعياء النبوة.
والخلاصة هي أن: اعتراف هذه المؤسسة بهذا المرجع هي الضمانة التي يمكن أن نحرز من خلالها في المرجع هذه الدرجة العلمية ونسد الطريق بذلك على أدعياء المرجعية.
الأمر الثاني: الذي يمكن أن نأخذه بنظر الاعتبار هو وجود الكتب والمؤلفات التي تصدر عن هذا العالم.. وهذه المؤلفات لا يمكن للشخص العادي أن يشخصها ويقيّم محتواها.. بل تبقى المؤسسة العلمية هي المصدر الذي يمكن أن يمحص هذا التأليف وهي التي تميز وتقيّم محتواه من خلال ذلك، ويمكن معرفة هذا العالم والمستوى العلمي الذي يتميز به، والكثير من علمائنا الأعلام ومراجعنا الكرام عرفوا في الأوساط العلمية من خلال مؤلفاتهم قبل أن يعرفوا من طريق آخر، فبعض هؤلاء المراجع لم تكن لديه فرصة للاحتكاك الواسع بالأوساط العلمية أو بالحوزة ـ مثلاً ـ أو أن يتحرك عليهم، بل كان منصرفاً إلى حد كبير إلى العلم وطلبه والتدريس ومن خلال التأليف عرفت الحوزة العلمية مستواه في علمه وفهمه.
فقضية المؤلفات تعتبر من المؤشرات المهمة في الأوساط العلمية، لمعرفة مستوى العلم الذي يمتاز به هذا المرجع أو ذاك.
الأمر الثالث: الذي يمكن أن يوصل الانسان إلى هذه الحقيقة والتحقق من وجود هذا المستوى من العلم هو وجود التلامذة والطلاب، فالحوزات العلمية بحسب طبيعة عملها حوزات ولودة، والولادة فيها ذات طبيعة ذاتية أي ديناميكية حسبما يعبرون، يعني تمتلك صفة التوالد الذاتي، فالانسان فيها يدرُس في الحوزة وفي الوقت نفسه يدرّس أيضاً فيها ويعتبر هذا العمل جزءاً مهماً من ممارساته العلمية، أما أن يكون معزولاً عن المجتمع وليس له طلاب أو أفراد يربيهم فهذه
قضية نادرة جداً في أوساط الحوزات العلمية، ولا أقول ليس لها وجود مطلقاً، ولذلك نجد أن العلماء المتميزين يكون لديهم عادة طلاب يتميزن أيضاً بالعلم والفضل، وكما هو معروف في الحوزات العلمية فان قضية العلم تأتي بالدرجة الأولى في الاهتمام، وانتاج هذا العالم لطلابه وتميزهم بالعلم هو بنفسه مؤشر على المستوى العلمي العالي الذي يتصف به هذا العالم.
إذن فهناك عدة مؤشرات أولها اعتراف الحوزة العلمية، ووجود الرأي العام بقبول هذا العالم المجتهد فيها، وثانيها موضوع المؤلفات العلمية المتميزة المعروفة في هذه الأوساط، وثالثها الطلاب المعروفون بالفضل ومستواهم العلمي.
هذه المؤشرات الثلاثة يمكن أن تخدم قضية الشياع وحصول درجة الاطمئنان والوثوق إن لم تكن درجة اليقين في بعض الأحيان.
ومع كل ذلك فقد توجد حالة رابعة ليس لها قاعدة مضبوطة، بل هي قضية ذات طبيعة انسانية ذاتية ترتبط بالانسان وثقته من خلال المعاشرة والممارسة الميدانية بهذا المرجع أو ذاك، فقد تتحقق لدى الانسان من خلال معاشرته الميدانية لهذا المرجع قناعة ذاتية فيرى فيه شخصاً فاضلاً عالماً يتميز بالدقة والشمول والاحتياط والتورع والانتباه إلى الخصوصيات وذلك من خلال ممارسة شخصية عالية جداً لكل الاُمور بحيث تكون الممارسة من قبل هذا الشخص محققة لدرجة الاطمئنان والوثوق والتسليم بالحقيقة.
هذه القضية لا يمكن أن نضعها ضمن ضابطة عامة أو ضمن قانون عام وإنما هي قضية ذاتية كما قلت تبرز من خلال ممارسة شخصية وعلاقات خاصة تؤدي إلى هذا النوع من الاطمئنان والوثوق، ولكن لابد من الحذر فيها من تأثير الميول النفسية أو الهوى والرغبة الخاصة في ذلك.. وهذا الاطمئنان الناشي من الدقة والورع والفحص في الوصول إلى النتائج يكون حجة شرعية لدى بعض المجتهدين، لكنها حجة شرعية ذات طبيعة ذاتية كما قلت وليست كضابطة عامة أو قانون عام يمكن طرحه كمؤشر للوصول إلى هذه الحقيقة... أما الأمور الثلاثة الأولى التي ذكرتها فهي تشكل ضابطة وقانوناً يعتمد عليهما في الوصول إلى الحقيقة.
وأوكد وأنبه في هذا المجال على أن لا يكون لعامل الهوى ـ الميول الخاصة ـ بمعناه الواسع تأثيره على النتيجة، فربما يرغب انسان في عالم بسبب قربه منه، أو صداقته له، أو لأنه من أهل بلده، أو لكونه جاره، أو لأنه يتحدث بطريقة جيدة مفيدة، أو أنه على مستوى عال من المجاملات الاجتماعية.. وهكذا، ولأسباب عديدة ذاتية تنمّي فيه حالة الركون والوثوق بهذا المرجع، فانه يجب الانتباه إلى ضرورة تحري الدقة في الوصول إلى الحق وأن لا نقع تحت تأثير هذه العوامل الذاتية وهذه الميول والرغبات.
________________________________
(1) آل عمران: 33 ـ 34.
(2) الأنعام: 83 ـ 90.
(3) راجع اصول الكافي 2: 297 ـ 299، باب طلب الرئاسة، ولقد اخترنا هذه الروايات الثلاث التي تفسر بعضها بعضاً، الأولى معتبرة عبدالله بن مسكان، والثانية معتبرة أبي حمزة الثمالي، والثالثة معتبرة محمد بن مسلم.
(4) نهج البلاغة: الشقشقية، خطبة رقم 3.
(5) لقد تناولنا موضوع شروط المستشارين الاسلامية في كتابنا الحكم الاسلامي بين النظرية والتطبيق: 133، وموضوع الحاشية الصالحة في كتابنا الامام الحكيم: 82.
(6) التوبة: 103 و 60.
(7) أقول مع الأسف أن هذا الموضوع من الأبحاث التي لم يتم بحثها بصورة مستوعبة للوصول فيها إلى نتائج عملية وضوابط علمية في الاستنتاج.
(8) هناك عدد كبير جداً من النصوص بحيث يمكن أن نقول بأنها مستفيضة حتى لو لم يكن كل واحد منها يتصف بمواصفات الاعتبار (والحجية) ولكن كثرة هذه النصوص ووجودها في المصادر المختلفة والمتعددة في مواصفاتها وخصوصياتها يمكن أن يستنبط ويستفاد منها معنى كلي اجمالي يناسب ما سوف اطرحه في هذه الإثارة من فهم لهذا العقل.
ويمكن بمراجعة عامة لهذه النصوص في بعض المصادر ككتاب (ميزان الحكمة) تحت عنوان مادة (العقل) التي يفرد لها عدداً كبيراً جداً من النصوص تبلغ المئات والتي تتعلق بالحديث عن العقل وتعريف العقل وما ينبغي الاتصاف به من مستوى بالنسبة إلى المتصدين لمثل هذه المقامات ولمثل هذه الأعمال والمواقع ومنها هذه المرجعية الدينية.
وهكذا مراجعة مادة العقل في (كتاب سفينة البحار) من أجل التعرف على النصوص التي وردت حول هذا الموضوع في كتاب البحار، وبذلك يمكن أن يخرج الانسان من خلال المراجعة العامة لمثل هذه النصوص الكثيرة المتوافرة بنتيجة تتصف بالوثوق والاطمئنان بالنسبة إلى مثل هذه الأفكار المطروحة.
(9) أمالي الصدوق: 358، مجلس 47 حديث 18.
(10) نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 113.
(11) نهج البلاغة: الخطبة رقم 173.
(12) أما أن يكون المرجع انساناً مضطرباً في مسيرته لا يعرف كيف يتحرك، وما هو منهجه وماهي خصوصياته ولا يعرف موقع الولاية من موقع المرجعية، ولا يعرف موقع المرجعية من موقع المؤسسة أو الحزب والمنظمة أو غير ذلك، فأحياناً يرى المرجعية فوق الحزب مثلاً وأحياناً يرى الحزب فوق المرجعية، أو يرى المؤسسة فوق هذه المرجعية، أو أن المرجعية فوق هذه المؤسسة. فهذا ينافي شرط العقل المطلوب.
(13) فمثلاً في الأحداث التي تجري الآن في أفغانستان نلاحظ وجود مجموعة من المصالح والمفاسد في هذه الحركة، لكن هنا أي مصلحة من المصالح تقدم؟ هناك مصلحة الدفاع عن هؤلاء المؤمنين الذين يذبحون ويقتلون في أفغانستان حيث تجري عمليات إبادة لهم بصورة واسعة، وهذه مصلحة من مصالح المسلمين مهمة جداً وقد سمعنا بيان آية الله السيد الخامنئي حفظه الله تعالى عندما تحدث عن هذا الموضوع فقد كان يعبر عن حرقة قلب ويتفجر عاطفة وألماً واحساساً بالمحنة. وتوجد هناك مصلحة أخرى هي مصلحة المحافظة على هذا الكيان السياسي الاسلامي في الجمهورية الاسلامية في مقابل الأخطار التي كانت تحيط به ولا تزال مصلحة المحافظة على الأوضاع العامة للمسلمين ووحدتهم وعدم تمكين الاستكبار العالمي من فرض الهيمنة على المسلمين من خلال النزاع والصراع الدموي.
(14) البقرة : 129.
(15) لقد نبه الامام الخميني(قده) إلى هذا الأمر في إحدى رسائله الحاسمة للأمة وأكد على ذلك بصورة واضحة وصريحة.
(16) هذه المستويات من الأمور الواضحة في الحوزة العلمية، لكن باعتبار التوسع الكبير الذي شمل الحوزة العلمية نفسها من ناحية، والتوسع في انتشار أتباع أهل البيت (ع) في كل العالم من ناحية أخرى، وتحول العالم تدريجياً إلى بلد واحد، أصبحت مثل هذه الأمور يلفها بعض الغموض.
(17) أنا لا أرغب في تناول جميع أطراف هذا الموضوع، وإنما أحاول أن أشير إلى الأساليب التي كان يتبعها سلفنا الصالح والعلماء الفضلاء والمحققون في الحوزات العلمية، بحيث يمكنهم من خلالها الوصول إلى هذا الشرط، وهي في ذات الوقت تحقق ما ذكره العلماء الفقهاء من شرطين رئيسيين فيما يتعلق بالطريق للوصول إلى هذا المرجع، وهذا المستوى المطلوب من العلم.