من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ ـ ٨٢ )        إياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)      أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)      شتان ما بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره. ( نهج البلاغة ٤: ٢٨)      
الحوزة > المؤسسة الدينية

 > حول المرجعية الدينية وخصائص العالم الديني


الشيخ محمد مهدي الآصفي

يجري في اوساط المثقفين اليوم حوار طويل حول « المرجعية الدينية » و « الحوزة العلمية» و «دور العلماء» في المجتمع.
ولما كان هذا الحوار يتعلق بمسألة خطيرة، وذات بعد تاريخي في حياتنا السياسية والاجتماعية، فقد رأيت من المفيد ان اسلط بعض الضوء على النقاط الاساسية ومحاور البحث الرئيسية في هذا الحوار.

المرجعية الدينية من مراكز القوة في المجتمع

مهما نشك في شيء، فلا نشك في ان المرجعية الدينية أحد مراكز القوة في حياتنا السياسية والدينية والاجتماعية. ومراكز القوة ـ عادة ـ تختزل قوة الامة وارادتها.
ان للامة ارادة وقوة، وهذه الارادة والقوة قد يجتمعان في مركز واحد، فيكتسب هذا المركز قوة كبيرة تساوي قوة الامة، وارادة قوية تساوي ارادة الامة. وهذه المراكز هي ملك للامة كلها، لان قوتها وفاعليتها نابعة من الامة، ودورها هو تمثيل ارادة الامة وعزمها في
القضايا الكبيرة التي لايتمكن الناس من القيام بها افراداً وجماعات. وتلك حاجة حقيقية في الامة.
فلابد في الامة من مراكز قوة تمثل ارادتها ووعيها وقوتها وصرختها واحتجاجها. والمؤسسة الدينية تمتلك هذا الثقل السياسي والاجتماعي والحركي الى حد كبير.
اذن ـ دون ان نتجاوز الحوار ـ نقول لابد في كل حوار يجري، ان نأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقيقة. فليس من بأس على احد من المفكرين والمعنيين بشؤون الامة، ان يحاور هذه المؤسسة أو تلك من مؤسسات الامة، وهذا المركز او ذلك من مراكز القوة، اذا كان يلتزم بقواعد الحوار السليم، ولا يفرط بشيء منه، ولا يجره ذلك الى الانتقاص والالغاء.

العمق الاجتماعي لامتنا

قد يختفي العمق الاجتماعي للعلماء والمؤسسة الدينية عن أعين الكثيرين، فلا يرون للمؤسسة الدينية هذا النفوذ، وهذا التأثير وهذه المركزية، والموقع الحساس الذي تحدثنا عنه. وهؤلاء على جانب من الحق، فان المجتمع قد يتعرض لمؤثرات سياسية واعلامية معينة، فتختفي القوة الحقيقية في ذلك المجتمع، وتظهر على السطح حالة وهمية، لكنها تملأ السمع والعين.
وقد تعرّض مجتمعنا في السنوات العجاف لمثل هذه الحالة، فاختفت هذه القوة عن السطح الظاهر للحياة، دون ان تفقد قدرتها ونفوذها في وسط الجمهور، او على الاقل دون ان تفقد مقومات هذه القوة، وظهرت على السطح قوة سياسية عسكرية تمتلك مفاتيح الاعلام والمال والسلطان، دون ان تملك من دعم الجمهور وتأييده قليلاً او كثيراً، ولكنها اكثر ماتعتمد عليه النظام الامني المتشدد، والجواسيس وادوات القمع والتعذيب من جانب، وعلى التضليل الاعلامي من جانب آخر.
واختفت ـ عن العين ـ في هذه السنوات ( العجاف ) أعراف الامة واخلاقها بل حتى مصطلحاتها وشعاراتها، وظهرت على السطح اعراف، واخلاق، ومصطلحات، وشعارات لاقبل للامة بها، وفي حالة تشبه حالة المسخ الحضاري، نقول تشبه حالة المسخ ولا نقول هي حالة المسخ الحضاري، لان العلماء لم يفقدوا في السنوات العجاف هذه، قدرتهم ونفوذهم الحقيقي، وانما اختفوا عن السطح الظاهر للحياة فقط، وملأ هذا السطح زَبد يملأ العين والسمع.
الاّ انّ احداث عقد الثمانينات واوائل التسعينات في الكثير من البلدان الاسلامية، وخاصة في ايران والعراق وافغانستان ومصر والجزائر، أعدّت العالم الاسلامي للعودة الى حالته الطبيعية مرة اخرى، ومهّدت الظروف السياسية لتحتل الحالة الاسلامية، ومن يرعى هذه الحالة من العلماء العاملين، السطح الظاهر للحياة الاجتماعية والسياسية.
وكان اهم هذه الاحداث والهزات في العالم الاسلامي ـ على الاطلاق ـ الثورة الاسلامية في ايران. فقد كان لهذه الثورة دور كبير في ذهاب الزبد الذي كان يطفو ويطغى على سطح الحياة، وفي ابراز وتثبيت ماينفع الناس من الوعي والحركة والاخلاق والاعراف والقوانين، ومن الناس الذين يحملون هذاالوعي والحركة.
وكانت هذه الثورة بمنزلة زلزال قلب المجتمع، فظهر على السطح ما كان خافياً وكامناً في العمق من قبل، واختفى عن السطح تماماً، ما كان يملأ العين والسمع من قبل، من الزبد الذي لايحمل شيئاً مما ينفع الناس. وهذه خاصية الهزات القوية. ففي هذه الهزة العميقة ظهر علماء الدين وبرز دورهم القيادي الفاعل في الاحداث السياسية، وفي مواجهة الاستكبار والكفر، وكان للامام الخميني الراحل ( رض ) الدور القيادي البارز في هذه الحركة. ولا ينقص من قيمة هذا الدور وهذا الحجم ـ اطلاقاً ـ الاخطاء السياسية والاجتماعية التي ارتكبها بعض قادة الثورة ورجالها من العلماء وغيرهم. فلكل ثورة اخطاء، وكل ثورة تمر عبر بحر من الفتن، ولا يمكن ان تسلم الثورة خلال عبورها هذه الفتن من الاخطاء. وليس المهم حدوث هذه الاخطاء في وقتها، وانما المهم هو جرد الثورة بصورة مستمرة، وتصحيح مسيرها وتصحيح الاخطاء التي تقع فيها، وتثبيت المكاسب الحضارية والسياسية التي حققتها.
في الثورة الاسلامية الايرانية تبادلت القيادة و ( القاعدة ) الثقة التي كانت مفقودة بينهما منذ زمن طويل، وشعر الناس بان قيادتهم تشاركهم في همومهم وتتحسس آلامهم، حتى لو كانت تعجز عن ازالتها او تخفيفها، ووقفت الامة الى جانب قيادتها في الازمات الشديدة، وفي اقسى ايام الحصار الاقتصادي والسياسي والاعلامي. واحس الناس بان قيادتهم تحترم ارادتهم، وتراثهم ومواريثهم الحضارية، في حين كان الناس قد الفوا ـ منذ زمن طويل ـ هجر القيادة وتنكرها لارادتهم ومواريثهم الحضارية وتراثهم. وبكلمة موجزة ان هذه الثورة اعادت الناس الى انفسهم، بعد ان كانت الانظمة الحاكمة، والمرتبطة بعجلة الغرب والشرق، قد سلختهم عن انفسهم وهذه قيمة حضارية كبيرة.
ومن خلال هذا التصور نستطيع ان نفهم ونتحدث عن مركز العالم الديني وموقعه السياسي والاجتماعي في الامة.


المواقع الثلاثة للعالم الديني في المجتمع


ان العالم الديني يمثل في مجتمعنا قيمة كبيرة، حيث يضع الناس فيه أعلى درجات الثقة. ويمارس العالم الديني في مجتمعنا ثلاثة ادوار خطيرة، هي:
1ـ التوجيه والارشاد والوعظ.
2ـ التعليم والتثقيف والفتيا وبيان الاحكام الآلهية والحلال والحرام.
3ـ القيادة والولاية والامر والنهي عن موقع الولاية والسيادة.
وهذه ثلاثة مراكز خطيرة، وهي اهم مافي حياة الناس. حيث تتطلب حضوراً فاعلاً ومؤثراً في وسط الامة. فلا يستطيع العلماء ممارسة هذه الادوار، اذا كانوا منعزلين عن الامة، وعن حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعن حركتها وطموحها وآمالها وآلامها. وتبادلهم الامة اغلى ماعندها، واغلى ماعند الامة هو الثقة والطاعة. ولولا ان الامة تمنح الثقة والطاعة للعلماء، لم يكن بامكان العلماء ان يمارسوا دوراً فعالاً من خلال هذه المواقع الثلاثة على الاطلاق.

مصادر الثقة

لم تكتسب المؤسسة الدينية هذه الثقة وبهذه الدرجة من الامة من دون سبب، فان الامة لاتمنح الثقة الا ضمن حساب دقيق. فقد يكتسب احد ثقة جماعة من الناس بصورة او اخرى، من دون سبب كاف، ولكن من غير الممكن ان شخصاً او مؤسسة تكتسب ثقة امة من الناس بصورة اعتباطية، ومن غير سبب كاف وبصورة مستمرة، رغم كل العوامل السلبية. وعندما نبحث عن الاسباب التي دعت الناس الى ان يضعوا ثقتهم في العلماء بهذه الصورة، نلتقي بسببين اساسيين:
الاول: توجيه اهل البيت (ع) الامة الى احترام العلماء ووضع الثقة فيهم، والرجوع اليهم، والاخذ بتوجيهاتهم، والإلتفاف حولهم، والتزامهم، وتبنيهم.
الثاني: التاريخ النزيه للمؤسسة الدينية، وهذا التاريخ يضرب بجذوره في عمق الماضي، وتستحضره ذاكرة الامة.
والذين يستحضرون هذا التاريخ، يعرفون جيداً، ان المؤسسة الدينية سلمت خلال هذا التاريخ الطويل ـ من الغيبة الكبرى للامام المهدي المنتظر (عج) الى اليوم ـ من الانحراف والشطط والانتهازية والتلاعب بمصير الامة، واستثمار ثقة الناس في شؤونهم الذاتية. وهذا التاريخ حاضر في ذاكرة الامة ضمن ارقام وقضايا واقعية.
وليس معنى ذلك أنّ التاريخ لم يشهد عضواً في هذه المؤسسة شطّ او انحرف فقد حصل هذا الامر بالتأكيد، والمناقشة فيه مناقشة في البديهيات. ولكن الامر الذي حدث الى جانب ذلك، ان كل عنصر شط أو انحرف من داخل المؤسسة الدينية، عزلته هذه المؤسسة عن نفسها أو عزله الناس بانفسهم عن المؤسسة. ولعل هذا الوعي المبكر لتشخيص حالات الانحراف في اعضاء المؤسسة الدينية، والموقف العملي السريع تجاه هذه العناصر، وعزلها عن هذه المؤسسة، وتجريدها عن صلاحيتها وادوارها، هو من جملة أسباب حصانة المرجعية الدينية والحوزة العلمية. ويدخل في هذا الباب النماذج المعاصرة، التي يعرفها الناس في حياتهم من العلماء العاملين الموجودين في كل زمان وفي كل بلد تقريباً، ممن عرفهم الناس عن كثب، وعرفوا فهم الصلاح، والتقوى، والجدية، والاخلاص، ونكران الذات، والزهد، والاهتمام بشؤون الناس، والقوة، والجرأة، والثبات. وهؤلاء العلماء لهم حضور فاعل بطبيعة الحال في حياة الناس، يعرفهم الناس ويلتقونهم ويتعاملون معهم، ويأخذون منهم ويمنحونهم ثقتهم. ويدخلون الحياة السياسية والاجتماعية من اوسع ابوابها. ومع ذلك لايسجل لهم التاريخ سقوطاً عند هذه المزالق كما يسجل لغيرهم، ولايفقدون رغم كل النقد والتجريح، ثقة الناس واعتمادهم، ويبقى هؤلاء عناصر صلبة في تيار العمل السياسي والاجتماعي والحركي، لايمكن ترويضهم بارهاب ولا اغراء.
وعندما يتلاقى هذان العنصران: ثقة الجمهور بقيادته ورواد حركته، وصلابة عناصر القيادة واستقامتها، تكتسب المؤسسة الدينية قيمة كبرى، وتعتبر مصدر خطر كبير بالنسبة للمؤسسات الاستكبارية التي تطمع في الوصول الى مآرب سياسية واقتصادية في العالم الاسلامي.
وليس معنى ذلك كله ـ كما أشرنا ـ ان المؤسسة الدينية تخلو من عناصر ضعيفة، تستغل ثقة الناس استغلالاً شخصياً، وتستفيد من احترام الناس وثقتهم في بناء ذاتهم وكيانهم. فان وجود هذه العناصر ضمن المؤسسة الدينية واقع وطبيعي في الوقت نفسه، كما ان وجود هذه القيمة الكبيرة للعالم الديني، وللمؤسسة الدينية عموماً صحيح وواقع ايضاً، ولا سبيل للمناقشة في هذه أو تلك.
ولكن يبقى ان من الخطأ التفريط في هذا الموقع الاجتماعي، بما يحمل من قوة، وبما يكسب من ثقة الناس، ومن الخطأ ـ أيضاً ـ تجنب الحوار والنقد الموضوعي البنّاء لهذه المؤسسة.

كيف نتعامل مع المؤسسة الدينية؟

أمامنا ثلاثة انماط من التعامل مع هذه المؤسسة:
الاول: التعامل من خلال الثقة المطلقة بكل شرائح هذا الكيان الديني، وتعميم الاحترام لكل اعضائه والمنتمين اليه.
الثاني: النقد الجارح الذي لايتجنب صاحبه فيه حالة التشويه والالغاء.
الثالث: النقد الموجَّه المسؤول، الذي يطلب فيه صاحبه نقاط الضعف ويوضحها، للتسديد والنصح، وليس للانتقاص والالغاء.
والفرق بين الاسلوبين الثاني والثالث واضح، فالثاني نمط غير غير مسؤول من النقد، بينما الثالث نمط مسؤول من النقد. والناقد غير المسؤول لايهمه الاثبيت نقاط الضعف على هذه المؤسسة، مهما كان الثمن، ومهما آل اليه الامر، بينما الناقد الآخر يهمه النصح والتسديد، ومعالجة نقاط الضعف، فهو يحرص على الكيان من حيث الاساس، ويحرص في نفس الوقت على اصلاح وتسديد نقاط الضعف في هذا الكيان.
ولست اشك ان المؤسسة الدينية بحاجة الى كثير من النقد، كما لست اشك ان النقد غير المسؤول وغير الموجه ضرره اكثر من نفعه، بل لايأتي بغير الضرر، لأن النقد اللامسؤول عمل تخريبي في مركز من أهم مراكز القوة في المجتمع، يؤدي الى تشكيك الناس وسلب ثقتهم عن هذا المركز، دون استبداله بمثله، فضلاً عن استبداله بخير منه. وهذا الاسلوب من النقد ـ اذا أحسنا الظن بالدوافع السياسية والثقافية لصاحبه ـ نابع من احد امرين:
الاول: عدم وعي مراكز القوة في المجتمع وضرورتها.
الثاني: اللامبالاة وعدم الاهتمام بوجود هذه المراكز.
والثاني اسوأ من الأول.
ولدينا أنماط اخرى من النقد، تنطلق من منطلق الحرص على هذه المؤسسة، والنصح والتسديد لها، ولكنه يقع في شرك التسقيط والالغاء، من حيث لايريد الناقد.

الخصائص النفسية والموقع الاجتماعي لعلماء الدين

العالم الديني صاحب اختصاص بالتأكيد، وهذا الاختصاص هو في علوم الشريعة، وله ما لسائر اصحاب الاختصاص من حقوق وآثار ومسؤوليات. الا ان هذا الاختصاص، يختلف عن غيره من الاختصاصات. فهو يتطلب من صاحبه ان يتجسد فيه، بشكل واضح وكامل، ومن غير ان تتحول هذه المعرفة الى سلوك لايكون صاحبه عالماً بالمعنى الدقيق للكلمة، فان العلم اذا رسخ في نفس الانسان يخلق في نفسه شفافية ونوراً، ولهذه الشفافية وهذا النور آثار واسعة في حياة الانسان. والعلم يفتح منافذ القلب، ويخرج الانسان من حالة الانغلاق، ويوسع افق الانسان ويمنحه الاحساس بالمسؤولية تجاه الاخرين، ويحسس الانسان بآلام الآخرين وهمومهم، ويلطف احساسه وشعوره، ويمكنه من تلقي هموم الآخرين ومعاناتهم. وقد وردت في ذلك نصوص اسلامية، نشير من خلالها الى طائفة من خصائص العلم:

1ـ العلم والخشية

يقول تعالى: (انما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)(1)، هذه الآية تحصر الخشية من الله في العلماء، وبقدر مايكون العلم تكون الخشية من الله تعالى. والعلم الذي لاينتج خشية من الله تعالى لايكون من العلم الذي يجعل من صاحبه عالماً، وانما هو تراكم من المعلومات. يقول تعالى: (وليعلم الذين أُوتوا العلم انه الحقُ من ربك فيؤمنوا به فتُخبت له قلوبهم)(2). هذه الآية الكريمة تجعل الايمان والاخبات من لوازم العلم.
وقد روي عن الامام الصادق «ع»: « الخشية ميراث العلم، ومن حرم الخشية لايكون عالماً، شق الشعر في متشابهات العلم»(3). فالعلم الحق هو الذي يورث صاحبه الخشية، واما الذي لايورث صاحبه الخشية فليس من العلم، وان شق صاحبه الشعر في دقة النظر.
وفي القرآن نجد حصرين اثنين: حصر الخوف من الله تعالى والاخبات له في العلماء، فلا يخشى الله تعالى حق خشيته احد غير العلماء، وكلٌ يخشى الله تعالى على قدر علمه. واختلاف الناس في الخشية من الله، ينشأ من اختلاف درجاتهم في العلم، كما ان اختلاف درجات الناس في الاخبات ينشأ من اختلافهم في درجات العلم. وهذا احد الحصرين في القرآن.
الحصر الآخر، هو حصر الخوف في العالم من الله تعالى فقط، فان العالم يخشى الله تعالى فقط، ولا يخشى احداً الا الله. يقول تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احداً الا الله وكفى بالله حسيباً)(4). وبموجب هذا الحصر لايخشى العالم أحداً الا الله تعالى.
والآية الكريمة، وإن كانت لاتضيف الخشية الى العلماء، ولكنها تضيفها الى الذين يبلغون رسالات الله، ولا يبلغ رسالات الله الا من كان عالماً بها.
فالعلم ـ اذن ـ ذو خاصية غربية، فهو يبعث الخشية في نفس صاحبه، وينفي الخوف من نفس صاحبه في الوقت نفسه. والخوف الثاني يتبع الاول، والأول ينبعث من العلم. فلا يتحرر الانسان من الخوف من غير الله الا اذا تأكد الخوف من الله تعالى في نفسه، ولا يتأكد الخوف من الله تعالى الا اذا رسخ العلم في نفسه، وبقدر ما يرسخ العلم في نفس الانسان يكون الانسان خائفاً من الله تعالى. ونحن نستظهر هذه المعادلات كلها في بيان القرآن وتقريره. وهذا احد اغرب اثار العلم في نفس العالم.
والعلم هنا أمر آخر، غير ما يخزن الانسان في ذاكرته من المعلومات، وانما هو مايستقر في نفس الانسان، ويرسخ، ويتحول في نفس الانسان الى وعي وبصيرة وهدى وسلوك.

2ـ العلم والمسؤولية

الخصوصية الثانية للعلم، هي انه يحمِّل صاحبه مسؤولية أعمال الآخرين. يقول امير المؤمنين علي (ع) في الخطبة الشقشقية: « اما والذي فلق الحب، وبرئ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها». فان العلم كما ذكرنا يوسع افق روح الانسان وشعوره، ويخرجه من حالة الانا، ويمكّنه من ان يتحسس هموم الآخرين ومعاناتهم. فاذا أحس الانسان بمعاناة الآخرين وهمومهم، يحمل مسؤوليتهم، ويقف الى جنبهم، ويدافع عنهم، ويرفع صرخة المظلوم في وجه الظالم، وهذا هو عهد الله على العالم، كما يقول الامام علي (ع): « وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ». وهذا عهد اخذه الله على كل انسان، وكل منا اعطاه لله تعالى في عمق فطرته وتكوينه، ولكن العلماء من دون سائر الناس، يمكّنهم الله تعالى من وعي هذا العهد والاحساس به، وهذا من خصائص العلم والمعرفة.

3ـ العلم والمعرفة

والعلم الذي يمنح الانسان هذه المؤهلات وهذه الشفافية والخفة في الروح، هو ما يصطلح عليه اليوم بـ«الثقافة». فان المعرفة البشرية «ثقافة» و « علم ».
الثقافة هي مجموعة المعارف التي تدخل في تكوين ذهنية الانسان وعقله وروحه وعواطفهوسلوكه وعقيدته مثل: العقيدة والفلسفة والاخلاق والاداب والتاريخ وعلوم الشريعة، والعلم ماعدا ذلك من تجارب الانسان وخبراته ومعارفه، كالصيدلة والطب والجراحة والرياضايات والفلك والجيولوجيا والجغرافيا.
والثقافة توجه العلم، فالعلم لا جهة له من الخير والشر في حياة الانسان، ويقبل الخير والشر معاً، والثقافة هي التي توجّه العلم الى الخير والشر. وثقافة الانسان هي التي توجه وتحدد جهته في الحياة. فاذا كانت الثقافة التي تكوِّن ذهن الانسان ونفسه، ثقافة ربانية، استطاع صاحبها ان يوظف العلم باتجاه خدمة الانسان وصلاحه. واذا كانت الثقافة التي توجه الانسان ثقافة مادية جاهلية، وجهت صاحبها الى توظيف العلم باتجاه تخريب اخلاق الانسان وسلوكه وباتجاه العدوان والافساد في الحرث والنسل.
والثقافة مصطلح حديث في هذا المعنى، الا ان التمييز بين «العلم » و«الثقافة» ليس حديثاً. فقد كان العلماء يفرقون بين مصطلح « العلم » و «المعرفة»، وكانوا يقصدون بالمعرفة مضموناً قريباً الى مضمون « الثقافة » اليوم. ومهما يكن من أمر، فاننا نقصد بالعلم هنا « الثقافة » و « المعرفة ». وبهذا المعنى يكون العلم موجهاً للانسان وهاوياً له، ويمنح الانسان النور والشفافية وسعة الافق والبصيرة والهدى، وفي النتيجة يكون العلم رحمة في حياة الانسان.
يقول الله تعالى في قصة لقاء موسى بن عمران (ع) بالعبد العالم عند مجمع البحرين: (فوجدا عبداً من عبادنا اتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً)(5). والعلم في هذه الآية المباركة، وإن كان معطوفاً على الرحمة، الاّ ان السياق يشهد بان المقصود من الرحمة مايشمل العلم، فان الله تعالى انما وجه عبده وكليمه موسى بن عمران (ع) الى لقاء عبده العالم، ليأخذ مما آتاه الله تعالى من العلم.
فالعلم ـ اذن ـ رحمة في حياة الانسان، ولن يكون العلم رحمة الا حينما يوجِّه الانسان الى الله تعالى، ويمنحه بصيرة وهدى وشفافية في النفس، ويرفق مشاعره، ويوسع آفاق نفسه وعقله.

المسؤوليات التخصصية للعالم

لايعتبر الاسلام العلماء طبقة اجتماعية متميزة، ذات حقوق خاصة ومتميزة. ولكن العلم يحمل الانسان مسؤولية متميزة، وفي اصلاح المجتمع، ودعوة الناس الى الله تعالى، وهذه المسؤولية نابعة من وعي العالم بعهده الذي اعطاه لله تعالى . وهذا العهد يتضمن دعوة الناس الى الله تعالى واصلاحهم وتوجيههم. وكلما استقر العلم في نفس الانسان اكثر تأكد هذا العهد عنده اكثر.
وعلى هذا الاساس يكون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية تخصصية للعلماء دون سائر الناس، ويجب على المسلمين اعداد العلماء للقيام بهذه المسؤولية.

الامر بالمعروف في الدائرتين العامة والخاصة

الذي يمعن النظر في القرآن الكريم يجد انه يطرح هذا الواجب الخطير على صعيدين عام وخاص، فالعام بالنسبة الى كل المسلمين، والخاص بالنسبة للعلماء (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله)(6). فبموجب هذه الآية يجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل المؤمنين والمؤمنات.
وفي الدائرة الخاصة يقول تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون)(7). هذه الآية الكريمة واضحة في الدعوة الى قيام طائفة من المؤمنين بصورة اختصاصية، بمهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشاهد على ذلك كلمة «منكم» الدالة على التبعيض.
كما ان القرآن يوجب الاعداد العلمي لهذه الطائفة، من الدعاة الى الله، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. يقول تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)(8). هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين الى ان ينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، وليقوموا بمسؤولية الانذار والتوجيه، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا رجعوا الى قومهم لعلهم يحذرون.
فليس من الممكن ان يتفقه الناس جميعاً، ولايمكن ان يستقيم أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( في هذه الدائرة المركزة ) من دون ان يتفقه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. ولهذا وذاك يوجب القرآن الكريم على المؤمنين ان يتفقه من كل فرقة طائفة، لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم.
ويبدو من الآية الكريمة «وما كان المؤمنون...»، ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدائرة الخاصة، يختلف شأنه عنه في الدائرة العامة، فهو يتطلب من الفقه، مالايتطلبه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدائرة العامة ويتطلب من التفرغ والتخصص مالايتطلبه الامر بالمعروف في الدائرة العامة ويتطلب من القوة والسلطان والصلاحيات، مالايتطلبه الامر بالمعروف في الدائرة العامة.
__________________________
(1) سورة فاطر، الآية 28.
(2) سورة الحج، الآية 54.
(3) بحار الانوار، ج2، ص 52.
(4) سورة الاحزاب، الآية 39.
(5) سورة الكهف، الآية 65.
(6) سورة التوبة، الآية 71.
(7) سورة آل عمران، الآية 104.
(8) سورة التوبة، الآية 122.