قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر. ( نهج البلاغة ٤: ٣٦)        من أكثر أهجر، ومن تفكر أبصر. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. ( نهج البلاغة ٤: ٤٩)      ثمرة التفريط الندامة. ( نهج البلاغة ٤: ٤٣)      
الحوزة > المؤسسة الدينية

 > الحوزات العلمية عند الشيعة الإمامية

الشيخ محمد مهدي الآصفي

بسم اللّه الرحمن الرحيم

(فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(1).

هذه الآية الكريمة من سورة التوبة هي الأساس في المؤسسة الدينية التعليمية، وهي تُخُصُّ المؤمنين أن تنفر من كل فرق منهم طائفة للتفقّه في الدين، لينهضوا به والانذار والتبشير والتثقيف إذا رجعوا إليهم .

وإذا كان التفقّه في الدين في عصر الوحي يتمُّ في فترة زمنيّة قصيرة، فإن التفقه في الدين يحتاج اليوم إلى زمن طويل وجهد كبير، ودراسة منظمة .

وذلك للتعقيد الحاصل في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والادارية والقانونية لحياة الناس، وهذا التعقيد يتطلَّب جهة أكبر للإجابة على مسائل الناس الفقهية .

هذا من جانب، ومن جانب آخر للتطور الحاصل خلال هذه العصور، في آلية الاجتهاد والفقاهة، والتي تمكّن الفقيه من تغطية مساحات واسعة من حياة الناس فقهيّاً .

ومن جانب ثالث تزايد الحاجة إلى الثقافة الإسلامية نتيجة التعقيدات الحاصلة في المساحة الثقافية، وتتطلّب هذه الحاجة من طالب العلم جهة أكبر ليتمكن من تثقيف الناس بثقافة الوحي، وإزالة الشبهة والشكوك عن ثقافة الوحي .

وكل ذلك يتطلب أن يحقق المسلمون حالة الاستغفار للتفقه في الدين، إلى جانب الاستغفار لمجاهدة النفس .

وانطلاقا من هذه الآية المباركة من سورة التوبة أقام المسلمون المؤسّسات والمدارس للتعليم الديني على امتداد التاريخ، وقد حفظت لنا هذه المؤسسات والجوامع والمدارس الدينية أصالته ونقاوة الفكر الديني النابع من الوحي إلى اليوم .

ورغم أن بلاد المسلمين قد تعرضت لهزّات ومصائب كثيرة نتيجة التقلّبات السياسية، إلاّ أن هذه المدارس والحوزات الدينية بقيت تحافظ على اصالة هذا الدين، وارتباط المسلمين بدين اللّه، والتزام بأحكامه وحدوده، على امتداد هذا التاريخ الطويل .

وهذه الجوامع والمدارس والحوزات تنتشر في رقاع وأقاليم كثيرة من العالم الإسلامي كالحرمين الشريفين والنجف في العراق وقم في ايران والأزهر في مصر والقرويين في المغرب وندوة العمل في الهند وغيرها من الحوزات والجوامع العلمية التي حفظت لنا القرآن والحديث

والفقه والتراث والعقيدة والأخلاق والثقافة الإسلامية النابعة من الوحي .

وكانت بمثابة الحصون المنيعة التي حفظت هذا الدين من كل عوامل التخريب الكثيرة التي استهدفت رسالة اللّه تعالى إلى هذا اليوم .

وايحائاً بالظروف الاضافية والاقتصادية والسياسية، إلاّ أنها تمكنت من أداء رسالتها، في كل الظروف ضمن مدّ وجزر إلى اليوم الحاضر .

وعندما تساقطت قلاعنا أمام الغزو الثقافي والحضاري القادم من الغرب. كانت هذه المراكز من المراكز القليلة التي قاومت هذا التيّار الزاحف من الغرب ولم تسقط في هذا الصراع الحضاري الذي تعرضت له بلادنا في الشرق الإسلامي .

 وفي هذه الدراسة سوف اتحدث ان شاء اللّه من أهم المكاسب والخبرات والتجارب والانجازات التي حقّقتها مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ الفقهية في العراق وإيران وها مدرسة (النجف) في العراق، ومدرسة (قم) في إيران .

تاريخ المدرستين

 يرجع تاريخ الجامعة العلمية في قم إلى الربيع الأول من القرن الرابع الهجري في عصر البويهيين، وعاش في هذه الفترة في قم والري علماء كبار أمثال الشيخ الكليني المتوفى 329 هـ وابن بابويه والد الصدوق والمتوفى في هذه السنة، وابن قولويه المتوفى سنة 369 والشيخ

الصدوق وغيرهم من كبار المحدّثين والفقهاء. وعليه فإن تاريخ هذه الحوزة العلمية يرجع إلى أحد عشر قرناً واستمرت هذه المدرسة منذ ذلك الحين إلى اليوم تمارس نشاطها العلمي في الحديث والفقه في مد وجزر .

 ويرجع تاريخ الجامعة العلمية في النجف (العراق) إلى 448 هـ أي منتصف القرن الخامس الهجري عندما انتقل الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ إلى النجف لما لبس على دارة ببغداد، وأخذ ما وجد فيها من دفاتره وكتبه، ومنذ ذلك الحين استمرت مدرسة النجف بجوار الكوفة في ممارسة

نشاطها العلمي إلى اليوم، في مد وجزر كذلك، وهذه المدة تقارب الألف عاما.

 ولقد كتب نجم الدين المحقق الرضي الاسترابادي المتوفى سنة 688 هـ كتابه الكبير العجم في النحو إلى شرح الكفاية في النجف قبل 734 سنة ويكتب في نهايته، قد تم تمامه في الحضرة المقدسة الغروية على مشرفها صلوات اللّه العزة سنة ست وثمانين وستمائة .

 النجف وقم هما الجامعتان الفهيتان الأم في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهما من أعرق الجامعات الإسلامية أو الحوزات العلمية كما يسميها أبناء هذه الجامعة، كله .

 وقد اكسبت هذه المراقد التاريخية هاتين الحوزتين الكثير من الخبرة في القرآن والحديث والفقه، وهي أمهات العلوم في هاتين الجامعتين .

 ولأن هاتين المدرستين كانتا تحتلان موقعاً سياسياً واجتماعياً في أوساط أتباع أهل البيت عليهم السلام، فإن هاتين المدرستين كسبتا خلال الفترة خبرة سياسية واجتماعية وعلمية وأخلاقية وتربوية كبيرة .

 وسوف نعكس في هذه الدراسة ان شاء اللّه طرفاً من هذه الخبرة في المجال السياسي والاجتماعي من جانب، وفي المجال العلمي من جانب آخر، وفي المجال التربوي من جانب ثالث .

1 ـ في المجال التعليمي والاجتماعي

 أ ـ الاستقلال السياسي:

 ومن أهم هذه الخبرات الاستقلال السياسي لهذه المدارس عن الأنظمة والحكومات التي كانت تحكم هذه البلاد في فترات التاريخ المختلفة .

 وذلك لأن مسؤولية الفقهاء والعلماء هي الرقابة العامة على كل المرافق والمؤسسات الاجتماعية وفقدها ومحاسبتها. وعلى رأس هذه المؤسسات مؤسسة الدولة بكل أجهزتها ودوائرها الفرعية، فإذا تحولت الجامعة الدينية إلى جامعة تابعة لمؤسسات النظام ويلحقه بها لم تعد القدرة الكافية على رقابة هذه المؤسسة والمؤسسات التابعة لها ونقدها ولو تحول الفقهاء إلى موظّفين في الدولة لم يملكوا القدرة على النقد والرقابة البتة.

 ب ـ الاستقلال الاقتصادي:

 والاستقلال السياسي يتبع الاستقلال الاقتصادي، فلو كانت المؤسسة الدينية تابعة اقتصادياً لمؤسّسة الدولة لا تستطيع بالضرورة أن تحافظ على استقلالها السياسي... وهاتان القضيتان تؤلفان معادلة واحدة، لا يمكن فصل بعضها عن بعض والاستقلال الاقتصادي لا يتحقق إلاّ بالاكتفاء الذاتي .

وتعتمد حوزاتنا الفقهية ومساجدنا ادارة شؤونها على الحقوق الشرعية من الزكوات والأخماس .

ويعتقد فقهاء الإمامية أن تشريع الخمس أوسع من خمس غنائم

الحرب الذي ورد في آية الخمس من سورة الأنفال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) فهذه الآية تخص مفردة من مفردات الخمس .

 وقد صحّ عندنا من حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) إن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) كان يأمر بجباية خمس فائض رأس المال .

 والخمس والزكاة تغطيان مساحة واسعة من نفقات الحوزات والمدارس الدينية والمساجد التابعة للمؤسسة الدينية الكبيرة .

مطاوعة الجمهور

 وهذه الاُطروحة اطروحية جيدة، تمكّن المؤسسة الدينية من القيام بمسؤولياتها في إدارة الشؤون الدينية في المجتمع، ولكن النقطة السلبية في هذه الاُطروحة أنها تقود المؤسسة الدينية باتجاه تبعيّة الجمهور ومطاوعة الرأي العام، وذلك لأن المؤسسة الدينية عندما تحاول أن يحقق لنفسها حالة الاكتفاء الاقتصادي من ناحية الحكومات، فلا محالة تعتمد في تمويل مؤسساتها وأعمالها على إنفاق الناس...

 والاعتماد على الناس في التمويل من الممكن أن يسلب استقلال الرأي والقرار من المؤسسة الدينية، حتى لو كان هذا الانفاق ضمن الحقوق الشرعية، وعليه فإن المؤسسة الدينية تحتاج إلى جهد ذاتي كبير لتحفظ نفسها من الانقلاب من حالة التبعية الرسمية إلى حالة مطاوعة الجمهور .

ثقة الجمهور وطاعتهم للفقهاء

 قلما نجد نظيراً لهذه الثقة والطاعة من ناحية الجمهور للفقهاء، ولست أقول لا نجد، وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يُعرفون بهذه الميزة ويشتهرون بها .

 وسبب ذلك يعود: أولاً إلى تعليمات أهل البيت عليهم السلام، لشيعتهم بطاعة الفقهاء والثقة بهم والالتفاف حولهم. وقد تكرّر الأمر والتوصيات بذلك من ناحية أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهذه التعليمات أكسبت موقع الفقاهة عند الإمامية قيمة اجتماعية وسياسية كبيرة .

 والعامل الآخر هو سلوك الفقهاء تاريخياً إلى اليوم، فان المعروف منهم الأعراض عن الدنيا ومتاعها، والزهد فيها، وعدم الاستغراق في لذّاتها وطيباتها، أولاً، والاهتمام بشؤون الناس وهمومهم ومصائبهم وثانياً .

 يقول أمير المؤمنين عليه السلام، في الخطبة الشقشقية في صفة العلماء: ((وما أخذ اللّه على العلماء ألا يقارّوا كظم ظالم ولا سغب مظلوم)) أي لا يسكتوا عن تُخمة ظالم ولا جوعة مظلوم... وهذا الاهتمام بشؤون الناس والمراعاة بحقوقهم والدفاع عنهم في مقابل الظالمين، بالاضافة إلى ما عرف عنهم تاريخياً من الاعراض عن الدنيا والزهد فيها... من عوامل طاعة الناس لا تزال اليوم باقية، وإن كان يصيبها مدّ وجزر أحياناً .

 وقد سألني أمس أحد الاُخوة في هذا المؤتمر عن قصّة الملك ناصر الدين القاجار مع زوجته حنيما طلب منها أن تعدّ له دخان التبغ اليومي الذي اعتاده كل يوم... وكان المرحوم السيد حسن الشيرازي قد حرّم استعمال التبغ على المسلمين بعد أن أعطى الشاه حق احتكار التبغ

لشركة انجليزية، تستأثر في أطماعها الاستثمارية، فامتنع المسلمون في إيران جميعاً عن استعمال التبوغ، استجابة لحكم الفقيه، فلما طلب الشاه من زوجته داخل قصره أن تأتي إليه بما اعتاده من شرب التبغ يومياً امتنعت، فلما زجرها قالت له: الذي أحلَّني عليك حرَّمها عليَّ .

 هذه الثقة الغالبة والطاعة النادرة بمثابة عتلة قوية استخدمها الإمام الخميني ـ قدس سره ـ في حايتنا المعاصرة في الإطاحة بنظام البهلوي الفاسد وإقامة دولة إسلامية محله، ولولا هذه الثقة وهذه الطاعة النادرة لم يكن مثل هذه الثورة العامة بمقدور أحد من الناس .

 وليس من شك أن هذه عطيّة إلهية جليلة حبا اللّه بها الفقهاء وعليهم المحافظة عليها، والمحافظة عليها تكون بالمحافظة على مسيرة السلف الصالح من الفقهاء، بالأعراض عن الدنيا والزهد فيها، والاهتمام بهموم الناس، ومعايشة الناس في سرّائهم وضرّائهم، وعدم حجب الناس عنهم. فإن الجمهور يحمل فطرة سليمة في التقويم والتقدير، فيضع الثقة حيث تجب الثقة، وتحجب الثقة حيث لا يستحق الثقة. فإذا حجبت الجمهور ثقتها عن شخص فالأحرى به أن يراجع نفسه وعمله قبل أن

يتّهم الناس في اقبالهم وأعراضهم، أو يشك في سلامة تقديرهم، فقد دلتنا التجارب الكثيرة إن اللّه تعالى زود جمهور المؤمنين بحسّ مرهف دقيق في التوثيق والتقييم.

الدفاع عن قضايا المسلمين

 وجدنا الفقهاء دائماً خلال تاريخها المعاصر في المقدمة من خطّ المواجهة في كل القضايا السياسية المصيرية التي تتعرض له بلاد المسلمين. في ثورة العشرين في العراق، عندما قاد فقهاء النجف جمهور العراقيين لطرد الانجليز من العراق، وثورة الدستور في إيران، عندما قاد العلماء الجمهور إلى المطالبة بالدستور في إيران، وتحرك الإمام الحكيم في وجه المد الأحمر الشيوعي في العراق، وقيام العلماء بالثورة ضد البرامج التي أعلنها الشاه في إيران، وغير ذلك من الثورات والانتفاضات والحركات الشعبية الواسعة، كان آخرها قيام الإمام الخميني ـ قدس سره ـ

بالاطاحة بحكومة بهلوي الفاسد... ولم يقتصر فقهاء أهل البيت بالقضايا التي تخصّ مساحة نفوذهم وإنما كانوا يحملون هموم قضايا العالم الإسلامي في شتى أقاليم المسلمين مثل قضية الجزائر وفلسطين وكشمير والبوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان وسائر الجروح في جسم العالم الإسلامي ولا يختلف عندهم أن يتعرض للظلامة شيعي أم سني، فالمسألة عندهم الإسلام والكفر .

 وقد رأينا وقوف علماء الشيعة بكلمة واحدة أمام الاحتلال الانجليزي، عندما اشتبكت القوات العثمانية والانجليزية في حروب ضروس في العراق، وكانت غاية الانجليز اخراج آل عثمان من العراق .

 والذين يعرفون تاريخ العراق المعاصر يعرفون ماذا لقي شيعة العراق وهم أكثرية الشعب، من ظلم آل عثمان وعدوانهم خلال فترة حكمهم في العراق... ومع ذلك لما جدَّ الجد واشتبكت الجيوش العثمانية بالجيوش الانجليزية في العراق، هب علماء الشيعة في العراق لمواجهة الانجليز وأتبعهم المسلمون كافّة سنة وشيعة، وكان القائد التركي يقول عن ساحة المعركة: كلما ضاقت بنا الحرب، واشتدت بنا الأزمات كنت انظر إلى خيمة فقيه الشيعة شيخ الشريعة الاصفهاني تحت وابل

الرصاص، وهو ثابت مطمئن في شيخوخته وعجزه، فاكتسبت منه القوة والطمأنينة والثقة في الموقف العسكري .

الدعوة إلى التقريب

 ومن اهتمامات فقهاء الشيعة الدعوة إلى وحدة المسلمين، وملء الفجوات التي أحدثها اعداء الإسلام فيما بين المسلمين، والعمل الجاد لتوحيد الرأي والموقف السياسي في كل القضايا الأساسية التي تهم العالم الإسلامي، وإزالة الحيرة والتشنج من الخلافات التاريخية والعقائدية والفقهية بين المسلمين، وليس معنى التقريب أن يتحول السني إلى الشيعي والحدّة من هذه الخلافات أولاً، وطرح المسائل العلمية التي يختلف فيها المسلمون في ضوء البحث العلمي الموضوعي النزيه، ثانياً كما يتفاهم فقهاء طائفة واحدة فيما بينها، والبحث عن المفاهيم والتصورات والأحكام والقواعد والاُصول الفقهية والأحاديث المشتركة، لتكون قاعدة للتلاقي بين المسلمين، ثالثاً ورابعاً: السعي الجاد لتوحيد الموقف السياسي في القضايا الإسلامية الأساسية مثل قضية فلسطين وأفغانستان والعراق وسائر مصائب المسلمين .

 وقد أثّرت الأعمال الكبيرة التي نهض بها فقهاء أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في ايجاد أرضية واسعة وخصبة للوحدة الإسلامية .

 فمن الناحية العلمية دوّن علماء الشيعة مدونات واسعة في الحديث المشترك، والاسناد الروائية المشتركة بين الشيعة والسنة، والتفسير المقارن والحديث المتفق عليه، والفقه المقارن بين الشيعة والسنة، والاُصول المقارن، والقواعد الفقهية المقارنة .

 كما كتب السيد عبد الحسين شرف الدين ـ رحمه الله ـ كتاباً في تحديد عنوان (الإسلام)، وحرمات المسلمين التي لا يجوز انتهاكها بحال، واسم الكتاب (الفصول المهمة في تأليف الاُمة) وهو كتاب قيّم يحسن بكل دعاة التقريب قراءة هذا الكتاب، الذي استقى المؤلف مفاهمية من الكتاب الكريم وما صحّ من السنة الشريفة عند الشيعة وأهل السنّة.

 كما كان للإمام كاشف الغطاء جولات واسعة في سبيل توحيد كلمة المسلمين ومؤلفات وخطب ومقالات كثيرة .

 وكان الإمام السيد حسين البروجردي الزعيم والمرجع الديني المعروف من دعاة التقريب، وممن ساهم في تشييد صروح التقريب، وكان بينه وبين الإمام الشيخ محمود شلتوت شيخ جامع الأزهر ـ رحمه الله ـ مراسلات وتعاون في أمر التقريب، رحم اللّه الماضين منهم، وحفظ اللّه لنا الباقين .

2 ـ في مجال الدراسات الفقهية :

 لأن فقهاء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ لم يغلقوا باب الاجتهاد قط، واستمرت حركة الاجتهاد في حلقات متصلة، متواصلة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام... هيأت هذه الحركة فرصاً جيدة لتكامل ونضج وتطوّر .

الآليات الفقهية للاجتهاد في هذه المدرسة

 وظهر خلال هذه الفترة فقهاء كبار أحدثوا تغييرات واسعة في منهج الاجتهاد وتطويره، وظهرت مدارس فقهية جديدة، مكّنت الفقهاء من ممارسة الاجتهاد بدرجة عالية من الكفاءة والدقة، والفرز الدقيق لموارد استخدام الأدلة والحجج .

 وفيما يلي نحن نشير إلى بعض هذه النقاط بصورة اجمالية، ونترك البحث التفصيلي والفنّي عنها إلى مواضعها :

1 ـ الموازنة بين العقل والنقل:

 (النص) هو المصدر الأساسي للاجتهاد، بلا شك، سواء كان النص من الكتاب، أم من السُنّة .

 غير أن نصوص السنّة لابدّ أن تناقش من حيث السند بصورة دقيقة لتمييز الصحيح منها عن غير الصحيح.

 والفقيه يتعامل مع النص من منطلق الحجية والتعبّد، ولا يصح له أن يتجاوز النص، أو يطوّع النص لرأيه، أو يحمل على غير معناه الصريح، إذا كان نصاً في معناه، أو غير معناه الظاهر، إن كانت الآية أو الرواية ظاهرة في معناها .

 ولا اجتهاد في مقابل النص، وكل اجتهاد أو رأي في مقابل النص فهو باطل البتّة... ولا يلجأ الفقيه إلى الاجتهاد إلاّ عند فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصوص .

 وعليه فإن النص هو المصدر الأساس للفقيه في فهم الحكم الشرعي... وهذا هو الجانب النقلي من الاجتهاد، وهو البعد الأول والأهم في الاجتهاد.

 وللعقل ثلاثة أدوار في الاجتهاد: الدور الأول في فهم النص.

 فقد يحتاج الفقيه في فهم النص واكتشاف آفاقه ومجالات تطبيقه إلى الدقة العقلية، وهذا التدقيق في فهم النص لا ينافي ما ذكرنا آنفاً من منهج (الاستظهار) وعدم العدول عن صريح الكلام في النصوص وعن ظاهر الكلام في غيرها .

 والدور الثاني في الأدلة العقلية المستقلة وغير المستقلة، والعقل بمعنى القطع واليقين حجة يحاجج اللّه تعالى به عباده، وهذا باب واسع من العلم، لا يسعنا أن نتحدث عنه الآن بأكثر من هذه الاشارة.

 والدور الثالث للعقل الاُصول العقليّة التي يلجأ إليها الفقيه عندما لا يجد سبيلاً إلى الدليل الشرعي.

 وهكذا نجد أن الفقيه يوظّف العقل لخدمة النص وفهم الحكم الشرعي في ثلاث اتجاهات، في فهم النص وفهم مجالات تطبيقه أولاً وفي اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل بقانون الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي ثانياً. وفي تحديد الوظيفة العقلية عند فقدان الدليل ثالثاً .

 وهذا الاستخدام الواسع للعقل في عملية الاجتهاد لا يُحجم دور الدليل النقلي في عمل الفقيه، إذا عرفنا أن الدليل النقلي الذي تتبعه الفقيه هو الأساس في عملية الاجتهاد وفهم الحكم الشرعي .

 2 ـ الموازنة بين الاُصولية والتطوير :

 الاُصولية هي الصيغة العامة للاجتهاد، والفقيه المتمرس في الفقه يعطي قيمة كبيرة كللمات الفقهاء المتقدّمين، وللاجماعات الفقهية التي يركن إليها الفقيه في الاستنباط، وحتى للمرتكزات الفقهية، ولسيرة المتشرعة.

 ويحافظ الفقيه على المنهج الفقهي المألوف، والموروث، ويعتبر هذا النهج أساساً صحيحاً للاستنباط تركت إليه النفس .

 وإلى جنب هذه الصبغة الاُصولية العريقة في الاستنباط، والتي توليها الحوزات العلمية التابعة لمدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ اهتماماً كبيراً... نجد أن هناك سعياً جاداً لتطوير آليّة الاستنباط.

 والذي يتبع التطور العلمي الحاصل في هذه المدرسة يجد أن فقهاء هذه المدرسة اكشتفوا خلال عملهم العلمي آليات جديدة في عملية الاستنباط .

 واضرب على ذلك مثلاً تقسيم الفقهاء الأدلة والحجج في اُصول الفقه إلى طائفيتن: (الامارات) و (الاُصول) ويتم تنظيم العلاقة بينهما من خلال قاعدتي (الحكومة) و (الورود) .

 وإذا عرفنا أن ترتيب الأدلة من المسائل الأساسية التي يواجهها الفقه في عملية الاستنباط وتحوج الفقيه إلى نظام واحد عام في الفقه لتقديم الأدلة بعضها على بعض، ولا يمكن الاكتفاء بالعلاجات والحلول الموضعية... نعرف قيمة هذا الكشف العلمي الذي توفق له قصة الشيخ الأنصاري رحمه اله)، لأول مرة في تاريخ الفقه، ويترتب على هذا الكشف آثار كبيرة في تقديم الأدلة بعضها على بعض .

 إن الاجتهاد عملية صعبة تتعهد بتطبيق الثابت على المتغير، فإن شريعة اللّه ثابتة لا تتبدل ولا تتغير وظروف الحياة الاجتماعية متغيرة شديدة التغيير، ومهمة الاجتهاد هي تطبيق ثوابت الشريعة على متغيرات الحياة، وهي مهمّة شاقة تحتاج إلى جهد متواصل في تطوير آلية الاجتهاد ليكون قادراً على تحقيق هذه المهمة.

 الموازنة بين حرية الرأي وانفتاح باب الاجتهاد وبين الالتزام بالحجة وضوابط الاجتهاد:

 اشتهر فقهاء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بالانفتاح على الآراء المختلفة، وقبول تعدّدية الرأي في الفقه، ولم ينغلق باب الاجتهاد في هذه المدرسة قط، وقد أثمر هذا الانفتاح ثمرات طيبة في تنامي وتكامل الدراسات الفقهية .

 وتميز الدراسات الفقهية في الحوزات العلمية التابعة لهذه المدرسة وحرية ابداء الرأي، والنقاش العلمي يجري على كل الأصعدة بين الطلبة والأساتذة، وبين الطلبة أنفسهم، وبين الفقهاء وأساتذة الدراسات العليا أعلى مستوى (القمّة) .

 ويتناقل الطلبة أجواء هذا النقاش وقناعاتهم العلمية، ويتمخض هذا النقاش عن تكامل حركة الاجتهاد .

 يقال أن فقيهين معاصرين هما الفقيه المحدث البحراني ـ رحمه الله ـ صاحب موسوعة (الحدائق الناضرة) في الفقه، والفقيه الاُصولي الوحيد البهبهاني صاحب كتاب (الفوائد الحائرية) تلاقيا بعد صلاة العشاء في ساحة الحائر الحسيني بكربلاء فأخذا في نقاش مسألة فقهية حتى آن وقت اغلاق أبواب الروضة، فطلب منهما سادن الروضة أن يخرجا عن ساحة الروضة فخرجا، ووقفا خارج ساحة الروضة، وهما يواصلان النقاش في نفس المسألة، فذهب السادن إلى بيته للنوم ولما عاد فجراً لفتح أبواب الجامع للصلاة، سمع من بعيد نقاشهما، فذكّرهما بقرب دخول وقت صلاة الفجر فرجعا إلى الجامع للاستعدا للصلاة .

 ويؤاخذ البعض حالة الانفتاح على الرأي الآخر، وحريّة النقاش في هذه الحوزات بالمبالغة في الانفتاح... ومهما يكن نصيب هذه المؤاخذة من الصحة، فإن أمثال هذا الانفتاح وحريّة ابداء الرأي والمناقشة، ضمن ضوابط الاجتهاد، يؤدي إلى تنضيج وتكامل هذه الحركة .

 ونحن من خلال التجربة الطويلة في هذه المدارس نعرف جيداً ان هذه الحريّة في نقد الرأي، والانفتاح على الرأي الآخر، يتم ضمن ضوابط الاجتهاد الدقيقة... وجود هذه الضوابط يحفظ حركة الاجتهاد من الانفراط والخروج عن الحدود، ولذلك استمرت حركة الاجتهاد في مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بين المحافظة على التراث والمعاصرة، وبين الاُصولية والتطوير، ولم تخرج هذه الحركة عن الخطوط العامّة المقبولة في هذه المدرسة .

الاستناد إلى الحجة

 إن القيمة العلمية الوحيدة في هذه المدرسة للحجّة وما لم يعتمد الرأي على الحجة القطعية لا يكون مقبولاً ولا صواباً، والشك في الحجيّة يساوق دائماً القطع بعدم الحجيّة .

 إذن، لابد أن يستند الرأي أخيراً إلى الحجّة، حتّى يكتسب الصفة العلمية، وهذه القاعدة تحفظ حركة الاجتهاد في هذه المدرسة عن الزيغ الخطأ، في الوقت الذي تحرص قيمة هذه المدرسة على فسح المجال للتعددية في الرأي الفقهي، وتلاقح الآراء والأفكار .

3 ـ في المجال التربوي :

 للعلماء موقع حساس وخطير في هذه الاُمة، وهو موقع التوجيه والتنظيم والاصلاح .

 وليس العلم كل شيء في شخصية العالم الديني الذي يتخرج من الحوزات العلمية، وإنما هو أحد شطري شخصية العالم الديني، والشطر الآخر والأهم في هذه الشخصية هو الخلق الإسلامي وتهذيب النفس، وما لم يكتسب أن يؤدي حق العلم فإن الناس يأخذون إليه، ويقتبسون من عمله أكثر مما يُصغون إليه... وقد روى عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أنه كان يقول لأصحابه: ((كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم)) .

 وفهمه العالم الديني ليس هو التعليم فقط، وإنما التعليم والتزكية معاً في امته أو خط الأنبياء ـ عليهم السلام ـ: (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). ولا يتيسّر التزكية للعالم الديني إلاّ إذا كان علم التزكية هو على درجة عالية من التزكية .

 ولذلك فإن منهج التهذيب والتزكية في مقدمة المناهج والأعمال التي تُعنى بها الحوزات العلمية التابعة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام... ويدخل شباب الطلبة من بلاد شتى ومن أمزجة وأخلاق وسلوكات نفسية متعددة، فتصهرهم الحوزة العلمية في أجوائها خلال سنوات عديدة، وتطبعهم

بطابعها الخاص، فيغلب عليهم الخشوع، والتفكير، وخشية اللّه، وحب العبادة، والاشتغال بذكر اللّه، والتقوى .

 وطبيعي أن يكون ذلك بدرجات مختلفة، وليس كلهم يبلغ القمّة في ذلك، إلاّ أنهم جميعاً يسلكون هذا الطريق وتصهرهم الحوزة بحرارتها التربوية العالية، إلاّ من شذفهم .

 ومن الطبيعي أن هذه الحالة من الانصهار قد هبطت بنسبة عكسية مع التوسع الكلي للحوزة، ولم يعد اليوم كما كان قبل خمسين سنة، ولكنها باقية إلى الآن وفاعلة، ومؤثرة، وإن كانت دون الطموح .

 ويدرس اليوم أساتذة الحوزة طريقة معالجة هذا الهبوط الروحي النسبي في نفوس الطلبة في ظروف التوسع الكمي الهائل الذي اكتسبته  الحوزات العلمية في السنين المتأخرة، وتنعقد لذلك مؤتمرات  ولجان محل لتحقيق الطموح الذي نطمح إليه الحوزة العلمية في أبنائها .

 وثمرة هذا الجهد التربوي الذي تهتم به الحوزات العلمية، ثمرة طيبة، فقد أنشأت هذه الحوزة عباداً صالحين للّه، رزقهم اللّه حظّاً كبيراً من تهذيب الفن وتزكيتها، وإذا فهم حلاوة ذكره، وشغلهم به تعالى عن غيره، (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، ويدخلون معنا في ساحات حياتنا، في السوق، والمدارس، والدوائر، والشوارع، ويعيشون بين عوائلنا كما يعيش بين عوائلها، إلاّ أن شيئاً من ذلك لا يشغلهم عن ذكر اللّه تعالى، ويَصبح فيهم بشكل دقيق حديث الحاضر الغائب، فهم حاضرون في مجامع الناس بابدانهم، لأداء المهمات التي ألقاها اللّه تعالى على عواتقهم، غائبون عنها، لأن قلوبهم وحلقيّة بعز قدسه، ومشغولة عن الناس وهموم الحياة بذكر اللّه، وشغوفه بحب اللّه، وسائغة إلى لقاء اللّه وخائفة وحلة من عقوبة اللّه، ومولهة بجمال اللّه وجلاله .

 وأمثال هؤلاء متواجدون في هذه الحوزة، رجالا ونساءً، وشبابا وشيوخا، وحُليت تعبت كما يقال، وليتك تراهم، وهم يقومون بين يدي اللّه في الأسحار خاشعين للصلاة، فتجري دموعهم على خدودهم،

وتسمع زفيرهم وانيبهم، وتشيح بكائهم، وليتك تراهم وهم ساجدون بين يدي اللّه يحنون إلى ربهم حنين الوالد المشتاق، وترتعد فرائصهم  من خشيته، وتخشع جوارحهم وجوانحهم بين يدي اللّه

رب  العالمين... لو رأيتهم في صلاتهم في الأسحار لشغلك ذلك عن نومك وصلاتك، ووددت أن نطول بلينه هذا المشهد ولا ينغلق ظلام الليل عن الأصباح .

 وفي هذه الحوزات مناهج ومدارس للتربية والتزكية والتهذيب .

وأهم هذه المناهج منهج التأمل والتفكير، والاستغراق في التأمل والتفكير، ومن مسالك التأمل والتفكير مسلك التأمل في النفس، فإن التأمل في النفس من أفضل مداخل التفكير في اللّه وذكر اللّه.

قد جعل القرآن الكريم التفكير في النفس قبل التفكير في الآفاق، وكلاهما هاديان إلى اللّه، ولكن التفكير في الأنفس أسرع بانسان إلى اللّه من التفكير في الآفاق، رغم أن أيّاً منهما لا يغني عن الآخر، بالضرورة .

 ومن هذه المناهج منهج الذكر والعبادة والاشتغال بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وهو من أهم هذه المناهج وأكثرها شيوعا، ولسنا نقصد بالنهج الأول لانشغال بالتأمل والتفكير عن العبادة والعمل .

 فهذا مالا تسوّغه روح هذا الدين ولكن أقصد بمنهج التفكر والتأمل أن تكون الصبغة العامة للمنهج هو التفكر والتأمل... وأما المنهج الثاني فهو الاستغراق في الصلاة والدعاء والذكر، وهؤلاء يدأبون في تلاوة القرآن والدعاء، وقيام الليل، والمواظبة على النوافل، ويعشقون الليل عشقاً، فإذا

حل بهم الليل، وهدأت من حولهم الأصوات وغُلقت الأبواب، وذهب الناس إلى مضاجعهم، قاموا إلى صلاتهم كما يقول ربنا تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) فلا تستقر جنوبهم على المضاجع حتى يهبُّو إلى عبادة اللّه.

 ولليل دولة وللنهار دولة، وكلتا الدولتين دولة الصالحين. وهناك أبطال لدولة الليل رجالاً ونساءً، وهناك أبطال لدولة النهار، وأبطال دولة النهار لابدَّ لهم من دولة الليل حتى يتمكنوا من القيام بأعباء عبودية اللّه تعالى وطاعته والدعوة إليه في النهار، وأبطال دولة الليل تنقصهم دولة النهار، حتى لا تعزلهم دولة الليل عن الانصراف إلى مسؤولياتهم في النهار، فإذا تكاملت دولة الليل ودولة النهار عندئذ يتكامل الإنسان، ويؤدي حق هذين الشطرين العظيمين من حياته .

 والعلماء أمراء دولة الليل والنهار. ولذلك يجب عليهم أن يحرصوا على أن يعطوا حق الليل والنهار بشكل كامل .

 يقول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ((أما الليل فوق أقدامهم يرتلون القرآن ترتيلا، ويستشيرون به دواء دائهم... أما النهار فحلماء علماء أبرار اتقياء قد برأهم الخوف برئ القداج)).

 ومن مناهج التربية والتزكية ترويض الجسم والنفس. ومن مفردات الترويض الصيام، والكف عن لذائذ الطعام، والكف عن الاستغراق في النوم... وبين الجسم والروح علاقة عكسية تضاءل حظه من المعرفة والبصيرة والخشوع، والانابة، والدعاء، والمناجاة... وهو رزق تتلقاه النفوس من عند اللّه، كما يتلقى الأجسام المطاعم والمشارب والمناكح من عند اللّه، وكل منهما رزق اللّه، ولكن الاكثار من الأول يؤدي بصورة قهريّة إلى تحجيم وتحديد حظّ الإنسان من الرزق الثاني، ولابد للإنسان

من رعاية الجسم، والمحافظة عليه، وتطييبه بما خلق اللّه تعالى له من الطيبات، فإن الجسم مركب من الروح والنفس، ومن دون الجسم لا يستطيع الإنسان أن يبلغ ما أراد اللّه تعالى له من السعي والكدح إلى جنانه الكريم، ولكن بشرط أن لا يبالغ الإنسان في ذلك، وبشرط أن يأخذ

الإنسان نفسه ليعصبه التضييق والتشديد في لذاته، حتى يفتح اللّه تعالى لذات الروح والنفس، ولذات الروح والنفس لا تضاهيها لذة لمن طعم هذه اللذات .

________________________

(1) التوبة: 122.