كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنّه يتسع. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم. ( نهج البلاغة ٣: ٨٥)      من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. ( نهج البلاغة ٤: ٦)      من تذكر بعد السفر استعد. ( نهج البلاغة ٤: ٦٨)      الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه. ( نهج البلاغة ٤: ٩١)      
الحوزة

 > حوزة الشام

 يراد بمركز الشام ـ هنا ـ طرابلس ودمشق وجبل عامل لأنها البلدان التي كان الشيعة الإمامية يقطنونها في ذلك الوقت.

فقد عرف عن دمشق تكاثر الشيعة فيها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، حتى القرن السابع الهجري(1).

ويبدو أن وجود الدرس الشرعي الإمامي فيها، كان ـ في بدئه ـ امتداداً للدرس الشرعي الإمامي في بغداد، فقد جاء في ترجمة الشيخ أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن جعفر الوراق الطرابلسي أنه من تلامذة الشيخ الطوسي.

ونقرأ في ترجمة القاضي الشيخ عز الدين عبد العزيز بن نحرير المعروف بابن البراج أنه من طرابلس الشام، وأنه من تلامذة الشيخ الطوسي، وأن الشيخ الطوسي عينه قاضياً في طرابلس مدة عشرين أو ثلاثين سنة، وهو سبب تلقيبه بالقاضي.

وممن عرف من أعيان الشيعة في تلكم الحقبة القاضي ابن عمار(2).

وكان لكل من الشيخين الطرابلسيين الوراق وابن البراج دورهما في تنمية وتوسيع الحركة الدينية الإمامية في الشام.

وساعدهما على ذلك وجود إمارة بني عمار في طرابلس… وبنو عمار ـ كما هو ثابت تاريخياً ـ شيعة إماميون، عرفوا باهتمامهم بنشر فكر أهل البيت (ع)، ولأجله أنشأوا مكتبتهم التي كانت تشتمل على ما يقرب من مليون كتاب.

هذا كله كان فيما ذكر من الزمن، ولم تزدهر الشام مركزاً علمياً رئيساً إلاّ في القرون من السابع إلى العاشر الهجرية، متأثرة بمركز الحلة العلمي حيث إيفاد الطلاب إليه، وإيفاده العلماء إليها.

يقول الدكتور مكي في كتابه (منطلق الحياة الثقافية في جبل عامل)(3). ص94: "وبين القرنين 7 ـ 10 هـ/13 ـ 16م عدد كبير من العاملين قصدوا الحلة لأخذ العلوم الدينية، والتعمق فيها، ثم العودة إلى جبل عامل، للتوجيه والتثقيف، منهم: ابن مشرف العاملي جد الشهيد الثاني وتلميذ المحقق الحلي، ويوسف بن حاتم الشامي، وابن الحسام العاملي، والشهيد الأول العاملي، الذين أخذوا إجازاتهم الفقهية من العلامة الحلي".

هذا وأن نفراً من علماء الحلة قصدوا جبل عامل لنشر العلوم الفقهية والمعارف العقائدية، وللاستزادة علماً، ومنهم: أحمد بن فهد الحلي (841هـ/1437)، وقد درس على ابن الشهيد الأول في جزّين".

وأبرز وأشهر العلماء الذين تعهدوا الوجود العلمي الإمامي في بلاد الشام وحوّلوه إلى مركز علمي كبير يوفد إليه، ويوفد إلى غيره، الشهيدان: محمد بن مكي وزين الدين بن علي.

كما كان لهما دورهما في تطوير حركة الفقه الإمامي بما أضافاه إلى المكتبة الفقهية الإمامية من مؤلفات قيمة متناً واستدلالاً، فـ (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) الكتب الفقهي الشهير الذي هو من تأليفهما لا يزال إلى اليوم مقرراً دراسياً في الحوزات العلمية الإمامية.

 حوزة حلب

من مآثر السيد المرتضى في نشر مذهب أهل البيت وتنشيط الحركة العلمية الإمامية وتوسيع رقعة وجودها، أن بعث تلميذه المقرب إليه والمقدم لديه الشيخ حمزة بن عبد العزيز الديلمي المعروف بسلار، إلى حلب، خليفة عنه يقوم بوظيفة القضاء والإفتاء والتدريس. وكذلك أعاد إليها ابنها وتلميذه الفقيه الشيخ أبا الصلاح الحلبي، ليكون فيها خليفته القاضي والمفتي والمدرس.

وقد التف حولهما من كان فيها من العلماء والطلاب، ومارس كل منهما دوره بإخلاص وجدية في بعث الحركة العلمية.

ومن أشهر علماء حلب السيد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني المتوفى سنة 585 هـ. وكتابه ( الغيبة) من أشهر المتون الفقهية المراجع.

قال الميرزا النوري في (مستدرك الوسائل 3 / 375): "الفقيه الجليل المعروف، صاحب الغنية وغيرها، المتولد في الشهر المبارك سنة إحدى عشرة وخمسمائة، المتوفى سنة خمس وثمانين وخمسمائة.. هو وأبوه وجده وأخوه وابن أخيه من أكابر فقهائنا ، وبيتهم بيت جليل بحلب".

 __________________________

(1) أنظر أعيان الشيعة 1/203.

(2) يراجع: أعيان الشيعة 1/206.

(3) نشر دار الزهراء ـ بيروت 1411هـ ـ 1991م ط1.